"نصوص غزية" .. تحية إلى شعراء وكتاب القطاع في اختتام فعاليات معرض فلسطين الدولي للكتاب

2018-05-15

كتب يوسف الشايب:

"نصوص غزية"، هو عنوان الفعالية الثقافية التي رتب لها بكل تفاصيلها الشاعر علي مواسي، عن فكرة للقاص زياد خداش، واحتضنتها قاعة الشهيد ماجد أبو شرار في معرض فلسطين الدولي الحادي عشر للكتاب، أول من أمس، على مدار ثماني ساعات، قرأ في أربع منها، ما يزيد على أربعين كاتباً وشاعراً ومثقفاً وفناناً وإعلامياً ممن شاركوا في فعاليات المعرض لأربعين من أدباء وشعراء قطاع غزة، ممن حالت سلطات الاحتلال دون وصولهم إلى أرض المكتبة الوطنية، حيث المعرض، والمشاركة في فعالياته، بسبب سياسة استصدار التصاريح، فكان كرنفالَ احتفاء ممن حضروا بمن لم يحضروا، وكان خطوةً رمزية ضد الحصار الذي يفرضه الاحتلال على كل شيء في القطاع.


الشاعر علي مواسي أشار إلى أن هذه المبادرة "تظاهرة أدبية، ومبادرة طوعية، وأن تنظم في ضيافة وزارة الثقافة، ومعرض فلسطين الدولي الحادي عشر للكتاب، فهو تأكيد على ضرورة التكامل ما بين العمل الثقافي المستقل، وما بين العمل الثقافي المؤسساتي" .. وقال: نحن هنا للتأكيد على رفضنا لسياسات الاستعمار الإسرائيلي، وتأكيداً على حضور غزة متناً مركزياً وليس هامشاً .. نحن هنا لنقول لأهلنا وأحبتنا وأخوتنا في قطاع غزة أن صوتنا هنا اليوم هدية لكم، نتحدث باسمكم، نقرأ نصوصكم تأكيداً على وحدتنا الثقافية، ورفضنا لاستمرار الانقسام.
ولفت مواسي إلى أنه تم التنظيم لهذه المبادرة خلال أربعة أيام، موجهاً الشكر لما وصفه بـ "فزعة" المبدعين وتفاعلهم معها، ما يدل على الأصالة، والاستعداد الكامل لأن يقف الفلسطيني الإنسان مع الإنسان، المبدع مع المبدع، موجهاً شكره لوزارة الثقافة وإدارة معرض فلسطين الدولي الحادي عشر للكتاب، متمنياً أن تصل رسالة المبدعين الفلسطينيين ليس فقط إلى المبدعين المحاصرين في قطاع غزة بل إلى العالم كله.


وقال وزير الثقافة د. إيهاب بسيسو: إنه يوم يحمل في ثناياه التباس المعنى، فلا أعلم ما هو الحجم الطاغي على هذه الفعالية، هل هو الفرح لأننا تمكنا، ولو مجازاً من قهر الحصار، أم هو استمرار لحالة الألم بأن هنالك أعزاء لم يتمكنوا من الوصول إلى معرض فلسطين الدولي للكتاب، رغم أن كتبهم ونصوصهم وصلت عبر دور النشر التي أصدرت أعمالهم.


وأضاف بسيسو: اليوم هي حكاية الكل الفلسطيني، وإن حملت في ثناياها اسم غزة، فهذا الحصار الذي يطال هذه المدينة وشعبنا هناك، ترجمة لحصار أوسع وأشمل يريده الاحتلال أن يكون واقعاً، فالأسوار وجدران العزل التي تحيط بالقدس العاصمة هي جزء من هذا الحصار الممتد، وكذلك التمدد الاستعماري الاستيطاني الذي يقضم أرضنا كل يوم، كما أن آليات استصدار التصاريح المعقدة التي لا يعرف تفاصيلها إلا الشيطان وحده هي جزء من هذا الحصار، حيث الاشتراطات المتغيرة تهدف إلى تقسيم الشعب الفلسطيني إلى فئات عمرية، وأخرى لها علاقة بجنس الفلسطيني ما بين رجل وامرأة، والمدة المتغيرة دون معايير، والتي يجب تقديم فيها طلبات التصاريح، كلها اشتراطات تتبدل، ووحده الشيطان الذي يستطيع فك طلاسمها، وغزة تدفع ثمن هذا كله، كي لا يصل الصوت معمّداً بأنفاس من يكتبون.


وختم بسيسو بالقول: الاحتلال الإسرائيلي لا يريد للكل الفلسطيني أن يكون حاضراً ومتواجداً في فعل ثقافي يحمل ملامحنا، ويحمل جزءاً من هذا النبض الإبداعي الذي يترجم الوجود الفلسطيني، والذي يصر على أن تكون الكلمة الفلسطينية حاضرة في أية تظاهرة ثقافية، وما ينطبق على غزة ينطبق أيضاً على الفلسطينيين الأقل حظاً، هؤلاء ممن يقيمون في المنافي ولا يحملون جوازات سفر أجنبية، ولنفس الأسباب التي لا يعرفها إلا الشيطان، لم ننجح في أن يكونوا بيننا، فلهم أيضاً كما لكتاب غزة كل التقدير والاحترام، فالكل الفلسطيني لا يتجزأ، وإن كانت غزة تعبر اليوم عن حالة فلسطينية خالصة.


وقدم الشاعر والكاتب خالد جمعة ورقة بعنوان " ظواهر مركزية في الحركة الأدبية"، وتحدث فيها عن "تجربة شخصية"، ومما جاء فيها: في العام 1991 حصلت على عضوية اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وفي ذات العام تعرفت على الشاعر عثمان حسين الذي كان يعمل في القسم الثقافي في صحيفة إماراتية، وبدون تنسيق أو تخطيط، بدأنا معركة أدبية تنتصر للجديد على السائد الراسخ، وحدثت عملية استقطاب هائلة في غزة، مع / ضد، بالطبع، شعراء التفعيلة والعمودي، مقابل شعراء قصيدة النثر، وتجلت تجربتنا الشخصية في إصدار مجموعة رفح أبجدية ومسافة وذاكرة، التي أسالت الكثير من الحبر بين من يمدح وبين من يذم، لكن التحول الأبرز كان في صدور العدد الأول من مجلة عشتار العام 1993، والتي أسسها عثمان حسين وانضممت إليها لاحقاً.. راهنت "عشتار" على الأصوات التي كانت تبدو جيدة من وجهة نظرنا، لكنها لم تكن تجد المنبر المناسب، فخرج من الجيل الذي تلانا شعراء مثل سمية السوسي وخالد عبد الله وأنور أبو شما وصباح القلازين وكفاح الغصين ووداد نصر وسامية الحولي وهدى الحولي وبثينة الهوبي وسعاد أبو ختلة، وقاد هؤلاء الشباب معركة حقيقية ضارية لتثبيت قصيدة النثر كشكل أدبي، في الوقت الذي كان هناك فيه كتاب قصة قصيرة لا يقلون مستوى عنهم، وفتح هذا الجيل الطريق لجيل أتى بعده من أمثال يوسف القدرة ومحمود ماضي وسائد السويركي ونصر جميل شعث، وناصر عطالله، وغيرهم، وهذا الجيل بدأ نقاشه مع أساتذة الجامعات، بشكل جعل النص الجديد في محور النقاشات، سواء اتفقت معه أم لا.


وأضاف جمعة: بعد معاهدة أوسلو، جاء إلى غزة عدد من المبدعين الذين حققوا إنجازات كبيرة في الخارج، مثل أحمد دحبور، ومحمد حسيب القاضي، ومحمد القيسي وغيرهم، وهؤلاء تداخلوا في مشهد غزة الثقافي بنسب وآراء مختلفة، ساعدت في تطور المشهد بما أضافته من خبرات لم تكن متوفرة في غزة، وساهم أول معرض كتاب حدث في غزة العام 1996 في الكثير من العلاقات والقراءات التي كانت تفتقدها غزة.


ولفت إلى أنه و"بعد ذلك ظهر جيل كانت مواجهاته أقل حدة بسبب الأجيال التي سبقته والتي أخذت حدة السكين، فظهر في المشهد هشام أبو عساكر ومحمود الشاعر وهند جودة ومحمد الزقزوق وأنيس أبو غنيمة ومجد أبو عامر وكثيرون غيرهم، وتبعهم جيل آخر يتمثل الآن في يحيى عاشور ورنا مرتجى وأسماء أخرى"، ليؤكد: الأسماء التي ذكرتها ليست بالضرورة هي كل الأسماء التي خلقت الحالة في غزة، بل هي الأسماء التي تذكرتها في هذه العجالة، وسأضيف أيضاً، أن هناك نوعاً من الكتابات ظهر في غزة تمثل في الكتابات الساخرة، مثلها أحمد بعلوشة وأكرم الصوراني وعدد آخر من الكتاب.


وخلص جمعة إلى أن الظاهرة الأكثر بروزاً في غزة، هي ظاهرة عدم الاستسلام للظرف، على المستوى الإبداعي، ينشط الكتاب في غزة حتى في ظروف كتلك التي يعيشونها الآن، ففي وسط الحصار وقلة الإمكانات، أنشأ محمود ماضي ومحمود الشاعر دار خطى للنشر، الدار التي أصدرت تقريباً في عام واحد أكثر من عشرة إصدارات، في غزة، مع ما تعانيه من مشاكل في التوزيع، وفي نوعية الورق والمطابع الموجودة في غزة والتي تآكلت نتيجة الحصار، وأنوه هنا الى أن أول كتاب قامت بطباعته كان كتاب للراحل الشاب مهند يونس الذي وُجد منتحراً ذات يوم في أحد منازل غزة.


وختم: غزة مليئة دائماً بالمفاجآت، الأدبية خصوصاً، وكلما ازداد الضغط عليها، خرجت منها نصوص لا تصدق، لا يعني ذلك أن الإبداع لا يخرج إلا من المعاناة، إنما هو فقط إقرار بواقع حال، فأنا شخصياً لا أعرف السبب وراء هذا الكم الهائل من الفن الذي يخرج من غزة كتابة ورسماً وموسيقى وغناء ومقالات، وحتى إن لم يعرف أحد ذلك في المستقبل، فالأهم من كل هذا، أن غزة تصدر مقولة هامة جداً، وهي أنك يمكن أن تدمر بيوتاً وأن تحرق مزروعات وأن تقتل أبرياء، أما الإبداع، فلا توجد آلة من تلك الآلات التي اخترعها البشر، قادرة على قتله.


وشارك في الفعالية شعراء وأدباء وأكاديميون وإعلاميون وفنانون فلسطينيون من محافظات الضفة الغربية بما فيها القدس، ومن الداخل الفلسطيني، ومن فلسطينيي الشتات والمنافي ممكن شاركوا في المعرض بجوازات سفر أجنبية، حيث توزعت مشاركاتهم على أربع أمسيات امتدت كل منها لساعة كاملة، في حين امتدت الفعالية لثماني ساعات، اختتمت والمعرض يلفظ أنفاسه الأخيرة لهذه الدورة، عند التاسعة من مساء الأحد، الثالث عشر من أيار.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: