"حَنتوش".. وأحلامُ البدويّة الطّفلة

2018-07-31


مهند ذويب

ربّما أتّمت "صالِحة حَمدين" الآن عامَها العِشرين، بعدَ ستّة أعوامٍ مِن سَفَرها الطّفلِ عبرَ خيالاتِ التّمني إلى جائِزة هانز كريستيان الدّوليّة للقصّة الخياليّة. ربّما اجتازَت شهادَة الثانويّة العامّة وأهدَتها لوالِدها الموغِلِ في الأسر، ولتجمّعها البدويّ الصامِد جداً، لعرب الجهالين، وللخانِ الأحمر. ربّما تزوّجت الآن، وربّما لم تحظَ بفرصة استِكمالِ دراسَتها، لكنّ ما لا يَقبلُ الشّك، ولا يَقبلُ دُخولَ (ربّما) أنّها ما زالت تعيشُ في الطّرقاتِ الوعِرة لتجمّع عرب الجهالين، وتواجِه الاحتِلال العُنصريّ بيديها الصّلبتين من خيمَتها الصّغيرة في (وادي أبو هِندي)، وأنّها ما زالت تعبُر عبر رؤاها إلى وطنٍ كامِل التّراب، وإلى الفِكرة التي لن يستَطيع احتِلالٌ على وجهِ الأرضِ فرضَ الحِصار عليها".

اسمي صالحة، أنا من مَدرسة عرب الجهالين، أعيشُ في خيمة صغيرة في (وادي أبو هندي)، عمري 14 سنة، في النّهار أدرسُ بمَدرسة القصَب، وقد صَنعوها من القَصب؛ لأنّ الجنود أعلنوا أنّ أرضنا منطقة عسكريّة مُغلقة، حيث يتدرّبون على إطلاق النار في منطِقة الزراعة، يَعيشُ معنا في الخيمةِ سَبعون نعجة، وأقوم أنا بحلبِها بعد أن أعودَ من المدرسة، وأصنع الجُبن ثمّ أبيعه لأهل المدينة.

الطّريق هنا وعِرة؛ لأنّ الجنود يمنعونا من تعبيدها، ويتدرّبون على إطلاق النار في الليل، وأنا أكره صوتَ الرّصاص، أكادُ أجنّ منه، فأهربُ، نعم أهرب. لا يوجد لديّ دراجة هوائيّة؛ لأنّ الطريق وعرة، ولا سيارة عندي ولا طيارة، لكن عندي شيء أستخدمه للهروب، اقتَربوا، اقتَربوا، سأوشوشكم سراً، عندي خروفٌ يطير، اسمه "حنتوش"، لونه أسود، وأذناه طويلتان، له جناحان سريّان، يخبّئهما داخلَ الصوف، ويخرجهما حين أهمس في أذنيه يا حنتوش، يا خروف، اطلع جناحيك من تحت الصوف، أغنّي في أذنيه، فيما يبدأ الجنود بالتدرب على إطلاق الرصاص، أركبه فيطير بي، والبارحة هربنا إلى برشلونة، سَنقول لكم شيئاً، في (وادي أبو هندي) لا يوجد ملاعب أصلاً؛ لأنّ الأرض مزروعة بالألغام.

في (برشلونة) قابلنا "ميسي" صاحب الأهداف الكبيرة، لعبنا معه لساعات طويلة، خروفي "حنتوش" كان واقفاً حارساً للمرمى، وأنا أهاجم "ميسي" وفريقه، أدخلنا في مرماهم خمسة أهداف، أراد "ميسي" أن يضمني أنا و"حنتوش" إلى فريق (برشلونة) لكنّنا رفضنا، نريد أن نعود إلى (أبو هندي)؛ لأنّ الأغنام هناك تنتظرني، فلا يذهب أحدٌ غيري ليحلبها، فأبي في السّجن منذ ستّ سنوات، وبقي له تسع عشرة سنة، سأقول لكم سراً: أخبرني "ميسي" أنّه سيزور (وادي أبو هندي)، بعد سنتين سَنقيم مونديال 2014 في (وادي أبو هندي)، سننظّف معاً الأرض من الألغام، وسنبني أكبرَ ملعبٍ في العالم، وسنسميه ملعب حنتوش، وسيكون الخروف شعار المونديال، وأهلاً وسهلاً بكم جميعاً في (وادي أبو هندي)، نحن جميعاً بانتظاركم." بهذهِ القصّة القصيرة جداً فازَت صالِحة بجائِزة هانز كريستيان الدّوليّة للقصّة الخياليّة للعام 2012 من بينِ نحو 1200 قصّة مُشارِكة، كانَ خيالُها خصباً بما يَكفي ليحمِلها إلى ما تُريدُ الطّفلة فيها، كانَ خصباً ليجمَع جَدلاً وجودياً في ماوراء النّص، وليصفَعَ العالَم على وجهَه: "هُنا يبحثُ الطّفل الفلسطينيّ عن الحياة كأطفالِ العالم، ولو لم تَكن سُبل الفرحِ معبّدة، ولو كانَت أحلامُه (روتيناً) يومياً لطفلٍ في مكانٍ ما".

"هنا لم يَعد هُناك فرق بين الواقعيّة والفنتازيا (الخيال)، فما نشاهِده ونَكتبه واقعياً اليوم لم يُخلق إلّا في أذهانِ مترفي الحُزن في اللّيالي الباردة للرّواية، أو في قلبِ جوناثان عِندما صَعد إلى أنجيلا؛ الحياة الثانية المُتخيّلة في رواية أستريد ليندرجين، كأنّ ذلكَ الخطّ الفاصِل بين الواقعيّ والمتخيّل اختَفى، فهَل سيصدّف العالَم بعدَ آلافِ الأعوامِ أنّ عشر نساء بكينَ على قبرِ شهيد أخفت القذائِفُ ملامِحه، وكلٌ منهنّ تظّنه زوجها كما أوردَ إبراهيم نَصر الله، هَل سيصدّق العالَم أنّنا نكتبُ أدباً واقعياً محضاً فقط!.

أستذكِر هذا الآن، في اليَوم الذي خَرجت فيه عَهد التّميمي إلى فضاءِ الحريّة، وبعدَ أيام من استشهادِ أركان في بيت لحم، ومحمّد في مُستعمرة آدَم، وقَبلهم العَشرات على السّياجِ الفاصِل في غزّة، وعبرَ تاريخ النّضال الفلسطينيّ، وفي ظلّ استمرارِ محاوَلات الاحتِلال ترويعَ سكّان عربِ الجهالين، وتهجيرَ سكانِ الخانِ الأحمر.

أستذكرُ هذا وأنزلقُ أو أصعدُ إلى طفولتنا المُتورّطة بفكرة البُطولة، المَحرومَة من حقّ الحياة، واللّعب، المتملّصة من أسمالِ الضّحية، سَيغيب الشّهيد الطّفل عَن مَقعدِه الدّراسي للعامِ المقبل، ستفتَقدُ أمّه حركَته الشّقية في البيت، سينامُ سريره بارداً، وباكراً، لا أحد سَيبحثُ في مواضيع التّعبير التي كتبها ومزّقها عَن رغباتِه، ولا أحد سيدخل خلسَة لمخيّلته ورؤاه؛ ليعرفَ أحلامَه الصّغيرة: السّفر، العَشاء الحميميّ مع العائِلة، دراجَة هوائِية، حَفنة فرح، ورغيفِ سعادَة ساخِن، ستفتقده أزقّة المخيّمات الضّيقة، وكرته الأثيرة، وألعابُ طفولَته التي تكسّرت بينَ الطّفولة والبطولة، ولم تحدّد موقفها مِن الأمر، سيفتَقده مستَقبله الذي انتزعَ مِنه خلسَة، كانَ يحلم ربّما أن يكونَ طياراً، أو بستانيّ حديقة، أو طبيبَ قلب، كانَ يحلمُ أن ينصَهر المخيّم إلى حدودِ البحر، وتعود فِلسطين تسعى إلى الشّواطئ، كانَ سيكتب سرديّة طويلة عن البحر والبرتقال، والرّجالِ البنادِق، لفرطِ ما أعجِب بغسان.

سيَغيب جداً عَن فكرة الجسد والمكان عند حسين البرغوثي، وسيحضر كلّ ليلة على هيئة حمامةٍ بيضاء، أو عصفورٍ ملوّن ليملأ الأرضَ -الذاكِرة بالصَباحات النّقية، وبالحزن الشّجي، ستفتقده الحياة وقد ودّعته برصاصةٍ سوداء لو عَرفت أنّها في طريقها إليه لماتت قبل أن تَصل. لو أستطيعُ إعفاءَ (ربّما) من التّكرار المملّ في النّصوص لفعلت، وأيضاً لأعفيتُ الطّفولة –التي تولدُ كهلةً- من احتِدامِ المشاهِد والتّفاصيلِ، وأعفيتُ "حنتوش" مِن دخولِ الأسطورة، وارتِداء وجه المُخلّص، "لو أستطيعُ أعدتُ ترتيبَ الطّبيعة -الحياة".
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: