اتفاق الهدنة: إنجاز إسرائيل وإنجاز «حماس»

2018-08-18

بقلم: يوآف ليمور     
من الصعب أن نفهم العاصفة السياسية التي نشبت، هذا الأسبوع، في موضوع غزة، وكأن الحديث يدور عن اكتشاف علمي صاخب: فمنذ اشهر وعناوين الصحف تمتلئ بالمنشورات عن اتصالات بين اسرائيل و»حماس» غايتها إعادة الهدوء الى منطقة الجنوب. وعلى مدى كل هذا الزمن كان واضحاً أن حماس لا تريد المعركة، ولكنها قد تنجر اليها اذا لم تنجح في ان تحقق بشرى إنسانية ما لسكان القطاع. اسرائيل هي الأخرى لم ترغب في المعركة. وقد أوضح هذا حتى النهاية في ما يكفي من المداولات في الكابينت، حيث توفرت الامكانية لتغيير الاتجاه. يمكن لنا ان نجادل فيما اذا كان هذا منطقيا وهل هو استسلام. فتحت السياسة التي عرفت بصراحة بان المصلحة الاسرائيلية هي اعادة الهدوء الى الجنوب، فان حقيقة ان هذا حصل (على ما يبدو) دون معركة – اي دون قتلى وضرر – هو إنجاز.
لا أساس للادعاءات بان «حماس» انتصرت: فالوضع في غزة أسوأ مليون ضعف مما في اسرائيل، ستبقى كذلك غدا أيضا مع أو بدون ساعتين أخريين من الكهرباء. كما أنه لا اساس للادعاءات بان «حماس» ستتسلح، الآن، وستصبح تهديدا استراتيجيا؛ فقدراتها كانت وستبقى محدودة، وهي بالتأكيد لا تقف في أي توازن مقابل قدرات الجيش الاسرائيلي.
 اذا كان لـ «حماس» انجاز، فهو ليس في رفع الحصار عن القطاع بل بالذات في غدوها شرعية. حتى الآن كان ابو مازن هو صاحب السيادة الرسمية في القطاع ايضا: معه تحدثوا، وعبره عملوا. اما الآن فتعترف «حماس» – ومعها مصر، الامم المتحدة، وكل جهة اخرى تشارك في الأمر ايضا – بأن «حماس» هي العنوان.
 مثلما في كل أمر، في هذا الامر ايضا توجد إيجابيات وتوجد سلبيات. ابو مازن ضعيف ليس جيداً لاسرائيل، و»حماس» قوية بالتأكيد ليست جيدة لها. بالمقابل، فانها تصبح هشة اكثر – سياسيا، اقتصاديا وعسكريا. فهذا سيعمق فقط الردع حيالها لانه سيكون لديها الكثير مما ستخسره، وضمنيا سيبعد الحرب التالية.
 
مسألة تجربة
لن يكون يائير غولان رئيس الاركان التالي. رسميا هذا لم يحسم بعد، ولكن احتمال أن يحصل صفر. غولان يفهم هذا، وليس من اليوم، ولهذا خرج قبل بضعة اشهر الى إجازة تسريح معناها أنا في الطريق الى البيت. اذا اردتموني، فأستدعى الى العلم وأعود.
ليس مؤكدا ان غولان هو رئيس الاركان المثالي للجيش الاسرائيلي في هذا الوقت. كما ليس مؤكدا أنه ليس كذلك. والاختبار الذي يسعى وزير الدفاع الى انتهاجه – من سيقود الجيش في الحرب بالشكل الافضل – هو اختبار اشكالي جدا. اولا، لأن الجيش الاسرائيلي ينفذ تعليمات القيادة السياسية، ودور رئيس الاركان يتقرر من جودة القرارات التي يتخذها وزير الدفاع والحكومة. ثانيا، لا يوجد مختبر يمكنه أن يدخل كل المرشحين الاربعة الى تجربة ليخرج نتيجة واضحة في النهاية. وثالثا، لان دور رئيس الاركان في الحياة العادية معقد اكثر بأضعاف مما في الطوارئ.
ومع ذلك، هناك شيء واحد يمكن أن يعطي مؤشرا واحدا الى ما هو متوقع في المستقبل: التجربة. ما فعله كل واحد من المرشحين بحيث يصل الى منصب رئيس الاركان ناضجا بما فيه الكفاية. في هذا الجانب (وليس فيه فقط)، للواء افيف كوخافي تفوق واضح على المرشحين الاخرين. ليس فقط تجربته في الميدان – في لبنان، كقائد كتيبة ولواء، في الضفة كقائد لواء نظامي في «السور الواقي»، في غزة كقائد فرقة، في الشمال كقائد منطقة – بل ايضا سجله في هيئة الاركان، كرئيس شعبة العمليات، كرئيس شعبة الاستخبارات وكنائب رئيس الاركان، ما يجعله المرشح الطبيعي للمنصب.
غولان هو الثاني من ناحية التجربة. لواء في لبنان (منصب أُصيب في اثنائه) وكذا لواء نظامي، قيادة على فرقتين (الجليل والضفة) على قيادتي منطقة (الداخلية والشمال) ونائب رئيس الاركان. بعده نيتسان الون وايال زمير، ولكليهما نقص في السجل ولا سيما في منصب نائب رئيس الاركان – مدير عام الجيش عمليا، ودرجة ضرورية في الطريق لرئاسة الاركان حتى الآن – وتنقص ايضا الاقدمية، وهي موضوع ذو وزن في الجهاز المراتبي.
 
التخوف: قادة جبناء
 في لقاءاته مع المرشحين الاربعة سألهم ليبرمان عن رأيهم في جملة من المواضيع. الشمال وغزة، خطط التسلح، مبنى الجيش. في مثل هذه المقابلات يوجد تناقض بنيوي. فالسبيل السهل هو ان تقول للوزير ما يريد أن يسمعه، فتحسن فرصك في النجاح. اما السبيل المناسب – ويدور الحديث عن ضباط، اي ان واجبهم هو للعلم والوطن – فهو ان يقولوا الحقيقة المهنية والتورط بالتالي في أن يعتبروا اشكاليين.
نعود الى غولان. يمكن الاختلاف مع ما قاله في الخطاب الشهير عشية يوم الكارثة، ويمكن الاتفاق معه. والرأيان شرعيان. ما ليس شرعيا هو أن تدار حوله حملة تحريض بشعة وحقيرة تقوم على اساس الاكاذيب، كجزء من نزع الشرعية الرامية الى ردعه وردع غيره من الحديث. هذه ستكون مأساة، ليس أقل، وليس فقط لانها ستخلق قادة جبناء. الخطوة التالية ستكون ان يخاف الضباط في أن يقولوا رأيهم حتى في المسائل المهنية، خوفا من أن ترتكب بحقهم عملية فتك جماهيرية اذا ما عارضوا مثلا احتلال غزة او لبنان.
الجيش الاسرائيلي هو جيش الشعب. قادته مربون على ذلك، وهم ايضا كجزء من ذلك يحافظون على القيم. لا يمكن الادعاء بان الجيش الاسرائيلي هو الجيش الاكثر اخلاقية في العالم، وفي الوقت ذاته أن نسد فم  قادته. فليس من حق الضباط ان يتكلموا فقط، بل هذا يجب ان يكون واجبهم. الديمقراطية هنا قوية بما يكفي لمواجهة اقوال قاسية ايضا.
خيراً فعل وزير الدفاع حين وقف دفاعا عن غولان. خسارة أن زملاءه الوزراء لم يفعلوا مثله واختاروا الصمت. يستحق غولان حمايتهم ليس فقط لسجله، بل ايضا لانه كان محقا. اما الاداء بانه يفضل حياة الفلسطينيين على حياة الاسرائيليين فهو هراء، وبحث قصير على غوغل كان سيبين بانه كاد يلقى به من الجيش بعد ان أقر، حين كان قائدا لفرقة الضفة، تنفيذ «اجراء الجار» في خلاف صريح لقرار المحكمة العليا وذلك كي يحمي حياة جنوده.
ولكن غولان ليس وحيدا. من خلف الكواليس يخطط البعض لما لا يقل عن حملتين بشعتين أخريين: ضد كوخافي عن اختطاف جلعاد شاليت في ورديته كقائد فرقة غزة، وضد الون في ظل تكرار الادعاءات القديمة بان زوجته يسارية. فليس لمن يحاول التخويف او التأثير كوابح: بعدهم الطوفان. لا يهمهم ان يطوروا ضباطاً جبناء وان يفهم قادة آخرون الرسالة فيفضلوا الا يربطوا مصيرهم بخدمة الدولة.
دور القيادة السياسية هي أن يوقفوا هذا، فيقرروا بسرعة تعيين رئيس الاركان فيوقفوا رقصة الشيطان التي تضر بالضبط، بالجيش وبالدولة.
خيراً يفعل ليبرمان اذا ما اعلن على الفور من هو مرشحه. اما أي تأخير اضافي فسيدخل المنظومة في حالة فوضى، ويضمن ان من سينتخب سيدخل منصبه دون اجماع واسع. فالدعم الجماهيري للجيش وقائده مهم للانتصار في الحرب بقدر لا يقل عن هوية رئيس الاركان.
 
عن «إسرائيل اليوم»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: