آراء

حتى تخرج سورية من القاع

هاني عوكل

2018-08-10

ليس غريباً أن تتصدر سورية ذيل القائمة في مؤشر الدولة الأقل أماناً في العالم للعام 2018، قياساً بالنزاع الصعب الذي تعيشه منذ أكثر من سبعة أعوام، في الوقت الذي يتواصل فيه هذا النزاع المفتوح على المجهول دون سقف زمني يحدد خط النهاية.
مؤشر السلام العالمي، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الأسترالي، وضع سورية في الترتيب الأخير رقم 163 بناءً على مؤشرات ثلاثة، هي: نسبة الأمن والأمان في المجتمع، والنزاعان الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى مؤشر العسكرة.
الأسباب التي وضعت سورية في هذا التصنيف كثيرة، إذ يكفي الإشارة إلى أن عدد القتلى يزيد على 400 ألف قتيل منذ بداية النزاع في آذار 2011 وحتى هذه اللحظة. وأما فاتورة الجرحى فهي في اطراد وتكاد تلامس حاجز الثلاثة ملايين جريح.
ونتيجةً لغياب الأمن والأمان في مجتمع منقسم وحكومة تحارب تنظيمات معارضة، فقد لجأ أكثر من خمسة ملايين سوري إلى دول مجاورة وأخرى بعيدة، في الوقت الذي زاد فيه عدد النازحين عن ستة ملايين، نصفهم تقريباً يعيشون في مناطق محاصرة وتحت خط النار.
السوريون قبل أن يبدأ النزاع كان عددهم حوالى 23 مليون شخص، ولنا أن نتخيل أن نصف هؤلاء متفرقون بين لاجئ ونازح، علماً أن الذين حطّوا في العديد من الدول الأوروبية والغربية طلباً للإقامة الدائمة، قد لا يعودون حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.
أسباب أخرى تجعل سورية في ذيل الدول الأقل أماناً بالعالم، مثل تدويل النزاع السوري وتصنيفه على أنه حرب باردة بين دول كبرى تتنافس على صدارة المشهد الدولي وتُشكّل عنوان إطالة الأزمة وعنوان الحل أيضاً.
لقد شهدت سورية صراعاً دولياً على أرضها وتقاطعاً لمصالح قوى إقليمية ظلّت تسعى منذ بداية الأزمة إلى تأمين مصالحها، الأمر الذي جعل هذا النزاع واحداً من أصعب النزاعات في العالم وأكثرها تعقيداً ودموية.
بعض الإحصائيات الدولية تقدر خسائر المنازل المُهدّمة والمتضررة إلى حوالى أكثر من ربع المنازل قاطبةً في سورية، في حين دمرت نصف المراكز الصحية والتعليمية، ويكفي الإشارة إلى أن محافظات مثل حلب ودير الزور والرقة وحمص كانت شاهداً على حجم الدمار الذي حوّلها إلى مدن أشباح.
الآن تقدّر الأمم المتحدة خسائر سورية الاقتصادية حوالى 400 مليار دولار، وهذا المبلغ الضخم جداً لا يمكن للدولة السورية بناتجها المحلي الإجمالي مواجهته، إذ إنها ستحتاج حينذاك ربما إلى أكثر من ربع قرن للوصول إلى اقتصاد متعافٍ وبنية تحتية سليمة تلامس مرحلة ما قبل النزاع.
في ظل النزاع المستمر لا يصل الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 30 مليار دولار عام 2018 بعد أن تجاوز 60 مليار دولار عام 2010، هذا عدا الدين الخارجي الذي يتجاوز أكثر من 11 مليار دولار في بلد كان يتغنى بتصفير دينه الخارجي واقتصاد مكتفٍ ذاتياً.
جميع هذه المؤشرات تعكس مدى صعوبة النزاع السوري وإلى أي قاعٍ وصل، غير أن القلق لا يتصل بالخوف من هذه المؤشرات وكيف يمكن مواجهتها فقط، بقدر ما هو قلق يتعلق بمرحلة نهاية النزاع وطرق تصفيته والمرحلة التي تليه.
ويبدو أن الدور الروسي بعد نهاية النزاع سيساوي حجم تدخلها في الأزمة السورية، إذ تعمل القيادة الروسية على أربعة محاور: الأول تأمين صفقة لتسوية مرضية تحقق نسبة معقولة لمختلف الأطراف المؤثرة في النزاع السوري، وثانياً تعمل على إعادة اللاجئين من الدول الأوروبية تحديداً.
في هذا الإطار من المحتمل أن تدخل موسكو في مساومات مع بعض الدول الغربية لإعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، خصوصاً أن بعض تلك الدول لم تجنّس لاجئين سوريين كثراً، واكتفت بإعطائهم إقامات مؤقتة إلى حين تبيان مصير النزاع.
الثالث يتعلق بالتأكيد على حصة روسيا في سورية والرابع يهدف إلى إعادة إعمار البلاد وجلب الشركات الروسية للاستثمار في سورية، وقد يأتي ذلك عبر صفقة ثنائية بين القيادتين الروسية والسورية تحت قاعدة دائن ومدين.
وعلى الأغلب أن تخرج سورية من ذيل تصنيف الدول الأقل أماناً في العالم بعد عام، قياساً بالمنجز العسكري الذي تحققه القوات الحكومية ضد المعارضة، إذ لم يعد أمامها الآن سوى الشمال السوري من شرقه إلى غربه، في الوقت الذي نسمع فيه عن فتح قنوات للحوار بين الأكراد والنظام السوري.
ثم إن الحديث عن تسوية سياسية للأزمة السورية لا يعني بالضرورة أن الأمور ستعود إلى سابق عهدها، وأن الحديث يدور عن مئات الآلاف من القتلى وملايين الجرحى ومنازل مدمرة ومجتمع لا يزال منقسماً في بناه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إذا أرادت سورية أن تلملم جراحها وتخرج من أزمتها، فإن عليها القبول بحوار وطني يفرمل إلى حد معقول التدخلات الخارجية، لأن مثل هذا الحوار هو الذي يقود إلى مصالحات مجتمعية حقيقية ويضمن عدم وجود خلايا نائمة تهدف إلى التشويش على مسار المصالحة.
أما الحديث عن تسوية سياسية بفعل الغرب وتأثيرهم فإنه لن يكفل مصالحة وطنية حقيقية، إذ حينذاك ستكون مصالحة الضرورة، والأولى أن تترجم المصالحة الوطنية في نظام سياسي يأخذ بعين الاعتبار الألوان السياسية في الداخل السوري.
لا بد لكافة الأطراف السورية من إدراك أن الغرب حين تدّخل في هذا النزاع فقد فعل ذلك خدمةً لمصالحه، بل على العكس هو يريد لسورية أن تتحطم لأنه سيستفيد من هذا الخراب على المستويين السياسي والاقتصادي، على مستوى التفاعلات الدولية وسياسة الأحلاف، واقتصادياً على المنفعة من إعادة الإعمار وحركة التجارة والتصدير الخارجي.
لو أن الغرب لم يتدخل في سورية ويقدّم الحطب اللازم لإشعال النار كل الوقت، لما وصلت البلاد إلى هذه المرحلة من الخراب والتدمير، ولا حتى وصلت إلى المرتبة الأخيرة في سلّم الدول الأقل أماناً على مستوى العالم.
Hokal79@hotmail.com
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: