ضمن فعاليات مهرجان فلسطين الدولي للرقص والموسيقى

"تاجو" من كوريا الجنوبية .. طاقة لامحدودة في امتزاج قرع الطبول والرقص

2018-07-21


كتبت بديعة زيدان:

ذلك القرع الكوري الجنوبي على الطبل، بتلك الحدة والدقة، وباستخدام العصي ليس للعقاب بل لتقديم حالة من الفرح المبنية على عمق ليس مصدره جذور ضاربة في التاريخ وراء ذلك الفن التقليدي، بل ذلك الاندماج المثير للإبهار ما بين طبول كبيرة وأخرى صغيرة، تناغمت مع رقصات تندرج في إطار "المعاصرة"، ولا تخلو من الاتكاء على فنون قتالية لطالما اشتهرت بها تلك البلاد.. ذلك القرع كان مصدر إلهام لكل من شاهده.

في عرض فرقة "تاجو" الكورية الجنوبية، ضمن فعاليات مهرجان فلسطين الدولي للرقص والموسيقى، وفي مسرح قصر رام الله الثقافي، مساء أول من أمس، كانت ديناميكية الحركة الجسدية عبر اللوحات الراقصة أو شبه الراقصة المرافقة للعرض، أو عبر الخفة لا الاستخفاف في التعاطي مع القرع على الطبول الكورية متنوعة الأحجام والأنغام، أشبه بطبق كوري متبل بنكهات لا تجدها إلا لدى سي وون كيم ورفاقه.

كان العرض، الذي تفاعل معه الجمهور الفلسطيني بشدة، نابضاً بالحياة، وكأنه يقاوم الموت الذي يحيط بنا بفعل الاحتلال وغيره من كل جانب .. مقاوم حد التطرف الذي هو إيجابي في مثل هذه الحالات، وكأن قارعي الطبول يقرعون أجراساً ما بدواخلهم ودواخلنا .. ينصهرون مع طبولهم وإيقاعاتهم ويصهروننا داخلها، فكانت طاقة الفرح المبنية على ترفيه لا يخلو من صوفية ذات طابع خاص، وعلى بهجة تخرج من إطار سواد كان طاغياً في العديد من الحالات على خشبة المسرح، وفي أكثر من اتجاه وجانب.

ثمة طبل يحمله أحد الإيقاعيين الراقصين، وآخر أشبه بصندوق، وثالث صغير يبدو العزف عليه مهمة صعبة، وخمسة طبول أقرب إلى الإفريقية تصطف بجانب بعضها البعض كجنود في معسكر تدريبي يتأهبون لمعركة من نوع مختلف، واللافت أن أعضاء فريق "تاجو" في كل مرة كانوا ينجحون في استثارة حماسة الجمهور الذي غصت به قاعة "القصر".

ويبدو القارعون الستة، كمصارعي الساموراي، أحياناً، عبر تحركات أيديهم قبل الانقضاض على الطبول، وأثناء القرع، وبعده، وفي طريقة التمركز بالأرجل على الأرض، وفي أحياناً أخرى يظهرون كلاعبي الكاراتيه، والكونغ فو، والتايكواندو، لكنهم لم يدخلوا في صراع يشبه الجودو مع موسيقى فيها من العنف ما فيها من العذوبة والرقة.

هذا الاحتفال بالقرع الكوري انطلق عبر اثنتين من العصي حادتين في موسيقيهما، وكأنهما، كما بقية العرض، تعمدتا ترك وشم ما في دواخل كل من تابع الحفل وتفاعل معه من الفلسطينيين، أما الرقص بالرأس فهو حكاية أخرى.

والعمل الجماعي لم يلغ منح مسافة للإبداعات الفردية لأعضاء فرقة "تاجو"، في أجواء صاخبة تخبو في أحيان لتراقص العتمة في نفوسهم لعلها تضيء بفعل موسيقى أكثر توهجاً .. موسيقى تحيل المشاهد إلى أنماط يعرفها كاللاتينية، والإفريقية، وموسيقى السكان الأصليين للولايات المتحدة الأميركية، وغيرهم .. هي حماسة تفوق حماسة ذلك القوي الذي يقرع على الطبل الضخم الذي يبدو كقمر مكتمل، وبكامل الجنون والحيوية.

الإثارة والبهجة حد الافتتان كان عنوان حفل "تاجو" التي يعني اسمها "إضاءة العالم عن طريق ضرب الطبول"، فالستة الذين كان أربعة منهم يتجللون بالسواد، والبقية بما يقترب من الأبيض، نقلوا شيئاً من التقاليد الكورية التي رسخت في عقولهم، ونقلوها عبر أيديهم بقرع الطبول، وعبر أرجلهم وكامل أعضاء أجسادهم في الرقصات المرافقة إلى خشبة المسرح، فما إن انتهوا من عرضهم الأول بفلسطين، بعد نجاحات في أوروبا وقبلها آسيا، حتى كان الجميع يصفق بحرارة من شدة الانبهار بما قدموه.

إنهم يقرعون طبولهم بأرواحهم ويتركوننا مع أفكارنا ومشاعرنا حول ما صنعوه من معجزات على خشبة المسرح، حيث استحالت الطاقة الهائلة وهجاً ينبض بالحياة، في لوحة تمازجت فيها ألوان الموسيقى الإيقاعية بالرقص، فكان الانبهار الهائل، والفرح والحماس لدى جمهور استمتع بما قدمه العازفون والراقصون الستة على آلات "كوينغواري" (الغونغ الصغير)، و"جانكو" (أسطوانة على شكل الساعة الرملية)، و"بوك" (أسطوانة البرميل)، و"سوجو" (الأسطوانة الصغيرة)، فكانت الأسطوانات مصدر فرح هائل لجمهور فلسطين الدولي للرقص والموسيقى، وعلامة فارقة في برنامج هذا العام الذي يقدم فعاليات مميزة.  

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: