أطراف النهار

عراد جنوباً

حسن البطل

2018-04-26

الوريد أزرق اللون والشريان أحمر.. أو هكذا اكتشف هارفي الدورة الدموية علاقة ما بين محطة ضخ تسمى القلب، ومحطة تنقية تسمى الرئة.  
ستقول خرائط نعلقها منذ ما بعد النكبة على حيطان المخيمات ان هذا النقب من: خرب، وعرب، جُوَر وتلال. جنوب عراد ما زال قوس قزح في السماء، غير انه يطل علينا من الأفق الشرقي أحياناً ومن الأفق الجنوبي أحياناً.. ونحن قادمون من الشمال، والطريق في بلاد «عرب الظلام « تتلوى كثيراً: « تمهل» ثم «تمهل» أيضاً، ثم «منعطفات حادة».. غير ان القوس في  السماء الذي ندعوه قوس قزح يظل قوساً في السماء كما يدعوه الفرنسيون Arc-en-ciel والانكليز  Rainbow. هذا هو المشهد، وها انت المشاهد، الدم يصب في القلب، والقلب يوزع الدم الى الرئتين.. غير ان قوس قزح يأخذ من السماء الزرقاء لوناً قاتم الزرقة، ومن أديم الصحراء لوناً ضارباً للأحمر، ومن  الأخضر لوناً يتأرجح بين البنفسجي والأزرق. قال شاعر فرنسي: لقوس قزح سبعة الوان، لو اكتشف الناس انها أربعة او ستة لأطلقوا عليه النار. لسبب ما، كانت العاصفة المطرية وراءنا بين الخليل والظاهرية، لسبب ما كان قوس قزح عن يميننا، او أمامنا.. او عن شمالنا. ليس لـ»عراد» مكان على خارطة الحنين، ولكنها مدينة حقيقية على خارطة ما بعد النكبة، لا تشبه مصانعها الانيقة اي شيء تتخيله عن المدن الصناعية. لا خيول ترمح جنوب عراد، ولا عربي يمتطي فرساً تركض خبباً، هنا قد ترمح السيول فتحزّ لحم الأرض بشكل وحشي. هنا وقف «يعقوب شليمنتس» قبل قرن من الزمان (وعشرين سنة ايضاً) امام مشهد مهيب، بيوت محفورة في الصخر الطري ومحاطة بأصابع السيل. هناك، وقفنا مع ثلاثة شبان، عرب في مقتبل العمر. لوحة السيارة تقول اننا عرب مثلهم.   
- «من اين الشباب» (هل نحن شباب؟)   
- «من رام الله».   
- «نحن من الكسيفة» قال الشباب الذين هم شباب، صورة للذكرى عند «نقطة يعقوب» بين «عرب» المنافي و»عرب» البلاد.   
- «امامكم سيل» قالوا.   
- « لدينا ما يكفي من الوقود للعودة من حيث اتينا «، هكذا طمأناهم، علمت من صاحبي ان عراد التي لم تكن قبل النكبة، كانت مرابع لقطعان «عرب الجهالين» الذين نرى مضاربهم، الهجينة والكئيبة، شرق القدس حتى اريحا.. وتطاردهم مستوطنة «معاليه ادوميم».   
- «عرب الكسيفة اجدع ناس في النقب» - قال الصاحب - لأنهم بقوا، قارن بين بيوتهم وبين أكواخ «عرب الجهالين».   
في المشاوير السابقة، كانت إشارات الطرق تشير الى ديمونا المرعبة مع سهم الى الجنوب، او كانت تشير اليها مع سهم الى الشرق - ها هي الى الغرب، اما «نزولاً الى جنوب البحر الميت، تحضرك «الرؤيا» بين سماء في الأعالي وصحراء حضرت الأنبياء هذه « الرؤيا « متلفعة بالازرق والاصفر وقليل من الاخضر.
قافلة من حديد على الطريق، او قافلة من السيارات مختلفة الاحجام والالوان تنتظر ان تجتاز السيل على مهل. الشاحنة امامنا اجتازت السيل مثيرة مويجات.. وهكذا انطفأ المحرك في سيارتنا.   
على خارطة ما قبل النكبة هذا مكان يسمى «وادي الخبرة» او «بركة الخليل» وعلى الخارطة السياسية هذه منطقة إسرائيلية.   
جنود إسرائيليون شبان في عدة الحرب الكاملة سلطوا كشافات عربتهم الى شاطئ البحر الميت، ربما نحن ننتظر أحداً يعبر البحر من ضفته الشرقية. ربما نحتاج شيئاً. وراءنا سيل عكر، وأمامنا البحر الميت.. ونحن عطاش.. شربنا من مطرة الجنود او من الزمزمية.  
 «ماذا تنتظرون» ؟ « ننتظر ونشاً..» «اطلبوا لنا رقمه الهاتفي» فقط آنذاك، صدقنا جنود الدورية، بعدما تحدثوا بهاتفنا النقال مع سائق «الونش» واوعزوا لزملائهم بالسماح له بدخول «نقطة الحدود» القديمة للعام 1967.  
كانت سماء الليل مضيئة كما لا تبدو مضيئة في المدن والقرى، وكان البحر مطفأ كأنه ثقب اسود، وكانت بلاد «عرب الظلام» وراءنا، وأمامنا أضواء الاردن.

حسن البطل
28-11-2002

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: