إسرائيل لم تفعل شيئاً لتفادي "حمام الدم"

2018-05-16

بقلم: عاموس هرئيل
عند السفر إلى حدود القطاع في ساعات الصباح من جهة «نتيفوت»، كان يمكن رؤية أعمدة الدخان وهي تتصاعد في الفضاء. في الساعات التي أعقبت ذلك تراكم دخان الاطارات المشتعلة في أكثر من عشر نقاط تظاهر على طول حدود القطاع، من المنطقة الواقعة مقابل «موشاف نتيف هعيسري» في الشمال وحتى حدود رفح وكرم أبو سالم في الجنوب.
جولة التظاهرات الثانية، التي قادتها «حماس» منذ بداية الموجة الحالية في 30 آذار، جرت، أول من أمس. أحد الدروس التي استخلصها المنظمون تتعلق بالحاجة إلى توسيع الاحتكاك على مساحة كبيرة وعدد أكبر من البؤر من أجل جعل مواجهتها صعبة مع إسرائيل. استعد الجيش الاسرائيلي لذلك: 13 كتيبة بمساندة الشرطة تم نشرها على طول الحدود. أوقف الجيش تماماً تدريب الوحدات النظامية، هذا الاسبوع، ووجه القوات نحو القطاع، وبدرجة أقل نحو الضفة الغربية.
تجمّع المتظاهرون الفلسطينيون ببطء. في الساعة الثانية عشرة ظهرا قدّر الجيش الاسرائيلي عددهم بـ 10 آلاف شخص، وكذلك كانت قوة الصدام صغيرة نسبيا. ولكن حينها حدث تغيير: عشرات آلاف من السكان الآخرين تدفقوا نحو الحدود، حيث وصل عددهم ذروة التظاهرة كما يبدو الى 40 – 50 ألف شخص، وفي الوقت ذاته زادت قوة الاحتكاك. بضع مئات من المتظاهرين حاولوا الوصول الى الجدار، ولأصوات انفجار قنابل الغاز المسيل للدموع انضمت بشكل تدريجي نار القناصة. حسب الجيش الاسرائيلي، دفعت «حماس» للسكان من اجل الوصول الى الجدار، واهتمت بمشاركة نساء شابات، ودمجهن في الصفوف الأولى من التظاهرات. في ثلاث حالات أصاب الجنود خلايا مسلحة حاولت زرع عبوات ناسفة، وأطلقت هذه الخلايا النار على جنود الجيش الإسرائيلي.
وبوساطة منظار من مواقع مراقبة متغيرة على بعد بضع مئات من الامتار عن الجدار كان يمكن ملاحظة رؤية أن الأمر يتعلق بحادثة مخطط لها ومسيطر عليها من قبل «حماس». بدأ الجمهور، الذي تجمع قرب معبر كارني قرب كيبوتس ناحل عوز، فجأة يتحرك في قافلة منظمة، بالقرب منها سارت الدراجات النارية جنوبا على طول الحدود. توقفت القافلة الراجلة على بعد نحو  كيلومترين من هناك، وعندها أعادت تنظيم نفسها امام ساتر من التراب تم نشره قرب خلايا للقناصة الاسرائيليين. خلال دقائق بدأت المواجهات في المكان، وسارعت سيارات الاسعاف للوصول والانتشار من الخلف، انتظاراً لإخلاء المصابين الأوائل.
برز التواجد العسكري المتعاظم، ففي كل مكان تمت رؤية الجنود، وتموضع القناصة على طول الجدار وخلفهم انتشرت قوات في حقول الكيبوتسات والبلدات. من الخلف، في مواقف السيارات، انتظر رجال الوحدات الخاصة للشرطة استدعاءهم، حيث كان عليهم علاج اقتحام الجمهور للجدار والتحرك الى داخل الاراضي الاسرائيلية، اذا حدث ذلك. لكن هذا لم يحدث، إلا أنه على طول الجدار أُصيب الكثير من الفلسطينيين.
حتى المساء، حيث غادر المتظاهرون بتوجيه من «حماس»، تم احصاء 55 قتيلا فلسطينيا على الاقل ومئات المصابين بالنار الحية وبضع مئات من المصابين من استنشاق الغاز. على الأرض تم اطلاق كمية كبيرة من الغاز، لكن هذا تبدد بسرعة في المناطق المفتوحة، مثلما في التظاهرات السابقة. يبدو أن تأثيره كان ضئيلا وبشكل مؤقت. كانت نار القناصة الوسيلة الاساسية التي استخدمت، وعدد المصابين في اليوم الدموي الاصعب منذ عملية «الجرف الصامد» في صيف 2014 كان مرتفعا.

مجال مناورة يبلغ عشرات الأمتار
كل ذلك جرى بصورة مشابهة جدا للتوقعات المسبقة: «حماس» أعلنت بالضبط ما الذي تخطط له في منتصف أيار، حتى منذ نهاية آذار، وقدرت الاستخبارات الاسرائيلية بدقة المتوقع حدوثه في هذا اليوم. سيثير العدد المرتفع للقتلى الفلسطينيين، الآن، الانتقاد في الساحة الدولية من عدد من الدول. دول اخرى مثل الادارة الأميركية الحالية أصبحت غير مبالية تماما بهذه التطورات. وستطرح بالتأكيد أيضا تساؤلات حول اجراءات فتح النار للجيش الاسرائيلي.
ولكن بعد عدد من الزيارات للحدود، يصعب انتقاد القناصة أو قادتهم المباشرين. اذا عدنا الى التعبير الفظ الذي كان محببا على رئيس الحكومة، ارئيل شارون، الشخص الذي قام باخلاء المستوطنات من القطاع، الكثير من المتظاهرين جاؤوا الى هنا بتشجيع من «حماس»، وكأنه سيناريو معروف مسبقا. هكذا تم زج المتظاهرين الى خط النار، ولم يبق للقناصة الكثير من مجال المناورة.
فقط بضع عشرات من الامتار تفصل بين الحواجز الترابية ومواقع القناصة، على الجدار الموجود خلفهم. مسافة اخرى تبلغ بضع عشرات من الامتار تفصل بين الجدار والخط الذي تجمع فيه المتظاهرون والذي منه خرج في كل مرة شباب نحو الجدار.
السؤال الاساسي هنا هو ماذا فعلت اسرائيل لمنع حمام الدماء هذا قبل أن يحدث؟ الجواب أنه تقريبا لم يتم فعل شيء. منذ بضعة اشهر تحذر أذرع الامن من أن وضع البنى التحتية والاقتصاد في قطاع غزة بائسة. البطالة مرتفعة، ومعها أيضا مشاعر الإحباط والغضب. ومن المعروف أيضا أن «حماس» توجد في ضائقة استراتيجية لا سابق لها: لم تعد المنظمة تتحمل العبء الاقتصادي لادارة القطاع، ضمن امور اخرى، بسبب أنها تصمم على استثمار الاموال الهائلة في ذراعها العسكرية. علاقة المنظمة مع السعودية ومصر سيئة، وفشلت كل جهود المصالحة مع السلطة الفلسطينية. كان من الواضح بناء على ذلك أن «حماس» تعتبر التظاهرات بغطاء احتجاج شعبي تلقائي طريقة للخلاص من الشرك القائم، حتى بثمن حياة العشرات الذين سيقومون باقتحام الجدار تحت نار القناصة.
ولكن خلال هذه الفترة تسلح رئيس الحكومة ووزير الدفاع بوثيقة أمنية، حددت أنه حتى الآن لا توجد ازمة انسانية في القطاع – فقط «وضع انساني غير سهل». عندما تحسست «حماس» بشأن الهدنة، أي وقف طويل المدى لاطلاق النار، بوساطة قطرية وغيرها، ردت اسرائيل بالسلب. ويحتمل جدا أن هذا العرض لم يكن صادقا أو لم يكن سيثمر عن أي شيء، لكن في نهاية المطاف لم تحرك إسرائيل تقريبا ساكنا من اجل التخفيف من أزمة القطاع. ما يحدث على طول الجدار كان يعتبر كارثة معروفة مسبقا. في اسرائيل تبنوا خطا حتميا يقضي بأنه إذا حدث ذلك فهذا إشارة الى أنه كان سيحدث.
هذا لم يشوش على الابتهاج بالعيد الذي ساد، أول من أمس، في بث القنوات التلفزيونية. من احتفال افتتاح السفارة الأميركية في القدس وبعد ذلك الاحتفالات بالفوز في الايريفزيون في تل ابيب. يبدو الواقع الاقليمي لنا الآن وكأنه يأتي من داخل ثلاثة اقسام لشاشة مقسمة، بصعوبة ترتبط ببعضها. في غزة الجهاز الصحي ينهار تحت عبء التعامل مع مئات المصابين، في كيبوتسات وبلدات غلاف غزة يخشون من القادم، في القدس قسيسون وحاخامات يشكرون الله، والرئيس الأميركي ترامب يعلن أن هذا يوم تاريخي. وفي تل ابيب يحتفلون وكأنه لا يوجد غد.

عمود الدخان المنفرد في الضفة
بعد ظهر أول من أمس، قرب حاجز قلنديا في شمال غربي القدس تصاعد فقط عمود دخان منفرد. كان ذلك هو موقع الاحتجاج الاكبر في الضفة الغربية، وهو لم يثر انطباعا كبيرا مقارنة مع احداث القطاع. في ذروة التظاهرة الفلسطينية تم احصاء حوالي 1800 شخص مشارك، عدد صغير منهم تصادم مع القوات الاسرائيلية. الضباط المجربون من الجيش وحرس الحدود تعاملوا مع التظاهرة بسهولة. المسافة التي كانت تفصل بين الطرفين تم الحفاظ عليها، ورشق الحجارة تم الرد عليه بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع. وقد أصيب عدد من المتظاهرين.
ترد الضفة الغربية في الوقت الحالي بلامبالاة نسبية. لم اخرج السفارة وعشرات القتلى في قطاع غزة الجمهور الى الشارع. في القطاع الوضع مختلف، التصريحات الأولية لزعماء «حماس» في غزة بعد القتل في هذا اليوم لم تظهر اشارات إلى التراجع أو إعادة التفكير.
في سنوات الانتفاضات، عندما كان يسجل عدد كبير من الخسائر، كانت المنطقة تشحن بطاقة قوية وأدت عشرات الجنازات الى المزيد من المواجهات والتظاهرات. هذا من شأنه أن يحدث، الآن، ايضا، ومن شأنه ايضا أن يؤدي الى اعادة اطلاق الصواريخ، وهي خطوة امتنعت الفصائل الفلسطينية عن القيام بها في الاشهر الاخيرة، كما يبدو بتوجيه صارم من «حماس».
خرج وفد «حماس» برئاسة اسماعيل هنية، أول من أمس، الى القاهرة وعاد من هناك بعد وقت قصير. وكما هو معروف، بدون نتائج. يبدو أنه مطلوب الآن تدخل الدول العربية، وعلى رأسها مصر، إذا كانت النية هي الامتناع عن استمرار التصعيد الذي يمكن أن يتضمن اطلاق الصواريخ على جنوب البلاد، وفي اعقابه يأتي القصف الإسرائيلي.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: