«القفص» لفدى جريس... دعوة للتأمل بسرد محكم

2018-07-17

 

منال عيسى

تعتبر مجموعة «القفص» للقاصة الفلسطينية فدى جريس، والصادرة حديثًا عن دائرة الثقافة بالشارقة، نقلة نوعية في مسار المؤلفة، حيث عمق القصة والحكاية، وبراعة الانتقال إلى المعنى في النص والكتابة، علاوة على اتسامها بكثير من الجرأة للغوص في المعنى ونبش المشاعر وإثارة الأسئلة.

«القفص» مجموعة تتألف من 13 قصة قصيرة، تنقلنا من فكرة لفكرة ومن شعور إلى آخر ومن حالة إلى غيرها، في تجوال يلتقط مقاطع من الحياة اليومية للفلسطيني وهو يسعى للحفاظ على إنسانيته من التهتك الذي تتعرض له بتواتر مستمر. تبدو القصص سلسة في القراءة ولغتها جميلة ومنسابة، تتماوج بين العامية أحياناً واللغة الفصحى، وتضيف العامية نكهة خاصة وتمنيتُ أحيانًا لو استفاضت بالعامية أكثر، فقد كانت كاللحن الذي يطبع الكلام بهوية خاصة، لكني أفهم حرص الكاتبة على امتلاك النص والحكاية.

قصص مجموعة "القفص" تخلو من البطولة، لم أر أبطالًا بل شخوصًا عاديين، وهنا يكمن الجمال السردي، أناس عاديون يعيشون الحياة، هم فقط فلسطينيون يعيشون مع الاحتلال الذي يشيد "القفص" لحياتهم، ويمتد من الحاجز إلى غرفة النوم.

في "القفص" تلتقي تجليات حياة الفلسطيني التي ليس بالضرورة أن يعيشها فرد واحد، هي حيوات أفراد تجمعت لتسرد الحالة. شعرتُ وأنا الفلسطينية التي أعيش جانبًا من هذه الحياة، وأحاول تجنب جوانب تضفي علي كامل الحالة، مثلاً أحاول ألا أقطع حاجز قلنديا وأبقى في قفصي في رام الله، أضحي بالذهاب إلى القدس، وأشعر أنني أحمي ذاتي من تجربة القهر وهتك إنسانيتي على الحاجز. فيما جمعتْ قصص المجموعة لي الصورة. مع أن تجارب الشخوص مريرة، إلا أنني لم أشعر بالمرارة، بل تخلو من المرارة وتصور الحقيقة لكن تشكلها كنحت يعيد خلق الرؤية، في إطار سردي محكم يشد القارئ من حالة الشعور إلى الخيال ليرى الصورة بشكل مختلف، السرد هنا ليس دعوة للقبول وإنما صورة للتأمل في حقيقة أقفاص العيش مع الاحتلال الذي يمتد لأشكال عدّة وكل منّا يعيش في قفصه وحده، وهناك أقفاص أكبر وأضيق وأحكم يعيشها آخرون.

يمتد "القفص" إلى الحياة الفردية التي يعيشها الواحد فينا، ففي قصة “Junk Food” يعيش البطل في قفصه الذي خلقه لحياته، فهل يا ترى العيش مع الاحتلال يجعلنا نبني أقفاصًا لجميع تفاصيل حياتنا، أم أنها حالة لا واعية تخلق فينا الرغبة في العيش المستمر في "القفص"؟ هل "القفص" دعوة للحرية، للانعتاق؟ وهل الانعتاق يكون خارج البلاد فقط، كما في قصة نبال في "الصوّان"؟

"القفص" ليس قصة واحدة، هو سكتشات لأقفاص الحياة، تبدأ بقفص العيش مع الاحتلال، الذي يمتد إلى أقفاص أخرى في حياة الفلسطيني، أقفاص الذات وأقفاص الحياة اليومية التي نشيدها في حالة من اللاوعي.

"القفص" ليست مجموعة قصص سياسية، بل هي دعوة للتأمل في تداعيات حالة "القفص" التي تمتد إلى تفاصيل أبعد من الحاجز. وفي متنها استفزاز للتفكير، للرجال وللنساء، للفرد والجماعة، لتقييم حالة العري التي يعايشها الفرد من أجل العيش في أقفاص أخرى للحياة، هي دعوة للتساؤل: من أجل ماذا؟
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: