التراث الحقيقي لأوري افنيري

2018-08-29

بقلم: عوزي برعام
في العالم الذي عشت فيه اعتبرت صحيفة «هعولام هزيه» صحيفة خطيرة، عديمة الكوابح الأخلاقية، وقد حاربت بشجاعة ضد النظام السائد. وجدت قيمها تعبيرها على الغلاف الرئيسي الفظ والمنحاز. وعلى الغلاف الخلفي الفظ والمثير للشهوة. لقد انجذبت لهذه الصحيفة كقارئ مخفيّ بعيدا عن عيون الجميع، في غرفة داخلية في كشك غرينبويم. قرأتُ لكني واصلتُ الشعور بالعداء.
نظرتي العدائية للصحيفة زادت عندما جندها افنيري من اجل شموئيل تمير خلال محاكمة كاستنر، من خلال دعمه للادعاءات بالتعاون بين قيادة اليشوف والنازيين. التحالف بين افنيري وتمير ظهر لي في حينه كمؤامرة فظيعة، في اطارها افنيري مستعد لتغيير دينه من أجل تعظيم رجل «حيروت» المحبط.
في حينه حدث شيء ما غير متوقع. قررت «الحركة الموحدة» في القدس إجراء محاكمة عامة ضد «هعولام هزيه»، وقد تم اختياري للدفاع عنها. لم يقدر أحد، حتى أنا، الى أي درجة سأتماهى مع هذه المهمة.
تركزت المحاكمة على سلسلتي مقالات نشرتا في الصحيفة: «يضطهدون السود» و»ماذا تعرف عن الجنس». حسب لائحة الاتهام خصصت السلسلة الاولى لاثارة الخلاف بين قطاعات من الجمهور، والثانية اصطدمت بالقيم المتزمتة في حينه وبدت للكثيرين في حركة الشبيبة رخيصة واستفزازية.
كنت ابن 17 سنة في حينه وذهبت بخوف الى مكتب الصحيفة. وقد قابلت هناك افنيري وشلوم كوهين اللذين زوداني بتبريرات فعالة من اجل المحاكمة. خرجت من هناك وكأنني كنت في زيارة لدولة العدو. ولكن ذلك اللقاء نقش عميقا في ذاكرتي.
في الخمسينيات قرأت في الصحيفة مقالاً هو الاول في سلسلة مقالات بعنوان «قيادة اركان بيضاء». هذا المقال أثارني لأنه اورد تفاصيل عن مشاعر مكبوتة كانت تطاردني. تلك الايام كانت ايام التنازل عن مملكة اسرائيل الثالثة لدافيد بن غوريون عندما اضطررنا للانسحاب من شبه جزيرة سيناء تحت ضغط الدول العظمى.
ما الذي سحرني جدا في المقالات عن قيادة الاركان البيضاء؟ افترض افنيري وجود هيئة اركان عادية حمراء – مهمتها اعداد الجهاز العسكري للانتصار في الحرب في أي حرب. ولكن اسرائيل، قال، لن يأتي خلاصها بالحروب. لذلك، في المقابل يجب انشاء، في اطار الجيش، هيئة اركان بيضاء تهتم باعداد خطط لتحقيق السلام وفحص افكار لانشاء دولة فلسطينية. ويجب تخصيص موارد هيئة الاركان هذه، وتكون قيمتها مساوية لهيئة الاركان العادية. إلا أن مهمتها ستكون التوصل الى سلام – سلام وليس تسوية. لقد تأثرت جدا بهذه المقالات، التي توسلت لاصدقائي من اجل قراءتها. في اعقاب القراءة توصلنا الى الاستنتاج بأن أفنيري المقصى سبق عصره.
في العام 1996 دعاني اوري وزوجته رحيل الى بيتهما وطلبا مني ترشيح نفسي لرئاسة حزب العمل امام ايهود باراك. قلت لهما بابتسامة إنه كلما صمتوا ستزيد احتمالات ذلك. لقد ذكرتهم بالمقالات عن هيئة الاركان البيضاء وقلت إنهم كانوا بالنسبة لي شعاع الضوء الكبير الذي انبثق من «هعولام هزيه». هذا السعي نحو السلام هو التراث الحقيقي لافنيري.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فاتحة لبدايات القرن !
آراء
مهند عبد الحميد
دعوا الشعب اليمني يعيش ويقرر!
آراء
عبير بشير
حسن نصر الله: الأمر لي
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أنا والغريب
اقرأ المزيد ...