فلسطين تكرّم جان شمعون

2018-08-28


كتب يوسف الشايب:

اختار جان شمعون الطريق الأصعب في السينما، وهي الانتصار لقضية كان العالم بأسره يتكالب عليها، فحمل كاميراته على كتفه كـ"آر.بي.جيه"، وأطلق صوراً أصابت الاحتلال وأنصاره في مقتل، مدركاً مع رفاقه القادمين من كل أنحاء العالم إلى بيروت؛ لتأسيس حركة نضالية سينمائية تشكل رديفاً للمقاومة الفلسطينية بشتى أشكالها، أهمية ودور الصورة في حمل الرواية الفلسطينية إلى العالم، كما كان يصر أن تكون رفيقة دربه الكاميرا، ورفيقة دربه مي مصري، القريبتان إلى قلبه، بوابتي عبور له نحو التعبير عن هذا الشعور الإنساني أولاً بشعب فقد أرضه، والشعور الوطني القومي العروبي لمن كانوا جزءاً من بلاد الشام، يعيشون هم واللبنانيون والسوريون والأردنيون تحت حكم واحد، فاستعمارات متعددة، لينتهي المطاف بفلسطين التي شكّلت حاضرة ثقافية ما قبل النكبة، "وطناً قومياً لليهود".

ولم تنس فلسطين واحداً من أكثر الرجال حماسة للقضية الفلسطينية والقضايا الثورية والإنسانية، كما وصفته منظمة التحرير الفلسطينية، فهو الذي انطلق سينمائياً عبر مؤسسة السينما الفلسطينية، فقررت بلدية رام الله و"فيلم لاب" تنظيم فعاليات تكريم المخرج اللبناني جان شمعون، وتنطلق، مساء اليوم، ولثلاثة أيام، في المسرح البلدي بدار بلدية رام الله.

وجاء في بيان صادر عن المنظمَين (بلدية رام الله، و"فيلم لاب"): إن فعاليات هذا التكريم تأتي إيماناً منهما بأهمية تكريم قامة سينمائية عربية كبيرة كشمعون، عمل الكثير من أجل فلسطين ثقافياً وفنياً وسينمائياً، وعبر مواقفه السياسية التي لا مواربة أو لبس فيها، فهو الذي قال ذات يوم: "سأظل أتكلم باسم فلسطين ما دامت محتلة".

وتشتمل فعاليات التكريم على عرض العديد من الأفلام لجان شمعون ومي مصري، وفيلم تسجيلي حول تجربة جان السينمائية وعلاقته بمي، كما تدار نقاشات على مدار الأيام الثلاثة مع رفيقة درب شمعون حول محاور عدة، خاصة أفلامها وأفلامه وأفلامهما كـ"طيف المدينة"، و"بيروت جيل الحرب"، و"أحلام معلقة"، و"3000 ليلة"، يديرها نخبة من العاملين في الحقل الثقافي عامة، والسينمائي خاصة.

ولم يكتف شمعون الذي كان قلبه ينبض باسم فلسطين، بإنتاج أفلام وثائقية بقيت حتى يومنا هذا شهادات تاريخية غاية في الأهمية، وشكّلت بوابات لعبور الحكاية الفلسطينية المحاصرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى العالم، في مهرجانات احتضنتها دول متضامنة مع فلسطين وعدالة قضيتها، ودول يغلب على سياستها الخارجية انحيازاً لمن احتل الأرض الفلسطينية، وطرد سكانها الأصليين، وسلبهم حتى ذكرياتهم، في منازل كانت لهم، وألبومات صورهم في تلك الجغرافيا التي كانت تسمى فلسطين، وكتبهم التي لا تزال إهداءات أصحابها محتفظة بحبرها، حيث تقيم رغماً عنها في مكتبة جيش الاحتلال الإسرائيلي، أو في المكتبة الوطنية الإسرائيلية بمقر الجامعة العبرية في القدس مؤقتاً، حال الأرشيف البصري للثورة، وكان لشمعون جزء أساسي فيه.

والملفت في أفلام جان شمعون أنها مصورة لحظة الحدث، وهذا ليس سهلاً على المخرج أن يأخذ مسافته، ويعرف كيف يتعامل مع الأمور، خاصة أنه جزء مما يحدث، والحدث هنا حرب أهلية طاحنة، فهو يتنازل عن شيء من هواجسه المرعبة ليؤرخ اللحظة، رغبة منه ورغماً عنه في آن، وهو الذي كانت له موهبة تحويل أي موضوع إلى قضية تستحق النضال من أجلها، فقد كان يصوّر ويخرج كمن يحارب، بما تحتمله الحرب من تأويلات كثيرة.

وغياب شمعون، العام الماضي، ليس مسألة فردية، بل هو غياب لمن أرّخ ذاكرة جيل بأكمله بالصورة والصوت في أفلام وثائقية وروائية، هذه السينما التي تميزت بالإضاءة على التجربة الإنسانية، ووثقت لمراحل مهمة من التاريخ اللبناني والفلسطيني.. وقتها نعاه كبار الروائيين والسينمائيين والموسيقيين والإعلاميين في فلسطين ولبنان والعالم، ونعته جهات رسمية خاصة في فلسطين ولبنان، لكن يبقى ما كتبته مي مصري هو الأبرز حين نطق قلبها قبل لسانها وأصابعها على الكيبورد: حبيب العمر ورفيق الدرب.. كم كنت شامخاً بصوتك، بكاميرتك، بصدقك، بحبك للناس... برحيلك عدت جان شمعون الذي أفتقده حبيباً وأباً وسينمائياً مفعماً بالحيوية والعطاء.. ستبقى روحك خالدة في قلوبنا كما كنت في نفوسنا، دائماً وإلى الأبد".

وجان شمعون من مواليد بلدة سرعين البقاعية العام 1941، ودرس المسرح في معهد الفنون بالجامعة اللبنانية، كما شارك في العديد من الأعمال المسرحية وفي بطولة فيلم سينمائي لجورج شمشوم، قبل أن يسافر إلى باريس ويحصل على درجة الماجستير في السينما، ودبلوم في الإخراج والتصوير، ليعود بعد أربع سنوات (1974) إلى بيروت، حيث عمل في تلفزيون لبنان، وبعدها بعام قدم برنامج "بعدنا طيبيين .. قول الله" في الإذاعة اللبنانية مع زياد الرحباني، ثم درس مادة السينما في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية.

وانضم جان شمعون إلى مؤسسة السينما الفلسطينية في بيروت، وأخرج فيلم "تل الزعتر" مع المخرج مصطفى أبو علي (1976)، وبعدها بعامين أخرج فيلم "أنشودة الأحرار" حول حركات التحرر في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وفلسطين، ثم "تحت الأنقاض" بمشاركة مي المصري (1983)، و"زهرة القندول" (1986)، و"بيروت – جيل الحرب" (1989)، و"أحلام معلقة" بمشاركة مي المصري (1992)، و"رهينة الانتظار" (1994)، وما بين (1998 – 2000) شارك في إنتاج أفلام مي المصري: "أطفال جبل النار"، و"أطفال شاتيلا"، و"أحلام المنفى"، فيما كان فيلمه الروائي الأول والوحيد "طيف المدينة" (2001) حول مصائر من شاركوا في الحرب، تلاه فيلم "أرض النساء" (2004)، و"حنين الغوردل" (2008)، وآخر أفلامه "مصابيح الذاكرة" (2009). هو الذي رحل جسداً العام الماضي، بعد أن وثق بالصوت والصورة ذاكرة جيل الحرب للأجيال القادمة، ونالت أفلامه أكثر من ستين جائزة دولية في العديد من المهرجانات السينمائية العالمية والعربية.

ظل جان شمعون يهجس باسم فلسطين حتى آخر نفس، وفلسطين اليوم، وهي تحتفي فيه، فإنها ترد جزءاً يسيراً مما قدمه لها كمناضل ومقاوم وفنان، وكأنها تهجس بأن شكراً من القلب لمن كان قلبه عامراً بها.. فلسطين اليوم، وهي تحيي الذكرى السنوية الأولى لرحيل شمعون، أو كما سمّاها منظموها "فعاليات تكريم جان شمعون"، كأنها تبقى على قيد المقاومة، ولو بالجزء اليسير، وعلى قيد العرفان، وعلى قيد الحياة أيضاً، كما هو جان، فالمبدعون لا يموتون. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: