إصدار مؤسسة "نوى" بدعم من "القطان" و"آفاق"

"هنا القدس 3" .. كشف جديد بمقطوعات موسيقى آلية للخماش وقزموز والبندك

2018-07-17

 

كتب يوسف الشايب:

تأتي أسطوانة "هنا القدس 3" الصادرة حديثاً من إنتاج المؤسسة الفلسطينية للتنمية الثقافية (نوى)، بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان وصندوق "آفاق"، عن بحث وتوثيق نادر جلال، كتتمة لمشروعها المتواصل والرامي إلى تأصيل الحضور الثقافي والفني الفلسطيني ما قبل النكبة، عبر بوابة التوثيق الموسيقي، وإصدار أسطوانات كان أولها لروحي الخماش، وثانيها لمحمد غازي، وتقديمها في عروض حية داخل وخارج فلسطين.

ولكن المغاير في هذه الأسطوانة أنها تضم سبع مقطوعات تندرج في إطار "الموسيقى الآلية"، منها ثلاث لروحي الخماش على مقام "نهاوند" بعنوان "سماعي نهاوند1"، و"سماعي نهاوند2"، و"حبايب" وهي مقطوعة نادرة له تتقاطع بشكل كبير مع الأنماط الموسيقية الشامية (السائدة في بلاد الشام)، خاصة أنه عاش بعد النكبة وأسس لمدرسة موسيقية خاصة به في العراق.

وإضافة إلى مقطوعات الخماش، تحوي الأسطوانة مقطوعتين لرياض البندك الأولى على مقام "عجم" بعنوان "ليالي الأنس"، والثانية على مقام "بيات" بعنوان "الرقص العصري"، في حين أن مقطوعتي عبد الكريم قزموز، وكلتاهما على مقام "نهاوند" كانتا بعنوان "رقصة ليلى" و"فالس الربيع".

وقال نادر جلال المشرف العام على "نوى": الإنتاج الثالث هذا مراكمة لإنتاج موسيقي محترف ومتقن لمبدعين فلسطينيين قدموا موسيقاهم وأغنياتهم في المدن الفلسطينية كيافا وحيفا والقدس قبل العام 1948 .. بالإضافة إلى أهمية توثيق وإعادة إنتاج وترويج مؤلفات هؤلاء الموسيقيين، هناك فكرة وراء إنتاج كل اسطوانة، فالأولى كانت عبارة عن موشحات، وهو أول ألبوم "موشحات" في المكتبة الموسيقية الفلسطينية لمؤلف من الرواد هو روحي الخماش، والثاني تراوح ما بين القصيدة والابتهال و"الطقطوقة" لمحمد غازي الملقب بـ"عميد المطربين"، وهو مغاير على أكثر من مستوى، أما الثالث وهو لثلاثة من الرواد فهو عبارة عن "موسيقى آلية".

"هنا القدس" والثقافة المدينية
واستطاع عدد ملحوظ من الموسيقيين الفلسطينيين الذين شكلوا طاقماً مبدعاً لإذاعة هنا القدس والشرق الأدنى في النصف الأول من القرن الماضي أن يؤثروا في المشهد الموسيقي العربي، وأن يستقطبوا كبار الفنانين العرب، وان يقدموا لهم ألحاناً ما زال العالم العربي يتغنى بها حتى اليوم.

روحي الخماش ومحمد غازي ورياض البندك وعبد الكريم قزموز وآخرون، أسماء تستأهل أن تُراجَع وتُدرَس بعناية ممنهجة لغايات كشف وإبراز دور الموسيقيين الفلسطينيين الرواد في النهضة الموسيقية العربية، وفي مركزية هذا الدور في تشكيل ملامح المشهد الموسيقي العربي، أمس والآن وغداً.

مشروع "هنا القدس" الذي تضطلع به "نوى" يحقق مسعى المؤسسة في استرجاع، وتوثيق نصوصنا الموسيقية البصرية وتوطينها في عقول الأجيال الحاضرة لرفع ثقتها بمرجعياتها الثقافية، ويدحض مقولة الاحتلال بأن فلسطين كانت قبل النكبة "أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض"، ويشرع في ترميم المكتبة الموسيقية العربية والإنسانية.

وأشار بيان عن "نوى" إلى أننا نحن الفلسطينيين بقينا نعتقد "على خطأ، ولأزمنتنا الحاضرة هذه، أن موسيقانا الفلكلورية الشعبية الحميمة هي تمثيل لجامع ثقافتنا الموسيقية، وقرّ في أذهاننا أن هذه القوالب هي إرثنا الموسيقي المقدس والوحيد الذي يجب أن نحافظ عليه ونورثه للأجيال الشابة المتعاقبة".

وأضاف "عرفت المؤسسة الفلسطينية للتنمية الثقافية (نوى)، التي بدأت عملها الفعلي قبل ثمانية أعوام، شيئاً واحداً عظيم الشأن، وشكل ترسيمة أولية لهويتنا عند التأسيس، ثم صار علامة فارقة لهذه الهوية، عندما نقبت واكتشفت، وأثبتت أن للفلسطينيين إرثاً فنياً مدينياً أنتجته قامات ثقافية غير القامات التي أنتجت القوالب الغنائية الشعبية، وفي حواضر مثل يافا وحيفا والقدس".

وختم: هذا الإرث الموسيقي المتقن جدير بالاهتمام وإعادة التوثيق والإحياء، ويضاهي في الشغف والإبداع والحرفية، ما أنتجه كبار الموسيقيين العرب خارج فلسطين المنكوبة التي بعثرت نغماتها في فضاء العالم العربي لتغني "ببعثرتها" موسيقاه.

روحي الخماش
من الجدير بالذكر أن روحي الخماش من مواليد مدينة نابلس العام 1922، وكان مولعاً منذ طفولته بالموسيقى ويؤدي الترانيم والمعزوفات وأناشيد الصباح بإجادة تامة أمام أساتذته وزملائه في المدرسة.

وكان والده مهتماً بموهبته وتعلقه بالفن، فاشترى له عوداً يساعده على صقل موهبته وتطويرها، هو الذي تمكن في عام واحد من إجادة عزف "بشرف عاصم بيك"، و"بشرف رست لطاتيوس أفندي"، وبعض الدواليب القديمة، وسماعي بيات قديم لسامي الشوا حتى ذاع صيته في كل فلسطين.

عمل الخماش مبكراً في إذاعة هنا القدس، ودرس العلوم الموسيقية في معهد فؤاد الأول في مصر أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وفي عامين فقط أنهى ست مراحل دراسية متفوقاً على زملائه، ليعود مشرفاً للفرقة الموسيقية الحديثة في إذاعة هنا القدس حتى هجرته العام 1948.

وظل الخماش محتفظاً بموطئ قدم راسخة في منافيه المتعددة، وفي العراق على وجع التعيين، حيث حمل خبرته الموسيقية الآلية والغنائية في الإذاعة الفلسطينية، ووزعها بكرم واقتدار على موسيقيين كثر لم يسلموا من تأثيره، حيث تضمن إنتاج "هنا القدس 3" مجموعة جديدة من القطع الآلية التي كتبها روحي الخماش، ولم تدرج في الإصدار الأول.

رياض البندك
أما رياض البندك فهو من مواليد مدينة بيت لحم العام 1926، وتعرف على عالم الموسيقى والغناء في سن العاشرة عندما كان والده يصطحبه إلى الأعراس، وكان لا شعورياً يجلس بجانب الفرقة الموسيقية ويحاول حفظ ما تقدمه الفرقة من أغان.

درس في مدرسة بيت لحم الابتدائية، وشارك لأول مرة في كورال المدرسة الذي أسسه مديرها وعازف الكمان فاضل نمر، وعندما أظهر تميزاً في حفظ الأغاني بسرعة وإتقان، كلفه المدير بالغناء أمام الطلاب صباحاً، هو الذي تعلم العود على يد الأستاذ شكري جحا، وأصبح يشاركه في سهرات الأعراس إلى أن منعه والده ونقله إلى مدرسة تراسنطا ليدرس العلوم الموسيقية على يد الموسيقار الفلسطيني يوسف بتروني، ومنه تعرف على الملحن الفلسطيني يحيى اللبابيدي الذي سعى إلى توظيفه مطرباً في إذاعة هنا القدس، ثم عازفاً وملحناً فيها، حتى هجرته العام 1948.

عمل البندك على تنظيم القسم الموسيقي في إذاعة بيروت، كما عمل منظماً ومديراً للقسم الموسيقي العربي في الإذاعة السورية، وساهم في إنشاء صوت العرب في القاهرة، وإذاعة الإمارات العربية المتحدة، كما ألف مئات المقطوعات الموسيقية الآلية والأناشيد والأغاني الوطنية، ولحن لنجوم الغناء العربي، ومنهم: ماري جبران، وعليا التونسية، وسعاد محمد، ووديع الصافي، وكارم محمود، وزكية حمدان، ومحمد قنديل، ومحمد عبد المطلب، ونور الهدى، وهدى سلطان، وعبد الغني السيد، وفايدة كامل، وفتحية أحمد.

وللبندك الفضل في اكتشاف أو توجيه انطلاقة عدد من المطربين العرب كفايزة أحمد، ولطفي بشناق، وجورج وسوف، وفاتن الحناوي.

عبد الكريم قزموز
أما ضابط الإيقاع العكيّ عبد الكريم قزموز، فهو من مواليد العام 1926 لوالد كان مؤذن مسجد عكا، ومنه تعلم التجويد والأناشيد الدينية، عمل وهو صبي في إحدى مقاهي عكا التي كانت تنظم أمسيات موسيقية أسبوعية، وقد كشفت هذه الأمسيات مواهب قزموز الدفينة.

بدأ في تعلم الإيقاع إلى أن أصبح عازفاً بارعاً على آلة الدف، والتحق بإذاعة الشرق الأدنى في يافا، ثم إذاعة هنا القدس، قبل أن يهاجر كغيره عقب النكبة، ليحط في بيروت، حيث عمل عازفاً متخصصاً في قسم التسجيلات الموسيقية، وأطلق عليه لقب "ملك الاستوديو".

عمل في الإذاعة اللبنانية، وفي تدريس الإيقاع بالمعهد العالي ببيروت، وتتلمذت على يديه مجموعة كبيرة من العازفين في لبنان، كما عمل مع كبار الملحنين والمطربين في لبنان والعالم العربي كالأخوين رحباني، وزياد رحباني، ونجاة الصغيرة، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، وأحمد قعبور، وسعاد محمد، ونور الهدى، ولور دكاش، ونجاح سلام، ووردة الجزائرية.

كما ركّب قزموز الإيقاع لأغنيات كثيرة حفرت في الذاكرة مثل: "ع الله تعود"، و"يا عيني ع الصبر"، وكلتاهما لوديع الصافي، وأغنيتي "ع الضيعة" "ع البساطة" لصباح، كما قدم ألحاناً سجلت في الإذاعة اللبنانية، تضمنت اسطوانة "هنا القدس 3" مقطوعتين منها. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
«يوم من أيام» .. فلسطين!
آراء
ريما كتانة نزال
توقيع البروتوكول الاختياري...
دفاتر الأيام
عادل الأسطة
في الخامسة والستين... أنت مثل...
مساحة للحوار
فيحاء عبد الهادي
في الذاكرة الشعبية الجماعية:...
اقرأ المزيد ...