فرج بيرقدار ... وحكايات الزيارة المستحيلة إلى فلسطين!

2018-08-21


كتبت بديعة زيدان:

"عيني على اليرموك .. قلبي على اليرموك .. جسدي وأسئلتي وظل المئذنة، ودم القصيدة حين يرشح من فمي ويرشه بالملح ضوع السوسنة .. والليلك المسفوح فوق الليل .. عيني عليه مكللاً بالشوك يهوي ثم يهوي باتجاه سمائه .. قلبي عليه مزنراً بالورد والنيران، وبحمله المهتوك".. بهذه القصيدة ختم الشاعر السوري القدير فرج بيرقدار مشاركته في مهرجان رام الله الشعري الثاني، في زيارة هي الأولى له إلى فلسطين، كان يراها مستحيلة.

والحديث عن بيرقدار يطول، هو الذي قضمت جدران السجون في بلده من عمره 14 عاماً، وهو الذي قال ذات مرة، "لو لم أكن شاعراً لما خرجت من السجن قبل انقضاء فترة حكمي، ولما خضع الرئيس السوري السابق حافظ الأسد لحملة ضغط دولية، وصلت إلى حد تدخل الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، أسفرت عن الإفراج عني، فالشعر بالنسبة لي ليس مصدر رزق، بل هو طائر الحرية الأجمل".

مرايا الغياب
من داخل زنزانته كان يهّرب قصائده على ورق السجائر "اللف" الرقيق .. كتب الكثير من القصائد هناك، وعبّر فيها وبعدها عن تلك المرحلة، ومنها قصيدته الطويلة "مرايا الغياب"، والتي قرأ مقاطع في المهرجان، وتحديداً في اليوم الأخير منه، هناك في ساحة البلدة القديمة لمدينة رام الله.

ومن القصيدة التي كتبها في سجن صيدنايا القريب من دمشق في الفترة بين 1997 و2000، قرأ في الهواء الطلق، والسيارات تعبر الممر الضيق إلى الساحة ذهاباً وإياباً .. "يا الله كم يبدو ذلك مخجلاً حين سهل صغير من كتاب القمح يتحدث إلينا بأبجدية بارئة سمراء، تنفلق عن حروفها ملايين السنابل".

وفي مقطع آخر من "مرايا الغياب"، حيث كما أشار كان أهالي المعتقلين في سجون النظام السوري يخشون الحديث عن اعتقال أبنائهم لأسباب أمنية، فكانت والدته تقول عنه إنه "غائب" .. اختار بيرقدار أن يشعر "أجل يا إلهي أجل .. هذه هي سورية، فكيف نرفع إليك العزاء، وبأي غيوم ستبكي .. بأي غيوم"... "لو كانت الآلهة آلهة حقاً .. لما قبلت من القرابين ما هو أدنى من الطاغية".

"هكذا.. السجن زمن، تؤرِّخه في الأيام الأولى على الجدران .. وفي الشهور اللاحقة، على الذاكرة .. ولكن عندما تصبح السنوات قطاراً طويلاً متعباً من الصفير، ويائساً من المحطات، فإنكَ تحاول شيئاً آخر، يشبه النسيان"... "لا شمس هنا، ولهذا أجدني عارياً من الظلال.. ولا امرأة أيضاً، ولهذا أجدني عارياً من نفسي" .. "الحرية وطن وبلادي منفى .. وأنا نقيضي .. تلك هي إفادتي، مكتوبةً بحليب أمي، وممهورةً بكل ما لديّ من قيود".

عن السجن والشعر
وقال بيرقدار لـ"أيام الثقافة": قبل الاعتقال كانت كتاباتي في معظمها تتمحور حول "المسألة الفلسطينية" لدرجة أن كثيرين كانوا يعتقدون أنني شاعر فلسطيني ولست سورياً، خاصة أنني كنت أسكن في مخيم اليرموك، وكنت أيضاً في صفوف المقاومة الفلسطينية ببيروت .. في السجن أعدت النظر في الكثير من الأمور الشعرية، إن كان في شكل الشعر، والمواضيع التي أتناولها، خاصة أنني لم أكن أقترب من الغزل شعراً على سبيل المثال، وكذلك الأمر بالنسبة للقضايا الإنسانية كقضية الحرية، وكذلك الحب، خاصة أنني بت أدرك بأن فلسطين تحتاج علاوة على النضال والمقاومة إلى الثقافة والفن والوجدانيات والبعد الإنساني أيضاً.

وأضاف: المفارقة والتناقض في تجربة السجن، جاء من كونه مكاناً مغلقاً، لكنه، على ما يبدو، فتح لي آفاقاً شعرية جديدة، وصرت قادراً على الكتابة بطرق مختلفة، فلم تعد فلسطين مجردة، بل الحرية فلسطين، والحب فلسطين، والجمال فلسطين، وبالتالي تغير منظوري إلى فلسطين أيضاً .. السجن كان نقضيه بالنسبة لي في بعض الجوانب .. كنت أعاني من القيد جسدياً، لكن هذا القيد لم يطل مخيلتي، فالسجان لا يمكنه السيطرة على خيالي، وعلى مراجعتي للأشياء، وبالتالي لم أعد أقرر سلفاً شكل القصيدة، بل أدعها تخرج من داخلي كما تشاء أن تخرج شكلاً.

وتابع بيرقدار: في السجن الذي هو عالم كامل من الغياب أو الانحجاب العديد من المسائل تصبح "ملحّة"، فإذا تعاطينا مع السجن كجزيرة معزولة مكونة من رجال فقط، فإن غياب المرأة يخلق لها حضوراً داخلياً ووجدانياً أكثر طغياناً مما لو كانت متجسدة .. تحت التعذيب وعلى مشارف الغيبوبة أو الموت كان طيف امرأة يحضر على أشكال مختلفة منها الأم والأخت والممرضة ربما، وبالتالي بات لصورة المرأة ظلال من القداسة بعيداً عن فكرة إغراء الجسد والشبق .. مثلما السجن ذكورة افتراسية قصوى فإن الحرية أنوثة رحمانية قصوى، وهذه المعادلة كان من المستحيل إدراكها دون السجن .. هذه الفضائل الصغيرة للسجن تأتي كنوع من الرد على الظرف الضاغط والبائس الذي يعيشه السجين.

وشدد: الكتابة من داخل السجن كانت تحقق لي شكلاً من أشكال التوازن الذهني والنفسي والجسدي أحياناً .. كان لابد من تقديم معنى ما لتحقيق هذا التوازن، خاصة أن السجن هو محاولة لإلغاء المعنى، أي إلغاء معنى السجين ككينونة على المستويات الذهنية والفكرية والجسدية والنفسية، وهنا كانت الكتابة مقاومة لدور السجن، ومواجهة حقيقية للسجن ومفاعيله لاحقاً .. بعد خروجي من السجن كنت قد انتهيت من سبع مخطوطات في أربعة عشر عاماً، وبالتالي لم تذهب حياتي سدى هناك، وبالتالي لم تمضي سنواتي في السجن كما كان يخططون لها، وحديثي هذا هو أيضاً شكل من أشكال المواجهة الإضافية للسجن.

وتذكر بيرقدار: في الستة أعوام ونصف العام الأولى من فترة اعتقالي كنا ممنوعين من الزيارات، ومن النقود، ولم يكن أهلنا يعرفون عنا أي شيء، ولم يكن هناك أقلام ولا أوراق، وهنا استعدت تجربة أجدادنا القدماء، أي الاعتماد على الذاكرة في حفظ أشعاري، وحين انتقلنا بعد هذه الفترة من سجن تدمر إلى سجن صيدنايا بتنا نحصل بطرقنا الخاصة على أوراق وأقلام، ولكن لم يكن بالإمكان إخراج الأوراق مع الزائرين من العائلة حين سمح بزيارتنا، لذا كنت أهرب القصائد في لوحات خشبية، وكنت أكتب هذه القصائد على ورق السجائر، وهذا بحد ذاته كان أيضاً فعل مقاومة للحياة البائسة في السجن، وكثير من الأفلام الوثائقية عني رصدت هذه التجربة، وصورت قصائدي على ورق السجائر.

تحولات المنفى
وحول الكتابة الشعرية من المنفى، أجاب بيرقدار في حديثه لـ"أيام الثقافة": المنفى وجه آخر للسجن، فالسجن والمنفى كلاهما بيئة ليست طبيعية للعيش، فكما السجن ليس الوسط المعتاد للعيش المنفى كذلك، ففي المنفى يعيش المنفي غريباً عن اللغة، وعن المجتمع وعاداته، والفارق أن دوائر حصار المنفى أكثر اتساعاً، وهناك أرى أشياء لو عشت عقوداً في سورية لن أراها، ولولا هذه المشاهدات لما كانت الكثير من القصائد الجديدة التي كتبتها خارج بلدي، وتحديداً في ستوكهولم حيث أعيش الآن، وهذا ساهم في إحداث تغيير على مستوى المواضيع التي أتناولها في قصائدي، وفي قاموسي اللغوي أيضاً .. الوجوه متباينة، لكن في الجوهر تتواصل "الغصّة" التي علينا تجاوزها.

الزيارة المستحيلة
وبالنسبة لفرج بيرقدار كانت زيارة فلسطين "ليست حلماً بل مستحيلاً"، لكن مع الوقت "باتت حلماً ممكناً لكنه بعيداً" .. "أنا في فلسطين، ولكني لا أدري إن كان الحلم تحقق، لم أصحو بعد، ولا أدري إن كنت أحلم أنني أعيش واقعاً"، لذا قرر أن يكسر ارتباطه الشعري بالسجن، ويبدأ صباحيته الشعرية المنفردة في "الكمنجاتي" بأول قصيدة كتبها في أول مجموعة شعرية صدرت له العام 1973 بعنوان "حب"، وجاء في مطلعها "سأقبل منها كل حديث تحمله الريح المشبوحة بالأصداء .. رائحة الخبر به .. يا امرأة حين هربت إليها فاجأني أني أتقرب من وطني .. من يعجز عن حب امرأة يعجز عن حبك يا وطني".

وتلتها في ذات الصباحية قصائد: "مكاشفة"، و"حضرة ماطرة"، و"بلا سبب"، و"الحرف المطعون"، وغيرها كـ"على الحافة" التي شدد فيها على أن "الشعوب التي لا ترى ما ترى، لا ترى".

البداية مع حمص
وكان بيرقدار بدأ مشواره في رام الله شعراً بقصيدة "صلاة من أجل حمص"، أكد فيها "سآتي إلى حمص بعد قليل .. سأدخلها آمنا بحماية أبنائها ويقيني بهم، وقرابة عشرين عاماً من الغيب والهينمات الغريرة (...) سآتي إليها ولو لاجئاً، إذ تغير معنى اللجوء، وغادر قاموسه اللغوي القديم، فكيف أهندس قاموس حمص، وليس لمثلي إمام ولا صلوات تبدد شكاً (...) سآتي إلى حمص وحدي، سآتي إلى حمص ألفا، سآتي إليها حناناً وزلفى، فحمص التي عمدتني وحمص التي أسلمتني، يليق بها أن أكون لها .. ألف حب وحزن ونهر من الذكريات، لتشفى .. أشفى". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: