آراء

«الجنائية الدولية».. وإفلات إسرائيل من العقاب !

هاني حبيب

2018-05-23

الغضب يجتاح القيادات السياسية في إسرائيل، ووصل الأمر إلى عدم مراعاة الأعراف الدبلوماسية عندما استدعت ثلاثة سفراء «لتوبيخهم» كون دولهم دعمت القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مؤخراً، بتشكيل لجنة دولية بالتحقيق في استخدام الدولة العبرية للقوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين السلميين الفلسطينيين على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، الأمر الذي أدى إلى استشهاد قرابة 66 مواطناً مدنياً فلسطينياً. الدول الثلاث هي: إسبانيا وسلوفينيا وبلجيكا، من المفترض أنها دول حرة كاملة السيادة ولها الحق في التصويت وفقاً لمصالحها، وقد يكون من حق الدولة العبرية لوم هذه الدول أو انتقادها، ولكن وبالتأكيد ليس توبيخها، فهي ليست دولا تابعة للدولة العبرية، إلاّ أن دولة الاحتلال تعتبر نفسها دولة عظمى ومن حقها ممارسة غطرستها على الدول، بما في ذلك الدولة كاملة السيادة، ما جرى هو خروج واضح عن الأعراف الدبلوماسية وهو الأمر الذي لا يعتبر سابقة في ممارسات الدولة العبرية، إذ أنها سبق وأن قامت بهذا الدور في أكثر من مناسبة، ولا نعرف حتى الآن ردود فعل مثل هذه الدول، وما هو موقف الاتحاد الأوروبي إزاء هذه الممارسات التي تنطوي على تغول من قبل دولة الاحتلال على دول ذات سيادة، بل دول لها أهميتها في إطار الاتحاد الأوروبي، كإسبانيا وبلجيكا، وهذه الأخيرة يتخذ الاتحاد الأوروبي من عاصمتها، بروكسل، مركزاً وعاصمة له!
الغضب الإسرائيلي لم يتوقف، وشنت الدولة العبرية حرباً سياسية ودعائية وقحة ضد هولندا، لمناسبتين: الأولى، قيام نشطاء وفنانين هولنديين، ببث أغنية الإسرائيلية الفائزة بجائزة «يورو فيجين» مؤخراً، ناتا برزيلاي، ولكن بعد تعديل كلمات الأغنية بما يصف إسرائيل كدولة عنصرية وتحتل أراضي العرب والفلسطينيين، الدولة العبرية سارعت باتهام هولندا والنشطاء الهولنديين، بالتهمة الجاهزة، «معاداة السامية»، أما الأمر الثاني الذي فتح الحرب الإسرائيلية على هولندا، فيتعلق بقبول محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، بتسلم ملفات إحالة الجرائم الإسرائيلية السابقة والحالية والمستقبلية من قبل المدعية العامة للمحكمة فاتو بن سودا، الملفات التي قام بتسليمها وزير الخارجية والمغتربين رياض المالكي، خاصة بعد أن أعلنت المدعية العامة قبل أيام وتعليقاً على ما ارتكبته قوات الاحتلال من جرائم خلال التظاهرات السلمية الفلسطينية في قطاع غزة، من أن خبراء المحكمة يتابعون عن كثب تطورات الأوضاع في قطاع غزة ويدرسون التقارير حول الجرائم المحتملة التي يمكن أن تخضع للولاية القضائية للمحكمة واستعدادها لاتخاذ التدابير اللازمة بهذا الشأن.
وكانت فلسطين قد أصبحت رسمياً عضواً في المحكمة الجنائية الدولية أواخر آذار عام 2015، ما يتيح لها ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب أو أخرى مرتبطة بالاحتلال، خاصة الاستيطان، وسرعان ما بدأت فلسطين في جمع الملفات والتحقيقات والشواهد وقدمتها فعلاً إلى الجنائية الدولية.
وكانت القيادة الفلسطينية قد شكلت أوائل شباط 2015 اللجنة الوطنية العليا المسؤولة عن المتابعة مع محكمة الجنائية الدولية، وتشكلت بالتعاون مع المؤسسات والوزارات الفلسطينية بما فيها المؤسسات الأهلية ذات العلاقة، بهدف تحضير الوثائق والملفات التي ستقوم دولة فلسطين بتقديمها وإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية، برئاسة وزارة الخارجية والمغتربين، علماً أن التشكيل ضم عدداً من القيادات الفلسطينية بما فيها قيادي من حركة حماس. وذلك بعد أن وقعت دولة فلسطين أوائل عام 2015 على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية عقب فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار فلسطيني ـ عربي لإنهاء الاحتلال.
وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم بها فلسطين بإحالة ملفات أدلة الى المحكمة الجنائية الدولية، فقد سلم المالكي أواخر حزيران عام 2015 ملفين للمدعية العامة يوجزان جرائم إسرائيلية ارتكبت في الضفة الغربية والحرب العدوانية على قطاع غزة عام 2014، إلاّ أنه وحتى الآن لم يتم البت في هذه الملفات، الأمر الذي يشكك في جدية المحكمة في التعاطي مع كل هذه الأدلة التي قدمتها فلسطين رسمياً، ومن خلال منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية التي واكبت واستمرت في تزويد المحكمة بكل الوثائق والأدلة والبراهين.
وتتخوف إسرائيل من إقدام محكمة الجنايات الدولية على إحالة مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى القضاء الدولي، من هنا يأتي هذا الغضب المشحون بالتوتر الشديد إثر إحالة فلسطين هذه الملفات للمدعية العامة للمحكمة، إسرائيل تشكك في شرعية هذه الإحالة لسببين من وجهة نظرها: الأول، ان الدولة العبرية ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، والثاني، ان فلسطين ليست دولة، حسب إسرائيل، وأكثر من ذلك، وصفت الدولة العبرية قبول هذه الإحالة، بانه تسييس لأغراض المحكمة، وأن البديل عن ذلك التوجه نحو مفاوضات بين الجانبين.
هذه الخطوة، إحالة ملفات جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، تختلف عن الخطوات السابقة كونها تأتي رداً على الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للدولة العبرية ونقل السفارة الأميركية إليها، بالتوازي مع المجازر التي ارتكبتها إسرائيل ضد التظاهرات السلمية الفلسطينية!

Hanihabib272@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: