تقليص ترامب لأعداد اللاجئين الفلسطينيين يزيد المشكلة تعقيداً

2018-08-28

بقلم: تسفي برئيل

"هدفنا ليس إبقاء الأمور ثابتة من دون تغيير. أحياناً يجب القيام بمخاطرة استراتيجية لكسر الأمور من أجل تحقيق الهدف"، كتب جاريد كوشنير، مستشار وصهر الرئيس ترامب في كانون الثاني إلى عدد من كبار المسؤولين في البيت الأبيض. وفي البرقية التي كشفتها مجلة "فورين بوليسي" في مطلع آب، يتحدث كوشنير عن الحاجة إلى العمل ليس ضد استمرار وجود وكالة غوث اللاجئين في الأمم المتحدة (الأونروا) فقط، بل أيضاً لإعادة تحديد عدد الفلسطينيين أصحاب وضع لاجئ.
بحسب تقارير من واشنطن، تنوي الإدارة الأميركية الاعتراف فقط بنصف مليون لاجئ فلسطيني ينطبق عليهم هذا الوضع، بخلاف تحديد الـ"أونروا"، الذي يتحدث عن خمسة ملايين لاجئ. وقد بحث كوشنير هذا الموضوع مع العاهل الأردني، الملك عبد الله، وطلب منه إلغاء وضع اللاجئين الفلسطينيين الذي يسكنون في المملكة.
مع القرار السابق الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، بالإضافة إلى تجميد 200 مليون دولار من مجموع 250 مليون دولار تمنحها الولايات المتحدة للفلسطينيين كمساعدة إنسانية ومن أجل مشاريع، استندت رغبة الإدارة الأميركية في تقليص المساعدة المقدمة لـ"الأونروا" إلى الاستراتيجية عينها القائلة ما لا يمكن حلّه بالمفاوضات يُحل من خلال القرارات الأحادية الجانب، كي نغيّر يجب أن نحطم بحسب ما يقول كوشنير.
استراتيجية البلطجة هذه لا تلائم تصريح ترامب بأن "الفلسطينيين سيحصلون على شيء جيد" في مقابل نقل السفارة، وتتناقض مع رؤية "صفقة القرن" التي بموجبها يجب على الطرفين دفع ثمن كبير من أجل تحقيق السلام. في هذه الصفقة السرية التي بدأت تختفي من جدول الأعمال، الأمر الوحيد الظاهر هو الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون والذي دفعوه حتى الآن. بحسب عقيدة ترامب بقي فقط الآن ترسيم حدود دولة إسرائيل بما يتلاءم مع خريطة المستوطنات وتحديد واشنطن وضع الأماكن المقدسة، وبذلك يمكن تحقيق اتفاق سلام تاريخي يوقّعه طرفان هما رئيس الولايات المتحدة ورئيس الحكومة الإسرائيلية.
مشكلة اللاجئين هي موضوع ذو بُعد مزدوج. في البُعد الوطني - الرمزي هي تمثل حق العودة للفلسطينيين، كما ورد في قرار الأمم المتحدة 194 العائد إلى سنة 1948، وهو السبب المركزي للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. هذا القرار الذي اعتمدت عليه المطالبة التاريخية بالحق الذي سُلب من الفلسطينيين في أعقاب حرب 1948 التي تسببت بالنكبة واللجوء الفلسطيني. التنازل عن مشكلة اللاجئين وعن حق العودة هما بمثابة خيانة للفكرة الوطنية ومنح الغفران من دون مقابل للطرف الذي كان سبب الظلم الكبير الذي لحق بالفلسطينيين.
لكنّ للرموز والمُثل أيضاً ثمنا. دول كثيرة شهدت نزاعات قومية مأساوية ووجدت سبلاً للتسوية والتسامح، من دون نسيان المآسي التي مرت بها. على سبيل المثال، تعامُل إسرائيل مع ألمانيا، أو القبائل المتخاصمة في رواندا. وقد أوضحت الزعامة الفلسطينية أنها مستعدة للتفاوض مع إسرائيل بشأن حق العودة. في سنة 2002 وخلال القمة العربية التي عُقدت في بيروت، أوضحت الدول العربية أنها ستوافق على حل عادل ومتفق عليه على أساس القرار 194. وكانت هذه الصيغة الرسمية الأولى التي صدعت السور الحصين الذي منع أي بحث في الموضوع.
بحسب وثائق عرضتها محطة الجزيرة سنة 2010، بحث محمود عباس مع رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، استيعاب عدة آلاف من اللاجئين بوتيرة عشرة آلاف في السنة على مدى عشر سنوات (أولمرت اقترح 25 لاجئ فلسطيني). يومها اعترف الطرفان بأن المطالبة القصوى والرفض المطلق لا يؤديان إلى حل، وكانت المسألة المطروحة ما هو العدد الذي يستطيع كل طرف أن يعيش معه بسلام مع شعبه. وبحسب ذلك انتقل البُعد العملي لحق العودة إلى الحاجة إلى ترجمة الرمز إلى أرقام، والتي كان يجب أن تكون جزءاً من المفاوضات، مثلها مثل وضع القدس.
الساطور الذي يلوّح به ترامب بشأن عدد اللاجئين يمس مباشرة بهذين البُعدين للمشكلة ويعقد حلها من دون أن يقترح حلاً عملياً. حتى لو قبِل الفلسطينيون بأعجوبة الموقف الأميركي، ما هو مصير نصف مليون لاجئ؟ هل نسمح لهم بالعودة إلى منازلهم؟ وهل ستنتقل المفاوضات الآن إلى مسائل حسابات بدلاً من البحث عن اتفاق مبدئي، من دون علاقة بعدد اللاجئين؟ بصورة عامة إلامَ استندت الإدارة الأميركية عندما حددت عدد اللاجئين بنصف مليون؟ ترامب لا يقترح إجابات عن هذه الأسئلة. حالياً، الشيء الوحيد الذي يهمه هو القضاء على وكالة غوث اللاجئين من خلال تصويرها بأنها تزيد عدد اللاجئين لتبرر وجودها والميزانيات التي تحصل عليها، واتهامها بصورة خاصة بأنها تعمل على تأبيد مشكلة اللاجئين. أي من دون الوكالة لا وجود لمشكلة اللاجئين، وإذا كانت هذه المشكلة موجودة فعلاً فإنها موضوع ثانوي.
ترامب على حق بأن وكالة غوث اللاجئين هي هيئة فاسدة لا يمكنها التباهي بشفافية أعمالها وإنفاقها المالي. لكنها الوكالة التي يعتاش منها أكثر من 22 ألف شخص في التعليم، والتي تدير عشرات المدارس، وتوزع آلاف الحصص الغذائية. كما أنها مصدر المساعدة الأساسي وتقريباً الوحيد لمئات آلاف اللاجئين. إن التقليص في ميزانيتها يمكن أن يمسّ بصورة كبيرة بقدرتها على العمل، لكن إذا قررت الدول العربية دفع الحصة التي ستقتطعها الولايات المتحدة من ميزانية مساعدة الفلسطينيين، لن يكون لقرار ترامب نتائج عملية كثيرة. تقترح إدارة ترامب تحويل الدعم مباشرة إلى الدول التي تستضيف لاجئين والالتفاف بهذه الطريقة على الوكالة، لكن في الوقت الذي تقلص الإدارة ميزانية المساعدة للفلسطينيين فإنها لا توضح حجم المساعدة للدول المضيفة.
أيضاً ادّعاء الرئيس الأميركي أن اللاجئين الفلسطينيين فقط يتمتعون "بحق وراثة" وضع اللجوء هو ادعاء صحيح. تحدد وثيقة جنيف وكذلك مفوضية الأمم المتحدة للاجئين (بخلاف وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين) أن اللاجئ هو الذي اضطر إلى الفرار إلى دولة أُخرى بسبب ظروف الحرب أو الملاحقة، لكن هذا الوضع ليس قابلاً للتوريث. من وقت إلى آخر برزت تقارير تتحدث عن وجود تقرير سري لدى الخارجية الأميركية بشأن العدد الحقيقي للاجئين الفلسطينيين، أرقامه أقل كثيراً حتى من الرقم الذي اقترحه ترامب، لكنه لم يُنشر لأسباب سياسية.
حق الوراثة هو الذي خلق فعلاً الحجم الهائل لعدد اللاجئين الفلسطينيين، لكن بخلاف لاجئين آخرين، ليس للفلسطينيين دولة كي يعودوا إليها بعد الحرب، ولقد بقي أجيال من الفلسطينيين من دون انتماء وطني أو الحق في الحصول على الجنسية في جزء من الدول المضيفة. قيام دولة فلسطينية مستقلة قادرة على استيعاب اللاجئين من المفترض أن يحل مسألة الانتماء الوطني ومسألة الجنسية. لكن من أجل هذه الغاية يجب التوصل إلى مفاوضات تؤدي إلى اتفاقات سياسية. في مقابل ذلك يقترح ترامب أسلوباً فريداً من نوعه، في البداية يقول إن المشكلة غير موجودة، وبعد ذلك يفاوض.

عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: