إيران ستحافظ على "الاتفاق النووي" رغم العقوبات

2018-08-18

بقلم: أمير تيفون وعاموس هرئيل 
إذا بدا ذلك مثل وقف اطلاق نار، وسار الامر كما في وقف إطلاق النار فهذا كما يبدو هو وقف إطلاق نار. في الجيش الاسرائيلي اعترفوا بدون صعوبة، هذا الاسبوع، ان اسرائيل و"حماس" بدأتا في تطبيق المراحل الاولى من الاتفاق الذي يمكن أن يؤدي الى تهدئة طويلة في القطاع. لدى وزير الدفاع ليبرمان كان الامر اكثر صعوبة. في مقابلة مع شبكة الاخبار، مساء أول من أمس، قال ليبرمان دون أن يرف له جفن بأنه لا يوجد لإسرائيل تفاهمات مع "حماس"، وكأن الوسطاء من الأمم المتحدة ومن المخابرات المصرية ينتقلون بين تل ابيب وغزة فقط من أجل الاجتماع مع ممثلي لجان الأحياء كما اعتادوا على تسميتهم هنا بالوجهاء المحليين.
 رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، اكثر حذرا. ومنذ يوم الاحد امتنع عن التطرق مباشرة للاتصالات مع "حماس". عن مقابلات مع وسائل الاعلام الاسرائيلية لا يوجد ما يمكن الحديث عنه، لكن ايضا الحسابات النشيطة جداً لنتنياهو على شبكات التواصل الاجتماعي صامتة بهذا الشأن. إشارة الى موقفه بالإمكان ربما سماعها في مراسيم تبديل وظيفة سكرتيره العسكري، الأربعاء الماضي. "ثمن الحرب باهظ وفظيع. ومعرفة انه ليس لدينا سوى دفع هذا الثمن، هذا الادراك يقول دائما – كيف يجب علينا تقليصه". هذه الصياغة غير معتادة لدى نتنياهو ولكن الرسالة واضحة: للحرب يذهبون فقط عندما لا يكون خيار آخر.
 فقط قبل بضعة أسابيع كان يبدو أن نتنياهو على وشك أن يخضع للضغوط من اليمين وشن حرب زائدة حول الطائرات الورقية الحارقة. أوصى الجيش بالحذر، وفي النهاية تغلب العقل السليم. بالمناسبة، من يجب عليه تطبيق الاتفاق المتبلور هو السكرتير العسكري السابق لنتنياهو، العميد اليعيزر توليدانو، الذي سيتم في الأسابيع القريبة تعيينه قائداً لفرقة غزة. هذا الاتفاق يتلاءم بدرجة كبيرة مع التفاهمات التي تم التوصل اليها في نهاية عملية "الجرف الصامد"، قبل اربع سنوات. القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي خلافا لبعض الوزراء لا تعتقد بوجود اشتراط تحسين البنى التحتية في القطاع – مياه وكهرباء ومجارٍ وغذاء ودواء – بحل فوري لقضية الاسرى والمفقودين الاسرائيليين المحتجزين في القطاع. الاتفاق الجديد يبقي الباب مفتوحاً امام تسهيلات مهمة اكثر مستقبلا اذا تم الحفاظ على وقف كامل لاطلاق النار لفترة طويلة. حتى الآن قإن سلوكا محسوبا للمستوى السياسي والمسؤولية التي اظهرها المستوى العسكري منعت حربا في غزة هذا الصيف.
 
خلف دونالد
اذا تم التوصل الى هدوء في القطاع فان هذا سيمكن الجيش الاسرائيلي من أن يعود ويركز كل اهتمامه على الجبهة الشمالية، وبالأساس على المعركة الاستخبارية والعسكرية مع ايران. محادثات مع عدد من الشخصيات الاسرائيلية والاميركية رفيعة المستوى، على المستوى السياسي والامني، تظهر تفاهمات مشابهة جدا، تسمع في القدس وواشنطن بخصوص الواقع الاستراتيجي الذي نشأ بعد اعلان الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران في أيار الماضي.
حسب هذه المعطيات، فان استراتيجية النظام في طهران منذ ايار هي الانتظار بصبر لذهاب ترامب. يأمل الايرانيون في أن يخسر ترامب في الانتخابات الرئاسية في العام 2020. وحتى ذلك الحين هم يخططون للتخندق وصك الأسنان. العنصر المهم جدا في الاستراتيجية الايرانية هو ابقاء الاتفاق النووي على حاله حتى ولو فقد من قيمته الاقتصادية بسبب العقوبات الاميركية الجديدة والضغط الذي تشكله على الشركات الاوروبية لمنع التجارة مع ايران.
 تضغط الولايات المتحدة، الآن، ايضا على الهند والصين واليابان لالغاء صفقات مع طهران والامتناع عن توقيع صفقات جديدة. ولكن حتى لو أن الاتفاق لم يدخل دولارا جديدا آخر الى ايران ما زالت له اهمية مزدوجة: يمكنه أن يستخدم كبوليصة تأمين ضد محاولة ترامب بلورة تحالف دولي لعقوبات اكثر شدة، وهو يمنع الولايات المتحدة واسرائيل من شن هجوم عسكري ضد ايران بدعم دولي. سياسيا، طالما أن الاتفاق صامد وايران تنفذ تعهداتها في اطاره، لن يستطيع ترامب تجنيد ما يكفي من الدعم الاميركي الداخلي لشن عملية عسكرية.
 في اسرائيل يعتقدون أن ملاحظة ترامب في الشهر الماضي حول استعداده للالتقاء مع زعماء ايران، قيلت في اطار حرف الانظار، ولا تمثل تغييرا في استراتيجية النظام. رئيس ايران، حسن روحاني، كان يرغب جدا في اللقاء مع ترامب أو حتى ارسال وزير خارجيته، محمد جواد ظريف، للالتقاء مع شخصيات اميركية رفيعة المستوى. يعرف روحاني أنه في اللحظة التي يتسرب فيها اللقاء الى المراسلين فان قيمة العملة الايرانية (الريال) سترتفع، وسيشعر الجمهور بقليل من الأمل. إلا أن روحاني سيجد صعوبة في العمل ازاء معارضة الحرس الثوري، بما تسميه مصادر اسرائيلية "تصادما بين اعتبارات المال والشرف القومي الايراني".
من وجهة النظر الاسرائيلية، الفرق الاساسي بين سياسة ترامب وسياسة النظام السابق لبراك اوباما هو أنه مع نظام ترامب فان الولايات المتحدة تشكل تهديدا عسكريا حقيقيا على ايران، كما حدث ايضا في حالة كوريا الشمالية. في طهران يعتبرون ترامب مجنونا ومؤيدا متحمسا لاسرائيل سيمكنها من العمل كما تشاء. في محيط نتنياهو يأملون في أن التهديد المدمج هذا سيعيد الايرانيين الى طاولة المفاوضات. إلا أن طهران تخشى ذلك، وترى في وثيقة الـ 12 نقطة التي عرضها وزير الخارجية الاميركي، مايك بومبايو، قبل شهرين، مطالبة من النظام لتغيير كل نشاطاته.
مارك دوفوفيتش، الخبير في الشؤون الايرانية في "معهد الدفاع عن الديمقراطية" في واشنطن، والذي لديه علاقة متواصلة مع عدد من كبار مستشاري ترامب، قال للصحيفة إن "شخصيات رفيعة المستوى سابقة في ادارة اوباما هي التي تنقل للايرانيين هذه الرسائل منذ سنة. اجلسوا بهدوء. ترامب سيكون رئيساً لولاية واحدة، لذلك كل ما يجب عليكم فعله هو أن تصمدوا في السنتين والنصف القادمتين. في حينه سيأتي رئيس جديد، وسيعيد الاتفاق الى سابق عهده. الرسالة التي يسمعها الايرانيون من هؤلاء الاشخاص هي: لا تستفزوا ترامب. لا تعطوه ذريعة كي يحطمكم أو أن يذهب الى عملية عسكرية.
حسب اقوال دوفوفيتش "الايرانيون في هذه الاثناء يتصرفون بالضبط بهذه الصورة، لكنني اعتقد أنه سيكون من الصعب عليهم التمسك بهذه السياسة لفترة طويلة. العقوبات التي عادت الى سابق عهدها في هذه الاثناء هي العقوبات الأبسط، بصورة نسبية. الضربة الحقيقية ستأتي في بداية تشرين الثاني القادم، مع العقوبات في مجال الطاقة. تخطط الادارة لجولة اخرى من العقوبات في بداية العام 2019. من السهل القول: أن نجلس سنتين وننتظر. من الصعب فعل ذلك عمليا لأن الاقتصاد متدهور والناس في الشوارع غاضبون".
اذا تجددت المفاوضات رغم كل ذلك، يقول دوفوفيتش، فان ترامب يجب عليه الإصرار على لقاء بينه وبين الزعيم الروحي، علي خامنئي، وليس مع الرئيس روحاني. "خامنئي هو الزعيم الحقيقي لايران، وليس روحاني. كل مفاوضات مع روحاني ستكون وسيلة لاطالة الوقت، والتي سيستغلها الايرانيون من اجل جني ارباح اقتصادية بدون التنازل فعليا عن أي شيء". حسب اقواله، فان الولايات المتحدة يجب عليها وضع شروط اخرى لتجديد الاتصالات، انضمام رسمي لاوروبا للعقوبات على البنوك الايرانية.
"يجب إدارة مفاوضات معاكسة لما اعتاد عليه اوباما الذي قلل الضغط على ايران طالما أن المحادثات تتقدم". واضاف: "ترامب يجب ان يزيد الضغط خلال المفاوضات. الرسالة التي سيستوعبها الايرانيون من هذه الخطوة هي انه لا يمكن استخدام المفاوضات من اجل تخفيف العقوبات. اذا أردتم تسهيلات فان الطريقة الوحيدة هي من خلال اتفاق ومن أجل الاتفاق يجب تقديم تنازلات".
 
دمشق خارج التفاهمات
في جهاز الامن الاسرائيلي يقدرون أن وثيقة بومبايو أعادت للسياسة الاميركية في المنطقة درجة من التوازن المطلوب. الولايات المتحدة توقفت عن التركيز فقط على هزيمة "داعش"، وهي عملية حيوية والتي كنتيجة ثانوية لها زادت قوة ايران وتمت اعادة تأهيل نظام الاسد في سورية – بل تسأل نفسها كيف يمكن وقف نفوذ طهران؟ اذا كان نتنياهو استحواذيا بعض الشيء بخصوص التهديد النووي فان استحواذ رئيس الاركان، غادي آيزنكوت، هو تقييد خطوات الايرانيين في سورية.
الاميركيون، وهذا يحدث للمرة الاولى في ظل نظام ترامب، يكرسون الآن جهودا أكبر لصد قاسم سليماني، قائد قوة القدس في الحرس الثوري الايراني ورجاله. لقد نسب لاسرائيل اسهام في ذلك في السنة والنصف الأخيرين في العملية المنهجية ضد الايرانيين في سورية. طهران لم تطبق حتى الآن خطتها لتعزيز المليشيات الشيعية وانشاء مواقع عسكرية في الدولة: حلمها الكبير – مليشيا شيعية تتكون من 100 ألف مقاتل تتموضع بصورة دائمة في سورية – توقفت الآن عند العشرة آلاف.
في الاسابيع الاولى وبعد استعادة هضبة الجولان من قبل نظام الاسد، يبدو أن روسيا تفي بوعودها لابعاد الايرانيين الى مسافة 85 كم عن الحدود مع اسرائيل. ولكن هذه التفاهمات يتضح أنها لا تشمل منطقة دمشق. يتم الحفاظ على وجود ايراني، ولهذا لن يكون مفاجئا اذا واصلت اسرائيل هجماتها من حين لآخر ضد مواقع عسكرية حول العاصمة السورية.

عن "هآرتس"
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: