العلاقات الأميركية - الخليجية بـعـد انـتـخـاب تـرامـب

2018-08-28

بقلم: يوئيل جوجانسكي والداد شبيط

يُظهر فحص عدد من القضايا الموجودة على الأجندة بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لا سيما بينها وبين السعودية، أن الطرفين يجدان صعوبة في إعطاء إجابة عن التوقعات العالية بخصوص العلاقات بينهما، التي وجدت بعد انتخاب الرئيس ترامب للرئاسة. الصحوة المتبادلة ستجبرهم على اعادة تقييم قدرتهم على تشكيل السياسات التي ستساهم في تحقيق أهدافهم. من ناحية الادارة الأميركية هذا الامر صحيح بالاساس بخصوص أملها في الاستناد بقوة أكبر إلى دول الخليج من اجل تحقيق أهدافها في مواجهة إيران والفلسطينيين. تؤثر هذه الفجوات مباشرة على إسرائيل، حيث إن الفجوات تزداد بين التقاء المصالح بينها وبين دول الخليج في عدد من المواضيع الواقعة في مجال المناورة الضيق لها، وبالاساس السعودية، من أجل ترجمته إلى تعاون حقيقي.
العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية ودول خليجية أخرى في عهد ترامب يتم وصفها علناً من قبل الاطراف على أنها متينة وتساهم مباشرة في تحقيق المصالح المشتركة. ذهب السعوديون بعيداً ووصفوا زيارة الرئيس ترامب إلى الرياض في أيار 2017 بانعطافة تاريخية في علاقة الدولتين. الطرفان يواصلان التأكيد على الرغبة في تحسين الشراكة، وغالبا يتم الحديث عن علاقات شخصية بين عدد من رجال البيت الابيض وعدد من زعماء دول الخليج.
ولكن فحص المسائل الماثلة على جدول الاعمال بين الولايات المتحدة ودول الخليج، لا سيما بينها وبين السعودية، يدل على أنهم يجدون صعوبة في اعطاء اجابة عن التوقعات العالية بخصوص العلاقات بينهم، التي نشأت بعد انتخاب ترامب للرئاسة.
شهادة علنية على الاستياء في اوساط الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الخليج كانت اقوال وزير الدولة للشؤون الخارجية في اتحاد الامارات (لندن، تموز 2018) بأنها تجد صعوبة في الاعتماد على المساعدة الأميركية والبريطانية، كما يبدو فيما يتعلق بالحرب في اليمن.
المسائل التي بشأنها نشأت فجوات في التوقعات بين الطرفين: اولا، التحدي الايراني. الخط الهجومي الذي تبنته ادارة ترامب تجاه ايران استبدل بترحاب في الخليج العربي. وحتى أنه جعل عددا من الزعماء يشددون تصريحاتهم ضد طهران. تحفظت دول الخليج على الاتفاق النووي مع ايران، رغم أنهم أيدوه علناً. في أيار 2018 انضمت السعودية واتحاد الامارات الى اسرائيل، وأظهروا دعمهم لانسحاب أميركا من الاتفاق. لأنه حسب رأيهم زاد من العداء الاقليمي لايران دون أن يوقف طموحاتها بعيدة المدى في المجال النووي. الآن هي تريد الاظهار أنها تعاونت في حملة الضغوط التي يمارسها النظام ضد ايران، التي تم التعبير عنها ضمن امور اخرى، بموافقتها على زيادة وتيرة استخراج النفط في اعقاب قرار "اوبك + واحد"، وطلب الرئيس ترامب بهذا الشأن. مع ذلك، مثلما في السابق، كل طرف معني بأن يظهر الطرف الآخر استعداده لاستثمار موارد، لا سيما عسكرية، من اجل تحقيق هدف تقييد خطوات ايران في المنطقة. عاد الرئيس ترامب وأكد أنه يأمل أن تزيد السعودية إسهامها الاقتصادي في الجهود. في المقابل، ايضا في السعودية يظهر هناك عدم رضا جراء نقص الاستعداد لدى الجانب الأميركي لاعطاء اهتمام كاف حسب رأيها للشرق الاوسط، وبسبب ما يعتبر استعدادا للتصالح مع ايران، على خلفية تصريحات الرئيس حول استعداده للتحدث مع الايرانيين بدون شروط مسبقة، وكذلك تقارير عن تبادل رسائل بين الولايات المتحدة وايران بوساطة عُمان.

المسيرة السياسية الإسرائيلية – الفلسطينية
تسعى الادارة الأميركية الى بلورة صيغة تمكن من حدوث اختراقة في القناة الاسرائيلية - الفلسطينية، وتدفع قدماً خطة ترامب للسلام. ولكنها تواجه ببرود من دول الخليج في كل ما يتعلق بمبادئ الخطة. وكما يبدو فان السعودية لم تشذ عن المواقف التقليدية الواقعة في قلب الاجماع العربي. والدليل على ذلك قُدّم في القمة العربية الأخيرة، التي عقدت في السعودية في نيسان 2018 والتي سميت "قمة القدس". على خلفية الانتقاد الفلسطيني والعربي الذي أسمع ضد تنازلات كانت هناك جهات سعودية مستعدة لقبولها، وكذلك في اعقاب معارضة السعوديين لكل خطوة تطبيع مع اسرائيل، لا سيما على خلفية نقل السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس.

إعادة إعمار سورية
الولايات المتحدة معنية في رؤية مشاركة اوسع من قبل دول الخليج في سورية، بما في ذلك تواجد عسكري من قبلها يحل محل الجنود الأميركيين الموجودين في الدولة. هذا ما تأمله الادارة الأميركية. في هذا السياق جاءت تقارير عن رغبة الادارة في تشكيل نوع من "الناتو" العربي – سلاح عسكري، يحارب ضد تمركز ايران وضد الارهاب. أعلنت الرياض حقاً في الماضي استعدادها لارسال قوات من قبلها الى سورية، لكن يبدو أنها لم تكن تنوي في أي يوم عمليا ان تنفذ هذا التعهد، بسبب حاجات امنية ملحة اكثر على حدودها الجنوبية. في اليمن يبدو ان احتمالية تموضع قوة عسكرية عربية مشتركة بروح توقعات الرئيس ترامب، محكوم عليها بالفشل، بسبب القدرات العسكرية المحدودة للدول العربية والخلافات الشديدة بينها.      

إصلاحات سياسية
تعطي ادارة ترامب اولوية لاستقرار الانظمة في دول الخليج على تحقيق قيم الديمقراطية وحرية التعبير، ولا يبدو أن هناك ضغطا أميركيا على الملكيات المطلقة هذه من اجل تشجيع اصلاحات سياسية، ولا يتم اسماع انتقاد جدي على خرق حقوق الانسان الممنهج فيها؛ جدول الاولويات المرغوب فيه في الرياض وأبو ظبي. على خلفية هذه الامور فان الثورة السعودية "من أعلى الى أسفل" تحظى بالدعم، والتي فيها جانبان يسود بينهما توتر، الدفع باصلاحات اقتصادية ضرورية من جهة وتعزيز النظام المنفرد القمعي من الجهة الاخرى، الذي يختلف في جوهره عن طبيعة النظام السابق لكل فروع العائلة. مع ذلك يتوقع أنه كلما تعمق القمع سيزداد ضغط الادارة الأميركية من جانب الكونغرس على اتخاذ موقف متشدد اكثر في هذا الأمر.

الأزمة في مجلس التعاون الخليجي
كتلة سياسية خليجية موحدة كانت وما زالت مصلحة بالنسبة للولايات المتحدة، التي تسعى الى ترسيخ جبهة موحدة امام ايران. عمليا، الازمة بين الرباعية العربية (السعودية واتحاد الامارات والبحرين ومصر) وبين قطر – التي حاولت الادارة الأميركية وفشلت في حلها – قربت بين قطر وايران وتركيا في المجال العسكري والاقتصادي والدبلوماسي. هذا التقارب شيء غير مرغوب فيه في نظر جارات قطر، التي تفرض عليها مقاطعة منذ سنة تقريبا، حتى أنه جاءت تقارير تقول بأنها طلبت غزو اراضيها واسقاط الأمير الحالي، تميم بن حمد آل ثاني عن العرش. في هذه المرحلة، الادارة الأميركية منشغلة في محاولة عقد مؤتمر قمة في الخريف، في اطاره سيتم بحث الازمة في محاولة أخرى لتسويتها.

صفقات السلاح
زيارة الرئيس ترامب إلى الرياض في أيار 2017 ولقاؤه ولي العهد، محمد بن سلمان، تمثلت بصفقات سلاح ضخمة كانت الادارة المدنية تريد عقدها بهدف تخفيف العبء العسكري عن الولايات المتحدة، والمساعدة في زيادة فرص عمل في الولايات المتحدة وكذلك مساعدة السعودية على مواجهة التهديدات وتجسيد التعهدات الأميركية لامنها. حتى الآن ليس واضحا الى أي درجة ترجمت هذه التعهدات الى صفقات فعلية. كما يبدو أن الادارة ما زالت تعلق الآمال على التأثير الايجابي الذي سيكون بتحقيقها على الاقتصاد في الولايات المتحدة.

الحرب في اليمن
حتى الآن وبعد اكثر من ثلاث سنوات من القتال، تكلفتها تقريبا 200 مليار دولار، فان السعودية لا تستطيع أن تشير الى نتائج عسكرية مهمة، هذه الحقيقة يتوقع أن تكون لها تداعيات على مكانة ابن سلمان في الداخل والخارج. على هذه الخلفية ترتكز صورة الرياض كما من شأنها أن تورط الولايات المتحدة في حرب ليست لها. وذات قيمة اقتصادية محدودة. اضافة الى ذلك، في الادارة هناك إدراك بأنه على الاقل جزء من المسؤولية عن الوضع الانساني الصعب في اليمن والاضرار والمس الممنهج بالسكان، المنسوب للسعودية، التصق بالادارة ايضا. بالاساس في صفوف الكونغرس وكذلك في الساحة الدولية، الادارة من جانبها ورغم انها سمحت ببيع وسائل قتالية للسعودية، منعه نظام اوباما، ما زالت حذرة من الانجرار الى تورطات عسكرية مباشرة في الحرب، وتريد بالاساس حل الازمة بطرق دبلوماسية، من خلال بذل الجهود لسحب الانجازات التي حققها الحوثيون.
باختصار، الولايات المتحدة ودول الخليج ستواصل رؤية أن تعزيز العلاقة فيما بينها هو هدف استراتيجي، حيث من الواضح لها انه من ناحيتها ليس هناك بديل عن شبكة العلاقات هذه في واقع الشرق الاوسط الحالي. احباط الادارة الأميركية المحتمل، التي تأمل في الاستناد الى دول الخليج بقوة اكبر من اجل تحقيق اهدافها امام ايران في المسألة الفلسطينية، سيؤثر بصورة مباشرة على المصالح الإسرائيلية. في الوقت ذاته تتعمق الفجوات بين التقاء المصالح الموجودة بينها وبين دول الخليج في عدد من المواضيع وبين فضاء المناورة الضيق الموجود لدول الخليج ولا سيما السعودية.

عن "مباط عال"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: