جائزة الملتقى.. سنة ثالثة نحو مشروع ثقافي يرتقي بالقصة القصيرة عربياً

2018-07-31


كتبت بديعة زيدان:

جاء اسم جائزة الملتقى للقصة القصيرة، حسب المبادر إليها ومطلقها القاص والروائي الكويتي طالب الرفاعي من "ملتقى ثقافي"، وهو صالون أدبي ينعقد في الكويت منذ العام 2011، و"نلتقي فيه مع مجموعة من الأدباء والنقاد والسينمائيين والمسرحين حول قضية ما تطرح للنقاش، وبعد سنوات من انطلاق الملتقى، خطرت لي فكرة تخصيص جائزة للقصة القصيرة، وكان ذلك في وقت الاهتمام الكبير في جوائز الرواية التي حظيت بحضور لافت كتابة، ونشراً، وجمهوراً، حتى أن بعض الشعراء اتجه لكتابة الرواية بعد أن باتت معظم الجوائز العربية تتجه إلى هذا الصنف الأدبي، خاصة مع انتشار قراءة الرواية على المستوى العربي".

حكاية الجائزة
وحول حكاية الجائزة التي تدخل عامها الثالث قال الرفاعي: أنا عاشق للقصة القصيرة .. بدأت حياتي قاصاً، وكان أول ما نشرت مجموعة قصصية، لذا حاولت إيجاد جائزة للقصة القصيرة العربية، خاصة أن أصعب أنواع الكتابة الإبداعية هي القصة القصيرة، حسب اتفاق مجموعة كبيرة من النقاد على المستويين العربي والعالمي، هي التي برزت عربياً في ستينيات وسبعينيات وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قبل بداية بروز الرواية، وكانت الجائزة.. موجهاً الشكر للشيخة دانة ناصر الصباح أحمد الصباح كرئيسة لمجلس أمناء الجامعة الأميركية في الكويت، والتي احتضنت الفكرة لتصبح جائزة الملتقى جائزة عربية من الكويت، ولها مجلس أمناء ومجلس استشاري، ولجنة تحكيم سنوية، وهي من تصدر قرارها بإعلان الفائزين ومن ثم الفائز أو الفائزة وفق قناعاتها، ففي البداية يتم اختيار عشر مجموعات قصصية من بين الأعمال المقدمة تشكل قائمة طويلة، ثم قائمة قصيرة من خمسة مجموعات، يعلن من بينها العمل الفائز، ويحصل على شهادة وعشرين ألف دولار، علاوة على ترجمة مجموعته الفائزة إلى الإنكليزية، وقريباً إلى الفرنسية بالتنسيق مع معهد العالم العربي في باريس، فيما يحصل كل ممن تصل مجموعاتهم إلى القائمة القصيرة على خمسة آلاف دولار وشهادة.

وتنتظم في الجامعة الأميركية فعاليات أشبه بملتقى ثقافي يجمع أعضاء لجنة التحكيم، والفائزين بالوصول إلى القائمة القصيرة، إضافة إلى دعوة عدد من المبدعين والأكاديميين والنقاد والإعلاميين المتخصصين، ما يعطي زخماً للجائزة، بحيث لا تقتصر على حفل إعلان الفائز وحسب.

رئيسة لجنة التحكيم
ولفتت د. سعاد العنزي، رئيسة لجنة تحكيم الدورة الثالثة للجائزة، إلى أنه "تقدم في هذا العام حوالى 197 مجموعة قصصية، تم استبعاد عدد قليل من المجموعات لأن لها طبعات سابقة وهو ما يتنافى مع شروط الجائزة. أما عن مستوى المجاميع فهو متفاوت ما بين الجيد والأكثر جودة وهناك مجاميع عادية جداً في طرحها وتناولها، إضافة إلى وجود بعض المجموعات القصصية التقليدية في طرحها لغة ومضموناً. أما المواضيع الأكثر حضوراً فقد سيطر الراهن العربي والظروف السياسية على جزء كبير منها، ولكن هناك مجاميع حذت نحو التجديد في المواضيع الإنسانية المغايرة والمختلفة. المنجز العام جيد في تقنياته ولغته وموضوعاته، ولكن نحن في الجائزة نبحث عن التجديد والأصالة والتميز وهذا تحد من التحديات التي تواجهها الجائزة.

ووجدت العنزي أن الأدب العربي كان ولا يزال يحقق حضوراً لافتاً على المستويين العربي خاصة، والعالمي في بعض الحالات، إلا أن الأديب الخليجي لا يزال مظلوماً، وهذا قد يعود إلى التهميش الاجتماعي للأديب، فالعائلة الخليجية قد تجد حرجاً في أن يخرج من بين ظهرانيها أديباً، ويزداد الأمر تعقيداً إذا ما كانت الأديبة أنثى، وهنا يأتي دور الجوائز الأدبية في لفت الأنظار إلى إبداعات الكاتبات والكتاب، وبعضهم ولربما غالبيتهم قد يكونون من المهمشين أو غير المعروفين قبل إنجازاتهم في هذه الجائزة، وبالتالي الاعتراف بهم وبإبداعاتهم.

وأشارت أستاذة النقد الحديث الكويتية إلى أنه، ومنذ إطلاق الجوائز الأدبية العربية، ومنها جائزة الملتقى، كثيراً ما نسمع عن المركز والهامش، لكن نتائج هذه الجوائز حطمت هذه النظرية، خاصة ما إذا كان الحديث عن أن المركز هو مصر ولبنان بالدرجة الأولى، لافتة إلى أن المعادلة في الأساس خاطئة، متسائلة عما إذا كان هناك تعريف واضح لكل من المركز والهامش، مع أهمية وجود المركز الذي لولا وجوده وتعرفنا إليه لما تعرفنا على الهامش .. وشددت: يجب الاعتراف بالجميع، وبأن كافة الكاتبات والكتاب في مختلف الدول العربية يشكلون مجتمعين خريطة الإبداع العربية، بغض النظر عن جنسية الكاتبة أو الكاتب.

سرية وعلنية
وأشار الروائي السوداني أمير تاج السر، عضو لجنة تحكيم الجائزة، إلى أن تقليد الجوائز هو عالمي بالأساس، وجاء متأخراً إلى حد كبير بالنسبة للعرب، لافتاً إلى أن أي جدل يرافق أي جائزة أدبية أو إبداعية عامة أمر طبيعي، ولا يقتصر على الجوائز في الوطن العربي، بل يتعداها إلى العالم، ويطال كبرى الجوائز الأدبية والإبداعية.

وقال: عادة ما يترافق وإعلان نتائج أي جائزة أدبية بروز كتاب جدد أو تكريس آخرين معروفين، وفي كل الحالات هناك من سيجد أن الفائز يستحق، وهناك من سيجد العكس.. هذا جدل لا ينتهي، ويزداد بازدياد عدد الجوائز الأدبية عربياً في السنوات الأخيرة، ففي السابق كانت الأحلام بقدر المتاح، وكان المتاح قليلاً، لكن الآن بل الكتاب وغير الكتاب يحلمون بالحصول على جائزة أدبية.

وكشف أمير تاج السر: أكاد أتلقى كل يوم رسائل من مجهولين يتساءلون فيها عن الطريقة التي تمكنهم، هم الذين لا تجارب إبداعية لديهم، من كتابة رواية تؤهلهم للحصول على هذه الجائزة أو تلك، مشدداً على أن هناك "سحراً غير طبيعي للجوائز".

وأشار أمير تاج السر إلى أن هناك تقليداً يختلف من جائزة لأخرى بخصوص أعضاء لجنة التحكيم، فهناك جوائز تفضل إبقاء الأسماء سرية منعاً للحرج ومنعاً للإزعاج، لافتاً إلى أنه منذ إعلان اسمه في لجنة التحكيم قبل أشهر بات يتلقى رسائل من متقدمين للجائزة بالالتفات إلى مجموعاتهم القصصية، وإلى أنه كان يفضل أن تبقى اللجنة سرية حتى إعلان القائمة القصيرة، فالضغوط من خمسة أشخاص أو ستة ليست كما لو كانت من قرابة المائتي شخص.

وشدد أمير تاج السر على أن النص وحده يجب أن يكون معيار لجنة التحكيم بغض النظر عن اسم الكاتب، لافتاً إلى أن النظرة التي يتعاطى معها الروائي مع النص بالتأكيد تختلف عن تلك التي يتعاطى فيها الناقد أو الأكاديمي مع النص ذاته، فالانتصار للروائي في الغالب يكون للخيال والغرائبية المدروسة والتجديد على مستوى النص من كافة جوانب تناوله.

ما بين الجائزة والشعار
الناقد السعودي محمد العباس تحدث عن الأهداف المعلنة للجوائز الأدبية التي تشير إلى أن من بين هذه الأهداف النهوض بالمشهد الأدبي، وتعزيز حضوره، سواء أكان شعراً أم نثراً، لافتاً إلى أن ما يتحقق من هذه "الديباجات" ليس إلا الندر اليسير، وبالتالي فهذه المسوغات التي تحويها المواقع الإلكترونية الرسمية للجوائز، في أغلب الأحيان، ليس أكثر من "كليشيهات" للتعبير عن مشروعية الجائزة هذه أو تلك.

وقال العباس: الجوائز الأدبية العربية التي انطلقت من دول الخليج العربي، وباتت تشكل رافعة للجوائز الأدبية العربية عامة، لم تتولد ضمن ثقافة المشروع بل في المقام الأول في سياق المسابقات، وبالتالي الحديث هنا عن مسابقات أكثر من الحديث عن مشروع ثقافي حقيقي، والأدلة كبيرة على "هذا السباق المحموم"، وفي وقت يجري الحديث فيه عن "كتاب الجوائز"، ظهر لدينا أيضاً ما يمكن وصفهم بـ"نقاد الجوائز"، كما أن هذه الجوائز مرتبطة بالحضور الإعلامي المكثف حتى ما يعرف بالإعلام الجديد وهو ما أعطاها زخماً كبيراً وحضوراً متوهجاً، إضافة إلى كون دول الخليج كانت مهجوسة ولفترة طويلة بالتحول إلى مراكز، ولذا فإن البعض ينظر إلى الجوائز كأحد الأذرع لتأكيد منحى التحول إلى مركز بارتفاع قيمتها المادية، ولكن حتى نتائج الجوائز والمتنافسين عليها تنفي صحة هذا المنحى، فغالبية المتنافسين على هذه الجوائز ليسوا من الخليج في الغالب.

وشدد العباس على أهمية أن تتحول هذه الجوائز إلى مشاريع ثقافية، ليتم النهوض فعلاً بالحركة الأدبية العربية، على مستوى الرواية، والترجمة، والدراسات الأكاديمية، والكتابة للأطفال، وغيرها.

الجائزة الانقلاب
بدوره، أشار عضو لجنة تحكيم الجائزة، الناقد التونسي عبد الدايم السلامي، إلى أن كون الجائزة هي حدث ثقافي فلا بد أن تخلق جدلاً قد يصل إلى شعور البعض بالدونية إثر النتائج، فـ"كثير من الكتاب باتوا يكتبون من أجل الجائزة، كون الجوائز، أو بعضها، بات ضخماً من الناحية المادية، إضافة إلى قدرتها على صنع أو تصنيع النجومية.

وقال السلامي: لحظة الإعلان عن الجائزة هي لحظة انقلاب كبرى، سواء للذين لم يتوجوا، حيث خيبة الأمل وربما الإحباط الذين سببه تعليقهم الآمال الكبيرة على الفوز بهذه الجائزة أو تلك، خاصة أن لجان التحكيم المستقلة قد تخيب في كثير الأحيان رغبات القراء والكتاب وحتى النقاد والإعلاميين، وهو انقلاب للفائز أو الفائزين بالجائزة حسب نظام هذه الجائزة، حيث يصل بشهرته ليس فقط للانتشار عربياً بل عالمياً، ولكن يبقى الأهم بالنسبة للكاتب العربي هو ما بعد الجائزة، والمخاوف من نشر نصوص جديدة قد يراها لا ترقى لذلك النص الفائز، وبالتالي هناك من كانوا ضحايا فوزهم بالجوائز، وهناك من كانت لهم خطوة باتجاه مزيد من تحقيق النجاحات.

مشروع ثقافي
وشدد طالب الرفاعي على أن الطموح هو تحول الجائزة إلى مشروع ثقافي عربي، ولذا أصدرت الجائزة كتاباً بعنوان "القصة القصيرة العربية .. النشأة والجذور"، وهو كتاب اشتمل على مقالات من كتاب يمثل كل واحد دولته في الكتابة عن تاريخ القصة القصيرة فيها، فاشتمل على ثلاثة وعشرين بحثاً كل منها يتناول مولد القصة القصيرة ومسيرتها حتى الآن في بلد عربي، على أمل بأن تتحول الجائزة مع الوقت إلى مشروع ثقافي يعنى بتطوير القصة القصيرة وتعزيز حضورها كجنس أدبي مهم عربياً.

وكان الفلسطيني مازن معروف أول من فاز بالجائزة عن مجموعته "نكات للمسلحين"، في حين فازت السورية شهلا العجيلي بجائزة الملتقى للقصة القصيرة في دورتها الثانية، العام الماضي، عن مجموعتها "سرير بنت الملك".

من الجدير بالذكر، أن أعضاء لجنة تحكيم الدورة الثالثة لجائزة الملتقى للقصة القصيرة، برئاسة د. سعاد العنزي، يتوزعون ما بين أكاديميين ونقاد وأدباء، وهم: الروائي السوداني أمير تاج السر، والناقد التونسي عبد الدايم السلامي، والناقد السعودي محمد العباس، والناقد العراقي نجم عبد الله كاظم. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
فاتحة لبدايات القرن !
آراء
مهند عبد الحميد
دعوا الشعب اليمني يعيش ويقرر!
آراء
عبير بشير
حسن نصر الله: الأمر لي
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أنا والغريب
اقرأ المزيد ...