"قرب شجرة عالية" للؤي حمزة عباس .. رحلة عبر الذات المتشظية للعراق

2018-08-14


كتبت بديعة زيدان:

هي رحلة للبحث عن الذات المتشظية للعراقي وبلاده إثر سلسلة الحروب الداخلية والخارجية جغرافياً وسيكولوجياً، والتي لم تنته بعد، ما بين ذلك الذي دخل في الشجرة العالية، والرجل الذي يحب المشي في كل وقت دون أن يرتدي قبعة أو يحمل مظلة، وتلك التي يستحيل صوت المرأة في أذنيها صوت رجل تفكر في معنى أن يعود، وحامل المظلة الذي يهرع ما أن تقبل سيارة ويعيش فصلين مجنونين أحدهما شمسه تذيب الحديد والثاني أمطاره لا تكل، أو نزيل الفندق التعيس، أو رجل البطاقات والملصقات، أو الفلاح صاحب القصص المفزعة.

وهي رحلة تتواصل على مقربة من الصغيرة فاطمة والنمل المرافق لها، أو ذلك الرجل الذي لم يغادر مدينته يوماً ومع ذلك يتنقل بين المدن ليلاً محلقاً فوق البحار والمحيطات، أو من رآها تحفر حفرة صغيرة في الحديقة تضع الدمية فيها وتغطيها بالتراب، أو من أحب حمل عدة الكشافة كاملة .. أو .. أو.

هكذا، وعبر قصصه القصيرة والأقل قصراً، يقدم القاص العراقي لؤي حمزة عباس في مجموعته "قرب شجرة عالية"، الصادرة عن "أزمنة للنشر والتوزيع"، ونافست على جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في الدورة الأخيرة بوصولها إلى القائمة القصيرة، صورة بانورامية سوداء لعقود من حروب وحصارات وزنازين وجوع يتعملق وألم يتضاعف ومرض يستشري، ليس في الجسد فحسب بل في الذاكرة أيضاً، حتى إن القليل من الأصدقاء القدامى "يبتسمون غير مصدقين، وكثيرون يصمتون".

حالة التشظي هذه يختزلها ذلك المقطع من القصة المعنونة بـ"أنت لست سمكة"، وجاء فيها "ما أصعب أن يكون أحدنا في مكانين منفصلين في وقت واحد وأن يعيش حياتين مختلفتين ولو لوقت قصير، تتلبسنا في أوقات متباعدة أحاسيس لا نكون فيها كما نحن، أو كما نشعر دائماً أننا نكون، حالات ننفصل فيها عن طبائعنا ونغادرها لندخل طبائع أخرى كما لو كنا نفتح باباً في حكايات الطفولة، فتتحول بنا العوالم وتتبدل من حولنا الجهات، لكنها ليست حكايات ولا قصصاً، إنما هي مشاعر تتملكنا فتغير أحوالنا، نخرج عن أجسدانا ونسكن أجساداً جديدة مدهشة، فنغدو ببساطة وعلى نحو مفاجئ بشراً آخرين، كما يمكن أن نغدو حيوانات أو نباتات أو جمادات، يحدث ذلك أحياناً مثلما يحدث لأحدنا أن يرى وجهاً غريباً أمامه في المرآة، يشعر حال تمدده على السرير وقد غرق العالم في صمت أول الليل، بأنه ليس هو ...".

ومع أن في المجموعة غرائبية على مستوى السرد والتكوين والتنقل ما بين حالات الشخوص على قلتها والسارد، إلا أن هناك حضوراً لأسماء وأحداث وأماكن واقعية، وكأن عباس هنا يشي بسر ما وراء قصص "قرب شجرة عالية" كالشاعر محمود البريكان، وهو شاعر عراقي من البصرة ولد في ثلاثينيات القرن الماضي ومات بعد سقوط نظام صدام حسين ويُعد من الرواد المجددين في الشعر العربي ووصفه بـ"القتيل"، وشفيق عدس وهو تاجر يهودي من أصل سوري ولد في حلب العام 1900 ورحل إلى العراق بعد الحرب العالمية الأولى، واشتهر بتجارة العدس وتوفي في العام 1948، وقال عباس إنه "في ساعات الفجر الأولى من يوم الثالث والعشرين من تشرين الأول عام 1948 أعدم شفيق عدس، وكان عمره، مصادفة، ثمانية وأربعين عاماً .. لم تمنع برودة الفجر، ولا عتمة المكان، ولا رهبة المشنقة، الآف البصريين من التجمع. حضر الكثير منهم في ساعات مبكرة من الليل وجلسوا على الساحة الترابية الواسعة في منطقة العزيزية، قريباً من قصره الذي شارف بناؤه على الانتهاء".

"لم تكن واقعة إعدام عدس، التاجر اليهودي، بتهمتي تهريب الأسلحة إلى إسرائيل ومساعدة الشيوعيين، بكل ما شهدته من ملابسات، حدثاً عابراً في حياة المدينة. أدرك الآن، بعد الانشغال الطويل بكتابة الفصل ومراجعة وثائقه، أن لكل مدينة لحظة موت، تنتظرها زمناً قد يمتد".

ومن بين الشخصيات الواردة في "قرب شجرة عالية" الكولونيل لوجسين دو كوك، الذي يقول عنه صاحب المجموعة القصصية ذات البعد الفنتازي أحياناً، إنه رئيس الوحدة "سي 10"، وهي وحدة سرية أسستها حكومة جنوب أفريقيا العنصرية، وجوهانس سامبو الأفريقي الذي قتل أثناء الاعتقال.

تحدث عباس بعمق عن الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العراق على امتداد قرابة القرن، حيث إعدام اليهود، والحرب العراقية الإيرانية أو حرب الثمانينيات، والحصار، وغيرها، بينما تتنفس الصفحات روائح عراقيين عاديين، وخاصة بصريين، وتلك الخارجة من الأماكن كمقهى أم البروم، وسينما نادي الميناء، وسوق حنا الشيخ، والمترو، هو العابر بحكاياته لواقع عراقي يتجاوز كل عبثية وعشوائية وفنتازية، وهو المؤكد بأن "لكل منا حكاية عابرة". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: