الصهيونية لا تنمو إلا في الدول القومية الاثنوقراطية!

2018-08-15

بقلم: شلومو زاند
يمكن تقريبا أن نفعل كل شيء مع التاريخ. فهو يشبه الضفدع الذي مات على طاولة التشريح، ولا يوجد أي خطر من أن يقفز علينا؛ لأننا لم نعامله بما يكفي من اللطف. في مقال حول الصهيونية والمواطنة المتساوية (20/8) استعرض البروفيسور شلومو أفينري معرفته التاريخية الغنية، بدون خوف من أن يقوم الماضي الوهمي بالانتفاض ضدنا فجأة.
في نهاية كانون الاول من العام 1789 وخلال الزخم الكبير في الحوار حول تبلور الأمة الفرنسية، أعلن كليرمون تونير أنه بالنسبة لليهود «لا شك أن غرابتهم الدينية ستختفي من الوعي بالفلسفة الجديدة، أو الشعور بالحرية والتحرر. وإذا لم يحدث ذلك فهذه ليست مخالفات يجب على القانون التعامل معها. ولكنهم يقولون لي إنه توجد لليهود قوانين وقضاة خاصون بهم. وعلى هذا أجيب بأن هذا ذنبكم، ويجب عدم السماح بذلك. علينا أن نسلب اليهود كل شيء كأمة، وأن نعطيهم كل شيء كأفراد». من الواضح أن كليرمون تونير لم يعتبر اليهود أمة بالمعنى الحديث للمفهوم، بل اعتبرهم مثلما كانوا حقاً: طوائف دينية ذات مدونات قانون ديني وقضاة – حاخامات خاصين بهم، عملوا خلافاً لقوانين الدولة العلمانية الحديثة.
كان هذا اسهاماً بارزاً ومهماً للتحرر الذاتي لليهود في فرنسا، الذي انعكس على كل غرب اوروبا. يجب منح اليهود مواطنة كاملة ومتساوية، وفي المقابل يجب أن تسحب منهم الصلاحيات الحصرية للمحاكم الدينية (التزويج داخل الطائفة) وفرض عقوبات ومقاطعة (تذكروا ماذا حدث لسبينوزا). لم يكن كليرمون تونير ثورياً ديمقراطياً، بل كان ملكياً ليبرالياً. ولكن موقفه ساهم في بلورة القومية الفرنسية بمزاياها الخاصة.
بالطبع، لم يكن كل اليهود المتدينين راضين عن هذا الموقف، وعن طرق تطبيقه الأخيرة. ولكن رغم الخوف الشديد من اليهود، الذي ميز التراث الثقافي في فرنسا، فقد شارك اليهود في بلورة الأمة الفرنسية، واعتبروا انفسهم جزءاً لا يتجزأ منها. ليس فقط بونابورت الكورسيكي، الذي لم يعرف الفرنسية حتى جيل العاشرة، أصبح فرنسياً، بل حتى ادولف كرميا وليون بلوم وبيير منديسفرانس لم يعرفوا الفرنسية. يشير افينري الى أن الموقف المدني غير المهم الذي طرحه كليرمون تونير «أدى في نهاية المطاف الى تطور الوعي القومي اليهودي ونمو الصهيونية». هل هذا صحيح؟.
لم تنمُ الصهيونية في الدول الديمقراطية الليبرالية، مثل بريطانيا وفرنسا وبولندا أو الولايات المتحدة، ولا حتى في ايطاليا وألمانيا. فالجاليات اليهودية في هذه الدول لم تنظر بعين الرضى الى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول. فقط في فيينا وشرقها، حيث الرؤية المدنية – القومية لم يتم قبولها، وبدلا منها صعدت القومية الاثنية، يرافقها خوف شديد من اليهود، نجحت الصهيونية في مد جذورها، وهذا لم يكن صدفة.
كليرمون تونير ومن سار على نهجه في العالم الديمقراطي الليبرالي عرضوا على اليهود ليس فقط المواطنة. هم لم يعتبروا فرنسا الدولة القومية الكاثوليكية التي يوجد لليهود فيها مساواة رسمية في الحقوق، بل اعتبروا اليهود جزءاً لا يتجزأ من الأمة الفرنسية. لم تعتبر المملكة المتحدة نفسها دولة قومية للشعب الانجليزي، ومنحت الاسكتلنديين مساواة مدنية في الحقوق. أما الولايات المتحدة فاعتبرت نفسها في نهاية عملية تشكل، أمة كل الاميركيين وليس دولة البوريتانيين البيض.
أصبح كل يهودي مواطناً تحول تلقائيا الى فرنسي، بريطاني وأميركي، وكان يجب أن يتماهى مع وطنه القومي. بالضبط مثل الكاثوليكي والانجليزي أو البوريتاني. حتى لو كانت في بعض هذه الدول اقليات ثقافية، دينية أو لغوية، فان الدولة لا تعرض عليهم فقط مواطنة متساوية، بل رغم التوترات، فانها تفعل كل ما في استطاعتها لتطوير علاقات شمولية موحدة.
إذا أعلنت بريطانيا غداً أنها دولة قومية للانجليز، وأنها تمنح مساواة في الحقوق المدنية للاسكتلنديين، فان الاخيرين سيعلنون استقلالهم خلال أقل من أسبوع. وإذا أعلنت كندا أنها دولة القومية لمن يتحدثون الانجليزية فان مقاطعة كويبك ستنفصل بسرعة اكبر. واذا اعتبرت اسبانيا نفسها ليست دولة القومية لكل الإسبان بل فقط للكستليانيين، فليس فقط المواطنون الكتلانيون سينفصلون عنها فورا، بل أيضا الباسك والاندلسيون.
ليست الدول فقط أجهزة لتنظيم العلاقات الاجتماعية. منذ تبلورها في العصر الحديث لعبت دورا مهما في تشكيل الثقافات والهويات القومية. منذ كليرمون تونير وحتى اليوم فقد طورت الديمقراطية الليبرالية دائما أنظمة تماهٍ مركبة لكل المواطنين حتى الذين هم من اصول مختلفة وحتى اصحاب ثقافات خاصة.
فقط في بلاد القومية الاثنوقراطية، من بولندا وحتى هنغاريا وكرواتيا وبعد ذلك ألمانيا، تم تطوير هويات فوقية أخرجت أقليات من المبدأ الديمقراطي الساعي الى إيجاد عامل مشترك للهوية. الصهيونية التي ولدت في هذا الفضاء الثقافي حافظت على لطخات الولادة الخاصة بها، ومؤخرا، حتى تجد أن عليها إبرازها.
عندما أعلنت الامم المتحدة في العام 1947 عن دولتين في فلسطين – «ارض اسرائيل» سمتهما يهودية وعربية. لأنه حتى ذلك الحين لم يكن قد وجد شعب اسرائيلي وشعب فلسطيني. على خلفية هذا السياق صيغت وثيقة الاستقلال (التي تطرق جزء منها للمساواة، نسخ حرفي تقريبا عن إعلان الامم المتحدة). الكثير من الموقعين عليها لم يكونوا بعد يدركون التناقض بين مفاهيم اليهودية والديمقراطية. ولكن لم يكن بالامكان الجسر بين اليهودية والمواطنة المتساوية. أي بينها وبين ديمقراطية ثابتة، كما لم يكن بالامكان تعريف دولة كدولة بيضاء وديمقراطية أو كدولة اشكنازية وديمقراطية. كلنا نعرف أن تعريف اليهودية ليس مفتوحا وشاملا (الصهيونية ورثت من اليهودية الخوف من الانصهار). الاخطر من ذلك أنها تستند إلى خطوط تحديد بيولوجية أو دينية لا يمكن تقريبا اجتيازها.
لو أن الدولة عرفت نفسها عند بلوغها كإسرائيلية وديمقراطية لكانت حافظت بذلك على جزء من الثقافات المختلفة التي نبتت منها، وكانت مفتوحة لكل مواطنيها. أقلياتها اللغوية والدينية والثقافية كانت ستستطيع الحفاظ على خصوصيتها، وفي الوقت ذاته المشاركة بصورة فعالة في خلق الثقافة الفوقية المشتركة.
ولكن حينها كانت ستتحول الى دولة من هم على شاكلة أيمن عودة وأمل أسعد، اكثر بدلاً من كونها دولة من هم على شاكلة شلدون ادلسون. حينها ستكون دولة الاطباء والصيادلة العرب الذين يملؤون بجموعهم الخدمات الطبية أكثر من مدعوي «تغليت» الذين يأتون للزيارة ولا يعودون. هل كان هذا يدل على بداية نهاية الصهيونية؟ باختصار، كم من الضفادع نكلت بها حتى الآن؟

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: