آراء

بوح واعترافات شخصية (التأزم) 1- 4

عبد الغني سلامة

2018-05-23

لطالما اعتبرتُ شقيقي «محمد» (يكبرني بعامين وشهرين)، ملهمي الأول: كان ذكيا وطموحا، وكنت أقلده دوما؛ ينشغل بجمع الطوابع، فأوهم نفسي أن هوايتي أيضا هي جمع الطوابع، ينشغل بالقراءة، فأقرأ ما يقرأ، يشترك في مسابقات المطالعة التي تنظمها وزارة التربية، فأسير على خطاه.. وكان هذا مدخلي لعالم القراءة والكتب منذ وقت مبكر.
في سنوات السبعينيات وقعت أربعة أحداث مهمة، ستغير شخصيتي: انتفاضة فلسطينية صغيرة 1976، زيارة السادات للقدس 1977، الحرب الأهلية اللبنانية 1975~1990، واجتياح الليطاني 1978.. صور الانتفاضة ستهزني هزا، وستلقي في قلبي الرعب، لدرجة أني سأصاب بمغص واضطراب في خفقان القلب كلما اقتربت الساعة من الثامنة مساء؛ موعد نشرة الأخبار، التي ستبث صورا مروعة للجيش الإسرائيلي وهو ينكل بالفلسطينيين.. تلك المشاهد كانت تتسلل إلى عقلي ليلا على شكل كوابيس.. أما صور معارك الفدائيين في الجنوب اللبناني فستثير فيَّ الحميّة، فأقوم مع شقيقي «محمود» وأطفال آخرين بتشكيل مجموعة فدائية مصغرة (لا يحضرني الآن الاسم الذي أطلقناه عليها)، وسنبدأ بالتدريب على ألعاب الحرب، وسأشترك مع فتية آخرين بمحاولات التسلل إلى لبنان للانضمام للفدائية (نجح اثنان منهم في الوصول فعلا، بينما أنا أخفقت).. في حين أيقظتْ فيَّ مشاهد الدمار وصور الضحايا في الحرب الأهلية مشاعر الاشمئزاز والسخط على الحروب.. أما زيارة السادات فستجعلني أنشدُّ لعالم السياسة، ومحاولة فهم ما يحدث.
في تلك الأثناء سأنشغل مع شقيقي التوأم «محمود» باهتمامات جديدة: قص أي صورة منشورة في الجرائد عن المواجهات الفلسطينية، وصور الفدائيين، ولم نكن نميز حينها بين «أبو عمار» و»جورج حبش».. والاستماع لإذاعة الثورة الفلسطينية، وتسجيل أغاني العاصفة على كاسيتات، كنا ندخر أثمانها من مصروفنا اليومي الذي لم يكن يتعدى بضعة قروش. 
بداية الثمانينيات، كانت بداية ما سيُعرف بالصحوة الإسلامية، التي تأثرت بالثورة الإيرانية والحرب الأفغانية، سأنضم لجماعة الإخوان المسلمين، وسأشارك بفعالية ونشاط كافة أنشطتها على مدى ثلاث سنوات.. ستتنازعني حينها مشاعر مضطربة، بين نزعة التدين الفطري، وتوجهات الإخوان الأيديولوجية.. بين حاجاتي كفتى في اللعب والانطلاق، وبين القيود التي كانت تفرضها علينا الجماعة.. وبين نزوعي «الوطني»/»الفلسطيني»، وبين توجهات الإخوان التي تتجاوز الوطنية، ولا تقر بها.. بين صورة «الفدائي البطل» التي كانت بمخيلتي، وصورة «الفدائي العلماني الكافر والخائن» التي كان الإخوان يرسمونها لنا بدقة. 
سأقرأ كتبا دينية كثيرة في تلك المرحلة، وسأعمل على تلخيصها، وإعادة صياغتها بطريقتي.. مدفوعا بهاجس محاولة الفهم والاقتناع، وإقناع الآخرين الذين كان مطلوبا مني تنظيمهم للجماعة.. كنت أخشى أن يطلع أحدٌ على ما كتبت، رغم قناعتي «المطلقة» بها آنذاك، لكني كنت أخجل من سذاجة الأسلوب وركاكة الكلمات، مقارنة بالكتب التي كنت أطالعها بنهم وإعجاب.
ومع انتقالي لمرحلة المراهقة والفتوة، سيتأجج الصراع النفسي والفكري في دواخلي.. كتابات «سيد قطب» تصف المجتمع بالكافر والجاهلي، بينما كنت أراه أهلي وجيراني وأصدقائي الطيبين.. أمير المنطقة يلزمنا زيارة القبور والتفكر بالموت والشهادة.. بينما كنت شغوفا بكرة القدم، وركوب الدراجات.. تعليمات الجماعة تقتضي التمرد على الأهل (وهم بنظرها فسقة، أو جهلة على أقل تقدير)، بينما كنت أحبهم، وهم أساسا متدينون.. في الدروس الدينية أقنعونا بأن الأغاني حرام.. وفي تلك المرحلة كنت بدأت أتعلق بأم كلثوم، حتى إني حفظت كل أغانيها: الكلمات، ومؤلفها وملحنها.. الشيخ يأمرنا بغض البصر، ويقنعنا بأن المرأة فتنة وغواية.. أما أنا، فصرت مع أصدقائي نحرص على الوقوف يوميا قبالة مدرسة البنات الثانوية، وننتظر خروجهن، وقد خضت بالفعل عدة تجارب حب أولية، بكل ما صاحب تلك الفترة من أدوات: خفقان القلب غير المفهوم، الرسائل الورقية المعطرة، كاسيتات «عبد الحليم حافظ»، الغزل البريء والجميل.
سيستمر هذا التأزم النفسي ثلاث سنوات أخرى، ستنتهي بدخولي الجامعة.. ليبدأ تأزم من نوع جديد.. في سنوات الثمانينيات كانت الأحداث الفلسطينية هي الأبرز على الساحة، وكانت مادة الحديث المفضلة لطلبة الجامعات.. هناك في جامعة بغداد، سألتقي للمرة الأولى بشبان عرب من كل الجنسيات، ومن مختلف التيارات، وفي السكن الداخلي، سنمضي سهرات طويلة في نقاشات حامية الوطيس، بين البعثيين وأنصار جبهة التحرير العربية من جهة، والفتحاويين من جهة أخرى، وبين الإسلامويين والعلمانيين.. كنت حينها ذلك الشاب الصغير القادم من الأردن، ومثل أغلب من تخرج من مدارسها، أحمل بقايا أفكار إخوانية، ومتعايشا مع عقدة الخوف من المخابرات.. ورغم عشرات الكتب التي كنت قد قرأتها، وحسبت نفسي مثقفا، اكتشفت أني جاهل في كثير من المواضيع المطروحة للنقاش، ومع ذلك، وبدافع حماس الشباب، كنت أقحم نفسي في النقاشات، وكثيرا ما كنت أبدأ بفكرةٍ ما وأخرج بأخرى مغايرة، دون أن أعترف لخصمي بذلك، وأحيانا كنتُ أرقب صامتا نقاشا بين تيارين، منتظرا من يقدم حججا دامغة، لأنحاز إليه، وأتبنى مقولته في المرة المقبلة.. كان هذا يراكم في عقلي خبرات ثقافية معينة، لكنه يزيد من حيرتي.. إذ لم أجد حينها من يشبع فضولي في المعرفة.. بيد أن ذلك كله سيساهم في إنضاجي، وتخلصي التدريجي من عقدتي الإخوان والمخابرات.
وهكذا وجدتُ نفسي مضطرا لقراءة المزيد من الكتب.. ربما لأجد مادة أجاري الآخرين بها في جدالاتهم، وربما بحثا عن الحقيقة.. بيد أني بقيت عاجزا عن التحول إلى ذلك المحاور المقنع، الذي يسكت الآخرين بمجرد أن يبدأ الكلام، بل إني كنت أخرج مشوشا ومهزوما من الجولات الحوارية التي سرعان ما تتحول إلى جدال بيزنطي، وصراخ، ومزاودات.. وكان هذا يدفعني للكتابة، والتعبير عن وجهة نظري على صفحة بيضاء، لا يعكر صفوها أحد، ولا يقاطعني فيها أحد.. لكن قلة المعلومات كانت تقتضي مزيدا من القراءات.. حينها كنتُ أكتب لنفسي فقط، ولا أحاول نشر شيء، مُـركّزا على الموضوع والأفكار دون أي اهتمام بالأسلوب واللغة.. وحتى الرسائل التي كنت أرسلها لأهلي وأصدقائي، كانت عادية وساذجة، تبدأ بتلك الديباجة التقليدية، ثم بسرد الأحداث بأسلوب إنشائي مباشر، وتنتهي ببوح مشاعر الأشواق والحنين بنفس الكلمات المعهودة.
يتبع..

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: