كارلوس أبيلا .. شاعر حقيقي ومبتكر من إسبانيا

2018-08-21


كتب يوسف الشايب:

منذ أن قدم "قصيدة الطهي" في حفل افتتاح مهرجان رام الله الشعري الثاني، برز صوت الشاعر الإسباني البالغ من العمر أربعين عاماً، كارلوس أبيلا، كصوت مغاير فيما يقدمه من قصائد مبتكرة على مستوى الصورة والتكنيك، تحمل في طياتها معاني عميقة ذات بعد إنساني، ومحلي، وذاتي، في مزيج ما بين السياسة والحب والحديث عن الذات وأشياء أخرى.

"هل سيكف السجق الألماني أخيرا؟ عن خنق الجبنة اليونانية الهشة الدسمة .. هل سيكف الهمبرغر، كليّ القدرة؟ عن قصف الكفتة العراقية وأرز فيتنام المسالم! .. هل سيدعنا أخيرا، ندخل البيت التشيلي؟ حيث تخبز الفطائر اللذيذة .. هل ستضرب التورتيا الإسبانية؟ الثيودبان السنغالي، حتى الموت عند مدخل الثلاجة نفسه! .. هل سيكف الطهاة الفرنسيون؟ عن مطالبة الأبقار الأرجنتينية السعيدة بتسديد المزيد من الديون .. هل ستكف أكلة الفيش أند شيبس؟ عن استعمار الكسكس المغربي بسبب ما تثيره من حسد في أناها المتغطرسة؟ .. هل ستظل الفاهيتا المكسيكية مجبرة للأبد؟ على ممارسة البغاء في المطبخ المجاور! .. وهل ستدرك المكونات أن الأعداء لا يوجدون بين الكزبرة والبقدونس، ولا بين السوتشي الياباني وسمك الفد البرتغالي.. بل بين الخضار التي تنمو بمشقة في الحقول والخضراوات المعدلة وراثياً وبين دجاج الحظيرة، وذلك المحشور في رفوف المزارع، وبين الأسماك التي تتجول حرة في المياه وتلك الخاضعة لهيمنة المزارع الكبرى".

في قصائد أبيلا ثمة سخرية عالية، وفي طريقة تقديمه حضور محبب يبتعد عن الجمود كما هي نصوصه، ولكن دون تمييع، ودون تقديم صور شعرية لا لون لها ولا رائحة أو نكهة، فنصوصه تخلو من تلك الشفافية التي على عكس تركيبة الماء لا تفيد العقل أو حتى الجسد وسيالاته العصبية، بل على النقيض فإن أبيلا أو "أفيلا" كما في الإسبانية أو بعض الدول الناطقة فيها، فهو يعيد الاعتبار للدور الحقيقي للشعر بمدى ارتباطه بالحياة، وتقديم أعمال تمس حيوات الناس، عبر رصده لحياته وتجاربه الشخص شعرياً، والعكس، دون مباشرة أو خطابية، فهو شاعر بامتياز في زمن الشح، وكثرة أشباه أو أشباح الشعراء.

"لا يمكن أن نحب ما هو غير موجود .. الأحلام المحتملة والآفاق .. عودتكِ .. المنية المتحولة .. الشجرة التي ستمنح شكلاً لتابوتي .. قد نحب الكائنات في تحولها، لكن الفراشة تطير .. لا يمكن أن نحب ما لا نعثر عليه، يوماً بيوم وفي ولادة أبدية .. ما لا نملك، لا نستطيع أن نحب، لكنني أفعل".

في قصيدته هذه "يوتوبيا" مثلاً يؤكد كارلوس أنه يقدم شعراً حديثاً لكونه ينطلق إلى "ما وراء الروحية"، هو الذي يبتكر فيما قدمه من نصوص، ووفق الترجمة التي وصلت إلى مسامعنا، ولا نعرف مدى دقتها، آليات حرة في تسليط الضوء على الأشياء، بعيداً عن تلك الصور العنيفة، وليس بعيداً عنها، في آن، حسب تعريفنا للعنف، لكن ما هو شبه مؤكد أن أبيلا ينتج قصائد ذات تأثير جديد ومدهش، فهو يسير في شارع غير ذلك الذي يسير فيه أو يعبره كثير من الشعراء المعاصرين وما بعد المعاصرين أو ما قبلهم.

وهو يواصل قراءة تجلياته الشعرية في المحكمة العثمانية، في اليوم الثاني للمهرجان، كان بين النصوص يطلق تعليقات تعبر عن عمق الفكر لديه .. قال في أحد فواصله التي راوحت ما بين الفلسفة والشعر، "ليست المشكلة في البلد التي يضع الديك فيها بيضة، وليست في البلد التي تكون فيها الدجاجة قوية، المشكلة في البيضة والدجاجة والديك، وفي الحدود والمكان الذي يكونون فيه".

وفي قصيدة "إسبانيا"، يركز على لعبة "النون المشددة" في اللغة الإسبانية، واللعب هنا بمفهوم اللهو المدروس في تركيب الكلمات وبطريقة مستحدثة وربما غير مسبوقة، لكنها تخبو عند ترجمتها للعربية، وهي القصيدة التي تطرق فيها إلى قضايا ذات أبعاد سياسية، منتقداً الظلم وانتهازية الساسة والصحافة المأجورة وغيرها من القضايا .. "(...) أعيش في بلد من هراء وشبكة من الصحافيين يبيعون كلاهم (جمع كلية) لمن يدفع أكثر ويطمسون الحقيقة في مقالاتهم .. ثمة أسياد في مملكاتهم الواسعة، وتقيّات يشرن إليك، وقضاة ليسوا مبجلين، ومصرفيون من أسوأ نوع مثل الصقور المفترسة يستولون على أحلامنا (...) وسياسيون متقلبون يعدوننا في الحملات الانتخابية ثم يحلبوننا بعد أن يضمنوا مقاعدهم (...) الحياة إن ازدريت هؤلاء اللصوص تظل لطيفة، ربما يبشرنا لقلق بامرأة حبلى ترسل إلينا طفلاً آخر نهبه العطف ونداعبه (...) كل الحكاية يا رفاق أن نغني مثل العنادل، ألا نؤذي بعضنا بعضاً .. كل الحكاية هو الغد الذي لا وجود له، هي أن تفك ربطة عنقك، أن تصفع الآخر القريب منك أو القريبة، أن تشدها من خصرها .. أن تجد القناة (...) يسميني متعصب ما وطنياً رديئاً فقط لأن لديّ حلماً، وأتوق إلى عالم آخر".

من الجدير بالذكر أن كارلوس من الشعراء الذين ترعرعوا في كنف أسرة شعرية، فهو ابن شاعرين برازيليين لهما حضورهما المحلي والإقليمي، وله دواوين شعرية عدة منها ما ترجم إلى الإنكليزية والفرنسية، وكان من أشهر ما نشر له مختارات شعرية ضمن كتاب لشعراء عالميين صدر في الولايات المتحدة تحت عنوان "لا شيء للشمس لا يمكن أن تفسره".

وفي قصيدته "سيرة ذاتية للخاسر"، في الأمسية التي أدارتها كارول خوري وكانت لترجمات الشاعر أحمد يعقوب إضافاتها الحيوية، يتحدث كارلوس أبيلا عن نفسه بطريقة فيها من الجدّة الكثير، فيقول شعراً "مولوداً في مشفى عام قذر تبكي مثلما يبكي جميع الأطفال تقريباً (...) لن يتذكرني أحد في مدينتي، لن يسموا شارعاً باسمي، ولن يشيروا إلى منزلي قائلين: هنا عاش فلان .. ولميل سياسي هامشي لن يتم الحديث عنه في المحافل الكبيرة .. لن يتحدث عني أساتذة لامعون، أو عارفون بقصص حبي وخيباتي، ولن أحصل على الجوائز المرموقة بعد وفاتي، تلك التي لطالما أحببتها .. ولأنني أكتب ما يكتب الأهل لي، وأعيش ما استطعت، وأقول ما أعرف، فلن تصنع من أجلي الأفلام الملحمية، ولن تكون سيرتي الذاتية من بين الأكثر مبيعاً .. لن يكون من حولي ملايين النساء، وأطفال ينادونني، وعشيقات لم أحظ بهن أبداً .. ولطريقتي المتوحدة في تجنب الانخراط بألاعيب الغير، وإيماني المتعنت بعدم الإيمان بأي شيء، لن يوقفني أحد في الشارع طالباً توقيعي، ولن يخبر أطفاله أبداً أنه كان يعرف في يوم ما كارلوس أبيلا".

لكن ما حدث بعد الأمسية هذه، أن تبادلنا آخر إصداراتنا الشعرية، وأن حرصت على التقاط صورة برفقته، وسعدت بإهدائه وتوقيعه، لأقول في يوم ما لأطفالي الذين بدأوا يغادرون طفولتهم، أنني عرفت في يوم ما شاعراً إسبانياً حقيقياً، يعرف جيداً كيف يصنع من الكلمات ما يدغدغ العقل حد القهقهة أو الغضب أو الغوص في تفكير عميق، وما يتغلغل في السيالات العصبية حد القشعريرة .. شاعر يعرف كيف يطهو في قصائده البيتزا من مكونات المسخن، ويصنع من المنسف وجبة فاهيتا .. شاعر سيصير يوماً كونياً، وسأفتخر أن أقول أنني عرفت ذات يوم كارلوس أبيلا. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: