شيخة حليوي .. تخبز الشعر طازجاً في طابون الإبداع المتجدد!

2018-08-21


كتب يوسف الشايب:

منذ القصيدة الأولى في حفل إطلاق فعاليات مهرجان رام الله الشعري الثاني، والموسومة بـ"لو" أو التي عرفت مجازاً بـ"قصيدة النكبة"، استطاعت الشاعرة الفلسطينية شيخة حليوي انتزاع حضور خاص وطاغ جعل مما تقدمه من قصائد وطريقة تقديمها في مختلف الصباحيات والأمسيات الشعرية مغايراً، وجعل منها علامة فارقة في المهرجان.

في القصيدة هذه تحدثت حليوي عن النكبة بطريقة مبتكرة عبر تقمصها لشخصية والدتها، في مزج مذهل من حيث الزمان وتركيب الشخوص في نص شعري، والافتراضات المتتالية، وهو ذات حال المزج غير العبثي والمتقن ما بين الفصحى والعامية باللكنة البدوية، وهي البيئة التي رافقت العديد من القصائد، كما في تلك التي قدمتها بالأمسية الختامية للمهرجان تحت عنوان "راعية"، تنكر فيها أنها "راعية ماعز تعرف الشامية من الصهباء، ومواسم الخصب والحزن الجماعي".

حليوي التي كانت تتمنى لو تعرف كيف "تتربص بالكلاب الضالة"، لها طابع خاص في كتابة نص مؤثر قادر على جعل المتلقي المصغي فاغر الفيه من فرط الإعجاب والانبهار أحياناً كثيرة، فهي لربما كما جاء في القصيدة الأخيرة لها في المهرجان "آخر النبيات" التي قالت لي في دردشة ما بعد أمسية شاركت فيها شعراء آخرين من فلسطين وغيرها بمدرج المحكمة العثمانية في البلدة القديمة لمدينة رام الله، إنها تنتصر للإحساس، وأن هنالك من يقول إنها لا تكتب شعراً!

وهنا يبرز السؤال الأكبر والأزلي المتجدد "من هو الشاعر؟!" .. يقول ابن رشيق في كتابه "العمدة": (...) وإنما سمي الشاعر شاعراً، لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن.

وبالنظر إلى ما قاله ابن رشيق فشيخة حليوي شاعرة بامتياز فهي قديرة في توليد المعاني، وابتداع الألفاظ، وإجادة لعبة الزيادة والنقصان دون لهو، والتجريب اللاعبثي على مستوى ضرب اللغات في خلاط قصائدها، فتكون النتيجة نصاً ذا نكهة خاصة، أعجبني مذاقها، هي التي أشعرت ذات قصيدة "أيها الغريب أمسك يدك ونمشي تحت قوس النصر، تقرص تحت إبطك وتضحك .. تقول للمارة: في بلادي نكحل خوفاً من الحسد ريثما تأتي الطائرات بخبر مفرح، نترك خيوطاً لزجة على أفخاذ النساء ونحن نهرع إلى المعركة الأخيرة، وأنتم تضاجعون الرصيف وتموتون بين شارعين أنيقين .. أيها الغريب تعال نشتر قهوة (Double Espresso) نشربها عند الجسر، ونجري (Small Talk) عن مفردات الأقبية المنسية وانتظار المسيح (...) أيها الغريب سأبيعك وطناً فتياً .. لقد كتبت سيناريو الجحيم .. أحرقت الأوطان في الفصل الأخير".

وفي حديثها مع الغريب ذاته، تتطرق لذاتها هي التي لم تملأ بعد "استمارة تفي بشروط الانتساب لنادي المترفين من الحروب"، فكما قالت في صورة تركيبية أشبه بمشهد فنتازي في فيلم لا يخلو من التجريب بالجيم، وليس بالخاء كما يفعل البعض .. "رأسي مثلاً ليس مني في غيري .. يغتصب الوسادة حتى الفجر، يصحو مخموراً، وعليّ أن أسترده معافى ... يدي لا أهش بها على غنمي، لي عندها مآرب أخرى، وهي ورقة شحيحة تتكسر عند أول محاولات الأنوثة أحتاجها عند المنعطفات الخطرة .. تخيل ما بيني وبين يدي (...)".

شيخة التي "لم ينته العرض بعد" في مسرحها الشعري، وهي المولودة في قرية بدوية غير معترف بها قضاء حيفا، كانت أصدرت مجموعة أراها شعرية، فضلت هي المنحازة إلى القصة القصيرة في إصداراتها، تسميتها مجموعة "نصوص"، وأعني "خارج الفصول تعلمت الطيران"، الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع قبل عامين، وفيها من التكنيك على مستوى تقسيم المجموعة ومحتوى نصوصها ما يجعلها مغايرة، فثمة "نصوص المكان" حيث اللعب المهاري اللامتهور على المتتاليات والمتناقضات في عناوين القصائد أو النصوص كما فضلت تسميتها، كما في "وطن" و"وطن (مرة ثانية)"، أو "نهر" و"نهر (مرة ثانية)" و"النهر ذاته"، أو "مقهى سوزانا" و"مقهى (ليس مقهى سوزانا)"، وغيرها.

أما في "نصوص النساء" فكأنها تؤكد على ما قاله شوفالييه دو بوفور ذات مرة بأنه "كما يحتاج الليل إلى نجوم يحتاج المجتمع إلى شعراء"، وهو ما بات يعتبره البعض مثلاً فرنسياً، حيث الحديث عن "نساء العائلة" اللواتي تعلمت منهن "أن الحبيب الراحل فأل خير تماماً كالقط الأسود وقشرة الثوم"، وعن "مغنيات الأعراس" اللواتي "يزحفن إلى الجبل القريب"، و"العرافة" التي "تبيع نهاراً ملوناً"، و"زوجة المحارب" التي "يتربص بها الغنج عند انحسار الضوء"، فـ"تصعقه بثوبها الطويل المحتشم"، و"بائعة اللبن" التي هي "ليست بيضاء" و"ليست سوداء"، وأخريات.

وما بعد "نصوص الكتابة" وما قبل "نصوص العائلة" في "خارج الفصول تعلمت الطيران"، تطل حليوي بـ"نصوص الذات"، في تجسيد لمقولة الشاعر الإيرلندي وليام بتلر ييتس "عندما نتعارك مع أنفسنا يفيض الشعر"، حيث تسرد شيئاً من سيرة ذاتية لا أدري وربما هي لا تدري ما الفارق بين واقعيتها والمتخيل فيها، فهي النزقة التي "تحمل خوف القبيلة"، وهي المزاجية التي لا يدهشها شيء ولها ثأر مع البوظة، وتحتل أمها مساحة كبيرة من شعرها، أمها التي لا تحب فيروز، وتقول إنها "متهجمة ونحيفة جدا"!

أمها التي "تصغر النكبة بثلاثة أعوام"، و"لا كبير عندها" .. "هي لا تطيق النساء الذليلات، لم تأت على ذكر النكبة يوماً .. لو كانت جارتها لعاتبتها دون خجل: أنا والله هدومي عايفيتها .. لو كانت أختها الكبرى لتوددت إليها بصحن خبيزة، وإذا أكثرت الشكوى أسكتتها: خلص نقرتي مخّي أني عتبانة عليش تزوريني (...) لو كانت النكبة مسنة يهودية تعتني بها أيام السبت لمازحتها بعبرية جميلة: يا فاجرة ما زالت نفسك طريّة .. لو كانت النكبة أصغر من أمي، لبصقت في وجهها وقالت: ظبّي ولادش (أولادك) يا داشرة".

في المجموعة آنفة الذكر تعترف شيخة حليوي "تأخرت نصوصي فعلاً، هي بالكاد تحفظ لائحة المواعيد وبالكاد تجد مقعداً شاغراً"، لكن ما قدمته في مهرجان رام الله الشعري الثاني من نصوص أراها شعرية بامتياز، وإن اختلف كثيرون في ماهية الشعر وتحولات حالاته، جعلها ليس فقط تجد لها مقعداً، بل مقعداً في الصفوف الأولى للشعراء، أو من لا يزالون يقصفوننا بورد قصائدهم، وبالكثير من الانبهار. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: