آراء

سيناريوهات الحسم في إدلب

هاني عوكل

2018-08-17


لا يختلف أحد على أن النظام السوري معني ويطمع في استعادة كل شبر من الأراضي التي فقدها مع بداية النزاع مطلع آذار 2011، غير أن أمامه الشمال السوري الذي يُشكّل معضلةً كبرى تحتاج إلى تضافر جهود دولية لحله بأقصر الطرق وأقلها خسارة على المستويين البشري والمادي.
في الشمال يجري التركيز حالياً على محافظة إدلب التي تحولت إلى أهم عنوان للنظام السوري الذي يريد استعادتها من تنظيمات المعارضة المختلفة، تمهيداً لاستكمال نزاعه مع الأكراد ومن ثم الإعلان عن نهاية مرحلة الحسم العسكري.
إدلب اليوم عدا عن كونها خزاناً ديمغرافياً لحوالي ثلاثة ملايين سوري، فإنها الحصن الأخير ومعقل تنظيمات المعارضة التي ترى في هذه المدينة الملجأ الأخير، وهي تحتمي بالوجود العسكري التركي الذي دخل سورية تحت يافطة إزالة التهديد الكردي.
النظام السوري الذي استخدم ميزة النزاع بالقطع الجغرافي، كان ينقل رسائل كثيرة تعكس نيته بسط السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة، ذلك أنه حين كان يشرع في تأمين الجنوب، أكد على أن مشواره التالي هو محافظة إدلب.
على أن الحديث عن معركة مفتوحة في إدلب سيعني بالضرورة توسع النزاع، خصوصاً وأنها خاضعة لاتفاق خفض التصعيد، الأمر الذي جعل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يطير إلى أنقرة لبحث التنسيق مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو.
النغمة التركية إزاء إدلب كانت عالية جداً، إذ هددت أنقرة بأنها ستنسحب من مظلة أستانة إذا جرى بالفعل إطلاق حملة عسكرية من قبل النظام السوري عليها، لكنها هبطت بسقفها إلى حد التنسيق مع الروس لجهة محاربة تنظيمات المعارضة المتطرفة هناك.
لافروف أقنع أوغلو أن من حق النظام السوري حماية أمنه واستعادة أراضيه، غير أنه قدّم لتركيا عرضاً يهدف إلى محاربة جبهة النصرة التي تتماهى في هيئة أحرار الشام، استناداً إلى قرار أممي يدعو إلى محاربة الإرهاب في سورية.
الأتراك من حيث المبدأ وافقوا على العرض الروسي، غير أنه يفهم من هذه المباحثات بين الوزيرين الروسي والتركي أن باقي فصائل المعارضة المعتدلة المتواجدة في إدلب عليها التقاط فرصة الذهاب إلى المسار السياسي بمشروع جدي ينهي الأزمة السورية أو الخروج من "المولد بلا حمص".
سبق وأن شهدت فصائل المعارضة المعتدلة موجات خروج قسرية من مناطق كانت تسيطر عليها في سورية مثل حلب وحمص وغوطة دمشق، غير أنها اليوم تفقد عنصر قوتها الذي يمكنها من مواصلة القتال ضد القوات الحكومية السورية.
هي أيضاً تفقد البعد الجغرافي، أي أنها باتت اليوم محشورة في فضاء جغرافي يقيدها، وبالتالي فإن خياراتها في المناورة تكاد تكون شبه معدومة، وصحيح أنها مدعومة من قبل الأتراك لكنها تعلم أن الخيارات التركية أيضاً محدودة في ضوء حجم الدعم الكبير الذي تقدمه روسيا للنظام السوري، فضلاً عن الإنجازات التي حققتها القوات الحكومية على مستوى النزاع العسكري.
للنظام السوري مصلحة كبيرة في حسم النزاع عسكرياً، وأغلب الظن أنه حصل على ضوء أخضر بالتوجه إلى إدلب، لكن ربما على قاعدة فتح جبهة محددة تستهدف المعارضة المتطرفة، والتمسك لاحقاً بحقه في "تشليح" المعارضة المعتدلة من كل أنواع السلاح.
وقد يكون هناك حالة من التوافق بين النظامين الروسي والسوري من فكرة وجود معارضة بصوت محدود لكن بدون أنياب، ذلك أن القبول بهذا الإجراء قد يخرج النظام السوري من الأزمة بأنه ضد التفرد بالسلطة ومع الديمقراطية والشراكة السياسية والتعددية السلمية.
من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة المقبلة عملا عسكريا في إدلب لمناطق محددة سلفاً، غير أن النزاع العسكري هناك لن يكون واسعاً وهو مرهون في نهاية المطاف بالاتفاق الروسي والتركي.
أي أنه من المحتمل أن تضغط أنقرة لجهة عدم وضع حلفائها من تنظيمات المعارضة المعتدلة في "بوز المدفع" مع القوات الحكومية السورية، وقد يجري استئصال التنظيمات المتطرفة ومن ثم المضي قدماً في استكمال المسار السياسي نحو إنهاء الأزمة.
بالعودة إلى محدودية الخيار بالنسبة للمعارضة المعتدلة، فإنه ليس أمامها سوى القبول بالاتفاق الروسي والتركي، علماً بأنها لو تمسكت برفع السلاح ضد القوات الحكومية السورية فهذا يعني إما قتالا حتى الموت، أو أنها ستلجأ إلى الحضن التركي، ومستبعد جداً أن تذهب إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال لأنها بذلك تكون قد خسرت دعم أنقرة.
وربما لن توافق أنقرة على فتح ممر آمن لدخول المعارضة المعتدلة المسلحة إلى أراضيها، لأن ذلك من شأنه أن يقلقها أمنياً في المستقبل، وبالتالي فإن أفضل خيار بالنسبة لها هو حماية المعارضة والدفع قدماً نحو تحويل فشلها العسكري في معادلة النزاع إلى شريك في بنية النظام السياسي السوري.
كلها خيارات صعبة وأحلاها مر في إطار الخلل الفادح في ميزان القوة العسكري، فضلاً عن خلل آخر في ميزان القوة الدولي المرتبط بالأزمة السورية، ولذلك من غير المستبعد أن تحدث مفاوضات مكثفة للتركيز على مصير المعارضة المعتدلة وآلية إدماجها مستقبلاً في الشكل الجديد للنظام السوري.
بعد إدلب لن يكون هناك أمام القوات الحكومية السورية سوى الأكراد، في الوقت الذي لم تهدأ فيه قنوات الاتصال سعياً لتأمين صفقة مربحة للطرفين، ذلك أن خوف الأكراد من إمكانية تخلي الأميركان عنهم يدفعهم للبحث في خيارات أقل تكلفة.
الخلاصة أن النزاع العسكري بات أقرب إلى خط النهاية، والاقتراب إلى هذا الخط يجعل الطرف الأقوى هو الأكثر سيطرة في معادلة التسوية السياسية، ولو أن مثل هذا الأمر في الملف السوري متروك للدول الكبرى المؤثرة في النزاع، ذلك أنها وحدها من يقرر مصير سورية.
Hokal79@hotmail.com

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: