حول جدلية العلاقة بين المدة الزمنية لكتابة الرواية وجودتها ...!

2018-08-28


كتبت بديعة زيدان:

كتب كافكا روايته الشهيرة "المسخ" في أواخر العام 1912، خلال فترة واجه فيها صعوبات لتحقيق تقدم في روايته الأولى.. في 17 تشرين الثاني 1912، كتب إلى خطيبته فيليس باور أنه كان يعمل على قصة "جاءتني في رقادي البائس على الفراش"، وظلت تطارده.. كان يأمل في كتابتها بسرعة، واشتكى لفيليس من أن التأخير قد يضر بالقصة.. بعد ثلاثة أسابيع، في 7 كانون الأول، انتهى منها، رغم مضي ثلاث سنوات أخرى قبل نشرها بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، فقد كان قد قرأ المقطع الأول من الرواية لأصدقائه في 24 تشرين الثاني 1912، ومرة أخرى في 15 كانون الأول، ومن هنا بدأ يكثر الحديث عنها، وحصل كافكا على إشارات برغبة كورت وولف بنشرها .. كان ذلك في آذار 1913 بناءً على توصية من صديق كافكا، فرانز فيرفيل، وأعرب بعض المحررين عن اهتمامهم، لكن مرت أشهر قبل أن يعيد كافكا كتابة المخطوطة لتكون جاهزة للنشر، ومن ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، ما تسبب في مزيد من التأخير.

إذا في ثلاثة أسابيع، وفي روايات أخرى في أسبوعين، أنجز كافكا واحدة من أهم الروايات العالمية التي لا تزال تحقق حضورها على المستويين الأكاديمي والنقدي، وحتى على مستوى المبيعات والترجمات، حتى يومنا هذا، وهي التي قال عنها ماركيز: عندما أنهيت قراءة المسخ، شعرت بشوقٍ لا يقاوم للعيش في ذلك الفردوس الغريب. يومها حملت الآلة الكاتبة المحمولة محاولاً كتابة شيء من شأنه أن يشبه بطل كافكا المسكين الذي يتحول إلى صرصار ضخم.

والأمثلة على الروايات العالمية ذات الحضور الطاغي، وأنجزت في فترات قصيرة، كثيرة، كذلك الأمثلة على تلك التي أنجزت على مدار عدة سنوات أيضاً كثيرة، وهذا ما دفع "أيام الثقافة" لفتح هذا الملف حول مدة إنجاز الرواية وعلاقتها بجودتها من عدمه.

روايات معلبة
الناقد السعودي محمد العبّاس قال لـ"أيام الثقافة": الشريط اللغوي المكتوب للرواية لا يعكس بالضرورة الفترة التي استوت فيها فكرة الرواية وتشكلت داخل متن نصي. فقد يكون كاتبها قد فكر فيها لسنوات وكتبها على مراحل ما بين إقبال وإدبار وحماسة وملل أو حتى حبسة كتابية طويلة الأمد.

فما يصل إلى القارئ هو العمل بعد مكابدات لا مرئية. ولذلك نحب أن نقرأ سيرة النص، أي سيرورته لنتعرف لا إلى فترة مخاضه وحسب، بل إلى معاناة الكاتب مع موضوعه وآلية معالجاته وأسلوبه في الالتفاف على المحرمات وهكذا.

وأضاف: نقرأ مثلًا أن امبرتو ايكو كتب العبارة الافتتاحية لرواية "اسم الوردة" وتركها لمدة عام، كما نقرأ كيف كان كازانتزاكي يبلل أوراق "الإغواء الأخير للمسيح" بدموعه لأنه تجاوز حدوده في مقاربة المقدس الديني، إلى آخر الحكايات التي تضعنا في أجواء كتابة الرواية وآليات تزمينها على مستوى كتابتها تحديداً.

وعليه يمكن ملاحظة طبيعة تلك الأعمال التي تم الاشتغال عليها بعناية وتأنٍ داخل زمن الكتابة، مقابل روايات كُتبت على عجل بما يشبه الإنتاج المصنعي، حيث يلاحظ وجود كُتاب يمتلكون آلية الكتابة الجاهزة التي تحافظ على شكل الكتابة الروائية، فيما هي تمارس حالة من تفريغ الفعل الروائي من جوهرانيته، إذ يسهل سرد الحكايات ضمن قوالب معلبة، كما يسهل ترويجها كنماذج لملكة الكتابة الحاضرة على الدوام حسب الطلب.

وتابع العبّاس: لأن الرواية ليست كتلة كلامية أو لغوية، بقدر ما هي محصلة خبرات لغوية ولا لغوية، وهو أمر لا يتأتى للذات الكاتبة داخل حيز زمني قصير، حيث يتطلب الأمر خبرات متراكمة وحيوات متعددة ومشاهدات مفتوحة على الحياة.

وهنا يمكن القول إن إنجاز رواية أو روايتين كل عام هو مهمة الروائي الذي يغترف من قراءاته وليس من خبراته.

وهي، بتصوري، روايات معلبة تفتقر إلى الخيال والمعرفة الحسية، لأنها ليست نتاج خبرات حياتية، ولا حتى ما يُعرف بالكتابة المختبرية، التي تعتمد على صناعة الرواية داخل معمل معلوماتي لغوي، حيث يتطلب الأمر اقتراباً مباشراً من الحياة، كما كان يفعل جيمس جويس مثلاً بقياس بلاطات شوارع دبلن ليرسم معالم خطوات بطله، أو كما درس فلوبير خصائص الزرنيخ الكيميائية ليقتل بطلته "مدام بوفاري".

وهذه ممارسات كتابية أشبه ما تكون بالدراسات التي يشترطها الفعل الروائي، وتستهلك الكثير من الجهد والوقت، ما يطيل أمد كتابة الرواية، حيث يمكن التقاط الدهشة والمتعة في الجهد الذي بذله باتريك زوسكند ليضع القارئ أمام متاهة "العطر".

وختم العبّاس: يمكن ضرب الكثير من الأمثلة حول الروايات الخالدة التي يكمن سر روعتها في الجهد المبذول لصياغتها، وفي فترة اختمارها كفكرة وحبكة وشخصية قبل أن تصاغ في شريط لغوي، مقابل الروائي الذي يتعامل مع الرواية كمعلبات داخل خط إنتاجي آلي، كمقدمة لما بات يُعرف بالروائي الناسخ الذي بمقدوره تصدير رواية خلال أيام لا تملك من الفن الروائي إلا الشكل.

زمن الكتابة وجودة النص
الروائي السوداني أمير تاج السر، قال بدوره: في رأيي زمن كتابة الرواية ليس له علاقة بجودة النص من عدم جودته، فالنص في أيام كتابته يبدو عند معظم الكتاب، تفريغاً لما اختزنته الذاكرة من تداعيات ابتداءً من ولادة الفكرة حتى وضعها على الورق ومتابعة تلقيحها بالأفكار الأخرى لينتهي النص.

وأضاف لـ"أيام الثقافة": هناك من تستغرق منه الكتابة الفعلية للنص زمنا طويلاً، خاصة إن كان النص مليئاً بأفكار شتى، وأظن أن الأمر عائد لعدم الانتظام في الكتابة، الكاتب هنا لا يضع برنامجاً يومياً للكتابة، وإنما يكتب متى ما عثر على وقت.. آخرون يكتبون بصورة يومية حين يضغطهم النص، وبالتالي ينجزون في فترة أسرع من غيرهم، وفي كلا النموذجين قد يكون النص جيداً أو رديئاً، أو متوسطاً.

وأضاف: الكاتب في الغرب يعمل كاتباً، أي هو يؤدي وظيفة يومية، وهو قادر على إنتاج نص كل عام، وهذا النص ينتظره قراؤه، تماماً مثلما ننتظر نتائج عمل ما من عامل مكلف بإنجازه، ولم أسمع بمن يقول إن فلاناً غزير الإنتاج أو لا يترك أفكاره تنضج، أو متعجل، إلى آخر تلك المقولات التي نسمعها كلما أنجز شخص مجتهد نصّاً ما بالرغم من صعوبة ذلك في بلاد لا تفرغ المبدعين للكتابة، ولا تمنحهم حقوقاً جيدة، ولا حتى تذكرهم حين يموتون.

وختم أمير تاج السر: لقد كتبت كثيراً عن هذا الموضوع، ودائماً ما أنادي بالحكم على النص بعد قراءته، وليس النظر إليه بسلبية لأنه كتب في شهر أو اثنين بحسب تصريح كاتبه.. أنا من الذين يضعون برنامجا للكتابة، لذلك أنجز سريعاً، وأواجه بذلك السؤال التقليدي دائماً: أنت متهم بغزارة الإنتاج، ولا أعرف لم الكتابة السريعة تهمة في حد ذاتها؟ .. أعتقد أنه بمزيد من التطور في صناعة الكتاب، وإنشاء وكالات أدبية، وتحرير وغيره، قد تصبح الكتابة حرفة، وحينها لن ينظر للكاتب المنتج بهذه السلبية.

الجودة رهن قدرات الصانع
بدورها قالت الروائية الليبية نجوى بن شتوان: زمن الرواية هو زمن صناعتها. لا يتضمن الكتابة فقط بل ما بعد الانتهاء منها وقبل الدفع بها للنشر، أي الوقت الذي ستقرأ فيه قراءة متأنية مدققة .. زمن ما بعد الانتهاء هو مسافة مهمة ومؤثرة تتيح للكاتب الخروج نفسياً وذهنياً من أجواء الرواية والابتعاد عنها بما يفضي إلى محو الأثر المترتب عن التشبع بها، ما يساعد في النظر إليها بعين مختلفة ومشاعر جديدة.

وأضافت لـ"أيام الثقافة": يشكل زمن كتابة الرواية عاملاً حساساً إذا ما مسّت سرعته أو بطؤه جوهر العمل، فيأتي العمل إما مطبوخاً على عجل أو مطهواً حد الاهتراء.. يقول إيكو: "إن الأشخاص الذين ينشرون كتاباً كل عام يضيعون سنوات من إعداد القصة أو الحكاية" .. نعم هم من هذه الناحية يفوتون على القصة أن تنمو وتتخمر بشكل جيد، لكنهم إن استطاعوا أن يكتبوها كما كتب ديستويفسكي "المقامر" في عشرين يوماً عليهم ألا ينتظروا حتى يفسخها الوقت، وإن استطاعوا أن يكتبوها كما كتب ايشيغور "بقايا اليوم" في أربعة أسابيع لتحتفظ بجودة تؤهلها بعد ٢٨ عاماً للفوز بـ"نوبل"، عليهم أن يكتبوها بسرعة كما لو أنها تعيش أبداً.

وشددت بن شتوان: دائماً هناك تفاوت في سرعة الإنجاز بين الكتّاب بعضهم البعض، وبين الكاتب ونفسه من عمل لآخر، لكن الوقت ليس مسؤولاً عن الجودة أو عن المهارة بشكل كلي، الجودة رهن بقدرات الصانع والحائك، فقد يتحقق مع صانع في زمن وجيز ما لم يتحقق مع آخر في زمن أطول، والعكس صحيح.

كذلك قد تتراوح الجودة بين أعمال الكاتب نفسه مع اختلاف زمن إنجازها. الكاتب الماهر هو من يجيد التقدير، فالزمن الحرفي يوجد بوجود الصانع المحترف، ومن المغالطة ربط الكتابة الغزيرة أو السريعة بالكتابة السيئة، والكتابة البطيئة بالكتابة المتقنة، فالأمر في جميع حالاته يعود لقدرة الكاتب وإمكانياته وجاهزيته.

ليس مبعثاً للفخر
وكان الروائي والأديب العراقي برهان شاوي، كتب على صفحته في "فيسبوك": أحيانا يتباهى بعض الكتّاب بطول زمن كتابة عمل روائي لهم، وكأن ذلك مبعث فخر يمنح روايتهم المصداقية والقيمة الإبداعية، وكأن السرعة والبطء ليس لهما علاقة بانسيابية الأحداث وحركتها ووضوح الشخصيات والبناء الكلي للرواية بشكل عام، وبالتحضيرات الوافية والكافية للبدء بالكتابة، وتوفر الوقت عند هذا الكاتب أو ذاك أو لهذه الرواية أو تلك.

وأضاف فيما كتبه وصرح لـ"أيام الثقافة" بنقله في إطار هذا الملف: لكل رواية منطقها وقوانينها السردية وطقسها الخاص الذي يشد الكاتب إليها.. فهناك من يقضي عمراً في كتابة رواية كما لدى مارسيل بروست وبحثه عن الزمن المفقود، وهناك من يكتب رواية في ليلة أو في أيام أو خلال أشهر!

وتابع شاوي: طول زمن كتابة الرواية لا علاقة له بقيمتها الأدبية أو الفنية، فقد تكون رواية سطحية وضحلة بينما كتابتها استغرقت سنوات.

وعلى عكس ذلك فممكن أن تكون رواية كتبت خلال أسابيع ذات قيمة إبداعية، والعكس صحيح أيضاً فقد تكون الرواية استغرقت سنوات رواية عظيمة وأخرى كتبت خلال أيام "تافهة"..لا يوجد قانون ثابت في ما يخص زمن كتابة الرواية، حتى عند الكاتب الواحد نفسه.

واعترف شاوي: كان هاجس زمن كتابة الرواية يثيرني، لذا توقفت منتبها لمباهاة الكتاب بطول زمن كتابة رواياتهم، فبحثت في مفصل خاص بتاريخ الرواية والذي يخص زمن كتابة الروايات فوجدت أشياء عجيبة، فرواية "المقامر" لدستويفسكي كتبها خلال 20 يوماً لأنه كان محتاجاً للمال، وكان وعد ناشره بأن يسلمها له خلال ثلاثة أسابيع، بينما كان في الوقت نفسه يكتب روايته الخالدة "الجريمة والعقاب"، وكتبها خلال أشهر، أما فوكنر فكتب إحدى رواياته خلال ساعات من عمله في الليل، وهيمنغواي كتب إحدى رواياته الكبيرة والشهيرة خلال أربعة أيام، وكما كان دستويفسكي يكتب أكثر من رواية في الوقت نفسه كان نجيب محفوظ، فبمجرد إلقاء نظرة سريعة على قائمة أعماله وسنوات إصدارها سنعجب مثلاً من كونه كتب روايتيه الخالدتين "قصر الشوق" و"السكرية" في سنة واحدة (1957)، وكان قبلهما بسنة كتب "بين القصرين"، وفي العام 1962 كتب روايته الجميلة السمان والخريف ومجموعته القصصية دنيا الله وفي العام 1965 كتب روايته الروحانية "الشحاذ"، ومجموعته القصصية الشهيرة "بيت سيئ السمعة"، وفي العام 1975 كتب ثلاث روايات مهمة هي: "حكايات حارتنا"، و"قلب الليل"، و"حضرة المحترم"، وفي العام 1982 نشر روايتين هما: "ليالي ألف ليلة وليلة"، و"الباقي من الزمن ساعة"، ومجموعة قصصية بعنوان "رأيت فيما يرى النائم"، وكذا في العام 1983 كتب رائعته رواية "رحلة ابن فطومة" ومجموعته القصصية "أمام العرش".

وأختم بما قاله لي الروائي السوري خالد خليفة في حوار نشرته "أيام الثقافة" سابقاً بخصوص روايته "مديح الكراهية"، واستغرق في كتابتها ثلاثة عشر عاماً .. أجاب حينها: لقد أصبح الزمن بعيدا، أستطيع أن أقول إنني بدأت أنسى كيف حدث ذلك، وأعتقد أن أية رواية بعد نشرها هي مشروع ندم لأي كاتب، والآن أقول ليتني قضيت عشرة أعوام أخرى في كتابتها، وإن كان زمن الاستغراق في أية كتابة لا يمنحها امتيازاً، لكن على الأقل كان سيمنحني فرصة أخرى لوهم جديد بأنه ما دامت الرواية في حوزة الكاتب ولم تنشر، ستصبح بالضرورة أكثر جودة. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: