انطلاق فعاليات تكريم المخرج اللبناني جان شمعون في فلسطين

2018-08-30


كتبت بديعة زيدان:
تحت القصف، ولتصوير مشاهد من أفلام حول الحرب الأهلية اللبنانية، كان كل من المخرج اللبناني الراحل جان شمعون، ورفيقة دربه المخرجة الفلسطينية مي مصري، يحملون أرواحهم كما كاميراتهم على أكتافهم، لالتقاط مشهد هنا أو هناك .. أحياناً، كانا يضطران للصعود على الأقدام طوابق يصل عدد بعضها إلى أربعة عشر طابقاً لضمان صورة نقية، رغم ما يشكله ذلك من خطر حقيقي على حياتهما.

وذات مرة، وبينما كان شمعون يقوم بتوثيق الحرب كعادته، تشظت بناية سكنية على مقربة منه، كان أول الواصلين، ومن هول ما رآه أصيب بشلل كامل لفترة زمنية، لكن دماغه أعطى الأوامر لأطرافه بالتحرك مجدداً، بعد إدراكه لأهمية التقاط الكاميرا وتوثيق الحدث.

حكايات كثيرة حول سينما جان شمعون ومي مصري وعلاقتهما المهنية والشخصية تضمنها فيلم تسجيلي عرض خصيصاً في حفل إطلاق فعاليات تكريم المخرج اللبناني جان شمعون في فلسطين، لمناسبة مرور عام على رحيله، مساء أول من أمس، بتنظيم من بلدية رام الله و"فيلم لاب"، بحيث تتواصل الفعاليات على مدار ثلاثة أيام، يتخللها عروض أفلام لجان ومي، ونقاشات حولها مع مي من مختصين في الشأن الثقافي عامة، والسينمائي على وجه الخصوص.

واختتم حفل الافتتاح بعرض فيلم "طيف المدينة"، الذي يتمحور حول شخصية "رامي" الذي يهاجر من قريته الجنوبية إلى بيروت، هرباً من القصف الإسرائيلي، فيغدو تائهاً في فوضى مدينة تسودها الغوغاء، وعند اندلاع الحرب اللبنانية يضطر "رامي" إلى حمل السلاح بعدما خطف مقاتلون والده، وفي مشواره هذا يلتقي بكثيرين ممن يعيشون الحرب ويعايشونها كل بطريقته، ومن بينهم "سهام" زوجة مخطوف آخر كوالده.

وكان دار حوار مع مي مصري حول سينماها وسينما جان شمعون وعلاقتهما المهنية والشخصية أداره معها خالد عليان، الذي وصف هذه العلاقة بنموذج للتلاحم اللبناني الفلسطيني الجميل.

وبدأت مصري حديثها بالقول: هذا التكريم يعني لي الكثير لكونه في فلسطين، قبل أن تجيب على سؤال حول عليان بخصوص انحياز جان شمعون للثورة الفلسطينية، حتى كان واحداً من أعمدة سينما الثورة في بيروت حتى العام 1982 "التحم جان بسينما الثورة مبكراً، فقد أحب فلسطين قبل أن نتعارف، ففلسطين كما السينما هي من جمعتنا سوياً .. جان في وقت التحامه بالثورة الفلسطينية كان هناك سينمائيون ومثقفون عرب وأجانب ملتحمون بهذه الثورة، فكانت مؤسسة السينما الفلسطينية الحاضنة لكل هؤلاء المتضامنين بالسينما مع فلسطين وقضيتها، وكان جان ابن بيئة عائلية وجغرافية وجاء في حقبة زمنية شهدت صعود حضور القضية الفلسطينية ومؤيديها على الساحة اللبنانية، حيث كانت هي دون غيرها القضية الأولى للعرب والكثير من أحرار العالم وثوارها ضد الظلم والاضطهاد، والاحتلال بطبيعة الحال".

ولفتت مصري الى أن انتماء جان للقضية الفلسطينية مسألة مبدأ، كما أنه كان منتمياً لكافة حركات التحرر ضد الاضطهاد والاستعمار والدكتاتورية، حيث توجه إلى كوبا، وصنع فيلماً هناك عن حركة التحرر الكوبية، وكذلك الأمر في أيار من العام 1968 في فرنسا، التي درس فيها السينما في سبعينيات القرن الماضي، كما أكدت أنه كان مستقلاً سياسياً وفكرياً فلم يلتحق بأي حزب أو تنظيم سياسي .. وشددت: جان كان مناضلاً قبل أن يكون سينمائياً.

ولم تنف مصري شعورها بحنين لتلك الحقبة رغم مآسيها، حيث الحنين والأحلام والمقاومة، مشيرة في حديثها عن علاقتها بجان داخل المنزل وخارجه بأن حالة التكامل فيما بينهما جاءت لكون كل منهما يتمتع بتركيبة شخصية مختلفة عن الآخر، لكن الرؤى والمبادئ كانت مشتركة ومتطابقة، كما أن السينما كانت تشكل حياة كل منا، بل حياتنا المشتركة، حيث يتحول البيت إلى استوديو، فنصور ونقوم بالمونتاج داخله أحياناً .. "كنا نختلف أحياناً، لكن ظروف عملنا تحت القصف وفي ظل الحرب، كان يدفعنا سريعاً لطي صفحة أية خلافات عابرة .. فريقنا كان يتشكل من اثنين، والآراء المختلفة حتى في الإبداع لم تكن لتحول دون الخروج باستمرار بأعمال مشتركة بالاتكاء على نظرية التجريب والنقاش"، موجهة الشكر لكل من ساهم في إنجاح فعاليات هذا التكريم، وخاصة بلدية رام الله و"فيلم لاب". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: