آراء

مونديال هلسنكي.. الجزء الأول

عبير بشير

2018-07-17

بعد أن ودّع العالم واحدة من أجمل نسخ كأس العالم في كرة القدم على الإطلاق، وحقّق المونديال الروسي نجاحاً منقطع النظير من خلال حسن التنظيم، وإبهاج الزوار، والرعاية الكاملة من القيصر بوتين، وبعد أن باض الديوك ذهباً، ورسم المنتخب الفرنسي على قميصه الأزرق نجمة ثانية بعد تتويجه بلقب كأس العالم، متفوقاً في نهائي المونديال على منتخب كرواتيا الذي أبهر العالم بأدائه، وكان قاب قوسين أو أدنى من إحراز اللقب للمرة الأولى في تاريخ البلد الصغير، طار الرئيس الروسي إلى قمة هلسنكي للقاء ترامب تحت هالة المنتصر، حاملاً هذا الإنجاز الرياضي العالمي، بعد أن نجحت روسيا في التوفيق بين نزعتها الإحيائية للمجد الإمبراطوري وبين تحسين صورتها على الصعيد العالمي.
وحظي القصر الرئاسي الفنلندي المبني في القرن التاسع عشر، والمطل على ساحة السوق، باستضافة القمة الأولى التي تجمع الرئيسين ترامب وبوتين، ولكنها ليست الأولى بين الزعماء الروس والأميركيين، فقد استضاف القصر الفنلندي من قبل قمة روسية – أميركية، في العام 1990، بين الرئيس الأميركي جورج بوش الأب والرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف على وقع تفكك جمهوريات الاتحاد السوفياتي.
غير أن واحداً من الأخطاء الشائعة والمتداولة هذه الأيام، هي الافتراض بأن خرائط الدول لا تزال تشبه رقعة الشطرنج، وأن الحاذق والمتمرس بين اللاعبين هو القادر على تحريك الدول ومصائر الشعوب في الوقت المناسب، مثلما يحرك البيادق في وجه خصومه، وأن التعادل في بعض الحالات هو نجاح مزدوج، وتسليم متبادل بالعجز عن تحقيق فوز حاسم عن طريق الضربة القاضية.
وهذا ما أشيع عن قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، بأنها لقاء تاريخي عالمي، سينتج تثبيتاً لخرائط جيوسياسية، وكثر الحديث عن إبرام صفقة كبرى مع روسيا والولايات المتحدة، تتضمن تبادلاً ومقايضة على مساحة تمتد من القرم إلى سورية، وما بين قزوين والبحر المتوسط، وتنهي أميركا بموجبها العقوبات المفروضة على موسكو بسبب أزمة القرم وتعترف بمصالح روسيا في أوكرانيا، في المقابل تتحرك روسيا لتقييد إيران وعملائها من الميليشيات الشيعية في سورية، لإضعاف النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة... أو اعتبار القمة تكراراً لقمة يالطا القديمة، حين اجتمع ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت وجوزيف ستالين لترتيب شأن العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كل ذلك ما هو إلا تسطيح سياسي وإعلامي.
لكن كان ممكناً أن تسير الأمور في هذا الاتجاه بالعالم الكولونيالي القديم، حيث كان بإمكان زعيمين، أن يتحكما بمصائر الأمم والشعوب، ويعيدا تشكيل التاريخ والجغرافيا، بجرة قلم، وأن يتبادلا توزيع الغنائم والحصص، تماماً كما لو أنهما يتبادلان تحريك البيادق على رقعة الشطرنج.. أما عالم اليوم، فشيء آخر، والفارق بينه وبين الأمس الاستعماري، ليس بالزمن فقط، إنما بتعقيدات التطور الفكري، واكتمال الخرائط الكيانية.
لكن هذا لا يعني أن هذه القمة لم تكن مهمة للغاية، فهي تمت بين رئيس أميركي نزق ومندفع وصاخب، وبين رئيس روسي بارد وسيبيري.. بين شخص يحمل راية أميركا أولاً، وآخر يحمل شعار روسيا وحدها. وبين رئيس أميركي جاء من خارج "الإستابلشمنت"، ويتصرف في البيت الأبيض مثلما يتصرف في أحد أبراجه التي يملكها أو بورصته العقارية، وبين رئيس روسي أقوى من مؤسسات بلاده التي صاغها وفقاً لمشروعه، بعد أن أخرجها من الركام السوفياتي. وبينما يطّلع بوتين بشكل دائم على التقارير الاستخبارية والملخصات الصحافية، يفيد مستشارو ترامب بأنهم يعانون الأمرين لحضّه على قراءة الملخصات. وتقول المحللة السياسية في معهد بروكينغر: أثبت بوتين أنه يتمتع بذكاء استثنائي في ما يتعلق بفهم الشخصيات. وتضيف: في النهاية، هذا ما تدرب عليه كضابط في الاستخبارات، وأعتقد أنه يجيد خصوصاً كشف نقاط الضعف في أي شخص يجلس معه.
ولم يتوقف الكرملين، منذ تحديد موعد قمة الرئيسين في هلسنكي، عن دحض أنباء عن صفقات واتفاقات يستعد الجانبان لإقرارها، مثل الاتفاق على إخراج إيران من سورية مقابل رفع العقوبات الغربية عن روسيا، ووجود تفاهمات حول حدود تحركات حلف الأطلسي قرب الحدود الروسية مقابل تراجع موسكو عن نشر أنظمة صاروخية متطورة موجهة إلى أوروبا.
وبدا أن الإعلان عن أول قمة رسمية تجمع الرئيسين، بعد طول انتظار، فتح شهية التوقعات وحرّك بورصة المراهنات على اختراقات واسعة محتملة، لكن أبدى الكرملين الحذر من رفع سقف التوقعات للقمة، بعدما راقب نتائج قمة حلف الأطلسي التي قصف بها ترامب حلفاءه. ووفقاً لتصريح الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، فإن الحديث عن مساومات محتملة لا يبدو واقعياً، ولكن الاختراق الحقيقي المطلوب هو إطلاق حوار جدي وحقيقي حول مختلف الملفات، والسعي إلى فهم أكبر لمواقف كل طرف من أجل إثبات أو تبديد مخاوفنا بشأن عدد من القضايا.
وأتي الرئيس الروسي إلى قمة هلسنكي وهو بموقف قوي في ما يتعلق بالملف السوري. فقد تمكّن منذ تدخله العسكري لمصلحة النظام السوري، من قلب ميزان القوى كلياً. واستطاعت قوات النظام استعادة سورية المفيدة، وأخرج بوتين مصير الرئيس بشار الأسد من أي نقاش، ويمكن القول: إنه وضع العالم أمام خيار صريح: إما سورية الروسية وإما سورية الإيرانية.
وقبل انعقاد القمة، قال الرئيس ترامب، خلال المؤتمر الصحافي، مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي: سنمضي أقوياء، وسنتكلم حول أوكرانيا وسورية والشرق الأوسط، ونزع أسلحة الدمار الشامل، والأمن السايبراني، وبالطبع سنتحدث عن التدخل الروسي في الانتخابات.
على كل حال الفوز بكأس هلسنكي أصعب من الفوز بكأس المونديال؛ فهنا لا يكفي وجود مدرب عبقري وقوي على رأس الفريق، ولا تكفي العروضات المبهرة والشيقة، ولا البراعة في المناورة، فهناك اعتبارات أخرى كقوة الاقتصاد، وتفوق التكنولوجيا. وبغض النظر عن المبالغة في إظهار العزة القومية الروسية، فحقيقة الأمر أن الاقتصاد الروسي مريض والتوتر الاجتماعي في تصاعد، تماماً وعلى النقيض، فترامب، الذي وإن بدا محاصراً أو مُربَكاً، فإن الولايات المتحدة في وضعية اقتصادية جديدة، وتعيد إطلاق خطة التحديث العسكري التي سبق لأوباما إيقافها.

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: