نقطة ضوء

سمير أمين، لم يعد الكثير من هؤلاء..!!

حسن خضر

2018-08-14

غيّب الموت، قبل ثلاثة أيام، سمير أمين، أحد أبلغ وألمع المثقفين العرب. وليس من قبيل المجازفة القول إن في غيابه ما يسدل ستارة بالمعنى الفعلي، والمجازي، على حقبة كاملة من تاريخ مصر والعالم العربي، و"العالم الثالث"، التعبير الذي خرج من التداول في العقود الأخيرة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية.
والواقع أن المعاني المُحتملة لوجود سمير أمين، ومكانته في الثقافة العربية، يُستمد مِنْ، ويتخلّق في، الإطار التاريخي، والدلالي، لتعبيرات كهذه. فهو، المولود في القاهرة في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، نتاج اللحظة الليبرالية في العالم العربي، بتعبير ألبرت حوراني، ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي كانت مصر من علاماتها المضيئة.
ويمكن القول، اليوم، بأثر رجعي، إن تفاعل، واختلاط، وتجاور، الثقافات والإثنيات في الحواضر المصرية، كان بمثابة الرافعة الاجتماعية للحظة الليبرالية، وأن أمين كان نتاجاً طبيعياً لتلك اللحظة، التي أوصلها التناقض بين التعددية والحصرية القومية، مع احتدام الكفاح الوطني، إلى طريق مسدودة، وتطوّعت أيديولوجيتان هما الماركسية والإسلاموية بدعوى فتح طريق للخلاص.
وقد كان الفرق بينهما أن الأولى تضع العدالة الاجتماعية في صميم مشروع الكفاح الوطني، وتحرر المشروع نفسه من وصمة الشوفينية القومية، وتضعه على سكة كفاح شعوب وأقوام أخرى على طريق تحرير الإنسان والأوطان، تحت، وباسم، عناوين عريضة تنتمي إلى أفضل ما أنجب القرن التاسع عشر من مفاهيم التنوير، والحريّة، والتقدّم.
وبهذا المعنى يجد أبناء التعددية أنفسهم في لحظة وصل فريدة بين الخلاص الفردي الجمعي في آن. وبهذا المعنى، أيضاً، لم يكن من قبيل الصدفة أن ترتفع نسبة تمثيل أبناء الأقليات، والبيئة المُهجّنة والمُختلطة، في المجموعات القومية واليسارية والشيوعية التي عرفتها مصر، في النصف الأوّل من القرن الماضي.
أما الثانية فأحلّت الشوفينية الدينية محل القومية، واختزلت مشروع الكفاح الوطني في تحرير الجسد الاجتماعي من المُختلف والغريب، ولم تر في التعددية الثقافية والإثنية نتاجاً طبيعياً للتاريخ والجغرافيا، بل رأت فيها جزءاً من مؤامرة المُستعمر لإفساد الجسد الاجتماعي وتقويضه من الداخل، ولم يكن للعدالة الاجتماعية في مخيالها السياسي مكانة تُذكر، ولم تكن لبقية الشعوب المكافحة في سبيل الحرية من قيمة تُذكر، إلا إذا كانت شريكة في الهوية الدينية.
وفي سياق كهذا كانت الماركسية خياراً طبيعياً لسمير أمين، كما كان الشأن مع ما لا يحصى من أبناء جيله في مصر والعالم العربي. وقد تجلّت في سيرته على امتداد عقود طويلة كل المسوّغات التي حرّضت شاباً مصرياً، في أربعينيات القرن الماضي على اعتناق الماركسية كطريق للخلاص الفردي والجمعي في آن. كان مناضلاً وطنياً، ومثقفاً ماركسياً لا مِنْ وفي مصر وحسب، بل كان هذا وذاك بوصفه جزءاً من العالم الثالث، والعالم، أيضاً.
وفي هذا المعنى يتموضع جهده النظري البديع، وإسهامه الكبير، في إغناء الفكر السياسي، والاقتصادي في العالم. لا يقل سمير أمين أهمية ومكانة من حيث تأثيره في المناهج السياسية والاقتصادية الحديثة، في "العالم الثالث" والأكاديميا الغربية، عن إدوارد سعيد ومشروع نقد الاستشراق.
والواقع أن مفاهيم كثيرة متداولة على مدار عقود من نوع: المركزية الأوروبية، والتطور اللامتكافئ، ورأسمالية المركز والأطراف، لم يكن لها أن تكتسب مكانة مركزية في خطابي السياسة والاقتصاد في "العالم الثالث"، وفي العالم عموماً، لولا سمير أمين. ففي أفريقيا، والهند، وفي بلدان أوروبية كفرنسا، يحتل أمين مكانة مرموقة، ومن المؤسف أن نتاجه الفكري والنظري الكبير لم ينل، بعد، ما يستحق من مكان ومكانة في الجامعات العربية.
وعلاوة على هذا كله، ثمة ما لا يمكن، ولا يجب، غض النظر عنه. وأعني أن موقف أمين من الإسلاموية، لم يتغيّر. فقد حافظ على تصوّر واضح، على مدار عقود، مفاده أنها أيديولوجيا مُحافظة ورجعية، بلا مضامين للعدالة الاجتماعية، ولا تكن عداء حقيقياً للكولونيالية، وهي تقدّس الملكية الخاصة، والتراتبية الطبقية، ولا تتوانى عن عقد مساومات تتناقض مع شعاراتها الصريحة والمُعلنة.
وقد تجلى هذا الموقف، في المكان والزمان المناسبين، في سياق ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية، وموجة الربيع العربي عموماً، ففي الثورة، كما الموجة التي ضربت في بلدان عربية مختلفة، صعد نجم الإسلام السياسي، وسارع البعض على أمل الخروج من مأزق الاستعصاء الديمقراطي في العالم العربي، والبعض الآخر تعبيراً عن انتهازية سياسية، لإعادة النظر في قناعات تقليدية بشأن الإسلاموية، والإسلامويين، ولكن سمير أمين لم يتنازل عن قناعاته، ولم يغيّر موقفه، بل وحذّر من مخاطر الرهان على ظاهرة كهذه. لذا، لم يتحوّل إلى "مفكر عربي" على شاشة التلفزيون.
قلنا إن في غيابه ما يُسدل ستارة بالمعنى الفعلي، والمجازي. فمَن وُلدوا في النصف الأوّل من القرن الماضي لم يبق منهم الكثير. أما المجازي فيتصل بحقيقة أن الداعية، في زمن الإنترنت والفضائيات، قد احتل مكان ومكانة المثقف، الذي عرفته مجتمعات عربية كثيرة في عقود سبقت.
 لذا، إذا جاز الكلام عن حضور سمير أمين في أوساط بعينها فلا ينبغي غض النظر عن حقيقة أنه غير معروف على نطاق واسع في أوساط الشباب. ولا نعزو السبب إلى صعوبة لغته، بل إلى حصار وخنق رسالته. لم يعد ثمة الكثير، هذه الأيام، من محبي "تنغيص" الحياة بقضايا العدالة الاجتماعية، والصراع الطبقي، والكفاح ضد الرجعية والكولونيالية. ولعل في هذا، بقدر ما أرى، ما يبرر الكلام عن غيابه كخسارة فادحة، لم يعد ثمة الكثير من هؤلاء.

التعليقات


1 . عائدة حسنين/
الثلاثاء 14 آب 2018 15:40:22

مقالاتك ثقافة يا أستاذنا الصراحة نحن بحاجة إلى كتب تحمل ثقافة تنويرية تثقيفية لمواجهة التطرف الديني اللاأخلاقي الذي يخرب و يفسد الهواء و النقاء و التعايش في هذا العالم يا أستاذ حسن الذي يحدث سببه المدعى محبة و إرضاء الله و السؤال هل فعلاً هذا القتل و اللصوصية و التخريب و الحرق و المحرقة تعجب الله و يرضى عنها الله و ترضي الله أم هؤلاء الذين يديرون المنظومات و المؤسسات الدينية السماوية و غير السماوية في العالم لهم مصالح شخصية و مادية و يجنوا الثروات و المكاسب فهم أدعيااء الدين صاروا أسياد كل الأرض بحجة أنهم سفراء الله و حفظة أسفاره و آياته و يرتلون كلماته دول و حكومات ووزراء وقادة سياسيين و أثريااء و ملوك و أمراء و حتى شعراء و مفكرين يقبلون أيدي الأئمة و الكهنة و الحاخامات و إن لم يكن فعلاً و بالضبط فهم ينفذون أوامر الذين يديرون المعابد و المحافل الدينية و كأنهم آلهة على الأرض تمشي و بعد ذلك يتضح أن هؤلاء المعبودين بأقنعة و أنهم أقبح من القبح نفسه و أنهم ليسوا أنبياء و ليسوا رسل الله و لكن المال في هذا الأرض يجري بين أيديهم و في صناديق معابدهم يجمعون الثروات من جوع الفقراء بحجة اسم الله و محبة الله و جنات الله و هم متخمين من الترف و العالم في جراح و العالم في حروب و العالم في حسرة نمر بأسوأ فترة مرت على الأرض و أهل الأرض تناحر بين السنة و الشيعة و بين النصارى و اليهود و بين اليهود و المسلمين تصل لحدما وصلالحال به في الخليل و القدس من سرقة ممتلكات و محاصيل و أراضي عللى يد حاخامات يهود وصلتني رسالة من موقع إخباري تقول طلبة مدرسة دينية أي حاخامات صغار في إسرائيل يحتفلون بالاستيلاء على بيت في الخليل يحتفلون بإيذاء الآخر يحتفلون بالغنائم يحتفلون باللصوصية و بالجيروت و بالطغيان صغار أبناء مدرسة دينية فماذا حينما يكبرون هم فاعلين في الحرم القدسي و الإبراهيمي وبالزرع الفلسطيني و بزارعه و الذي حدث في العراق من اقتتال و مازال رماده قائماً و الذي يحدث في سورية و اليمن و السعودية و إيران و تركيا و قطر و دول الخليج كلها مؤامرات يبتدعها الشياطين بحجة عشق الله و محبة الله في حين أنها إفساد و تخريب و قتل و دمار انظر ما آل إليه الوضع في سورية و لبنان من قبل و الخليج الآن و اليمن و إسرائيل القومية القانون و الهوية اليهودية و لا مكان لغير اليهودي على أرض فلسطين التي سرقوها بحجة محبة الله و بحجة الدين الشحصي و الخاص وهم كانوا بيننا مواطنين مثلنا مثلهم كان يدبرون المكيدة و يسرقون الأرض حتى طردونا نهائياً من أرضنا و مازالوا يوسعون المستوطنات و يضربون النساء المصليات و يصلون و كـان الله رب دمااء رب قتل رب خراب و فتن و عذاب و هم قطاع طرق مافيات لصوص فعلاً نحتاج إلى صرخات مدوية و ان يخرج العالم عن صمته و نسترجع غزة بل القدس كذلك بل كل فلسطين لأنها عربية و يبقوا فيها معنا سكانها اليهود و غير اليهود و نعود إلى أراضينا التي نحمل أوراق تثبت ملكيتها و نتعايش على أساس المواطنة لا على أساس الدين و على أساس العدل و القيم الفكرية الإنسانية و المساواة في الحقوق و الواجبات فكلنا يستحق الحياة على أرضنا فلسطين التي توارثناها عن أجدادنا و هناك قبورهم و أشجار الزيتون التي زرعوها و فلسطين أرض الخير و تتسع للجميع بالمحبة تعظم الكائنات و بالكراهية تصغر الدول فليسقط قانون القومية التي شرعته الكنيست و ليعيش كل العالم بأمن و أمان و تساوي و علينا نبذ القساة الطغاة الحبابرة قطاع الطرق اللصوص أدعياء الدين و أدعياء محبة الله و هو الله لا يحب القبح فهو سبحانه الجمال كله و هو الفنان الذي خلق و أبدع تحياتي أخي المثقف الكبير حسن خضر و المزيد من هكذا كتابات و رحمة الله على الفقيد


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: