دفاتر الأيام

قرشنا الأبيض وأيامنا السوداء

سما حسن

2018-04-26

بعد كل هذا العمر أستطيع أن أجزم بأنه لم تمر على غزة مثل هذه الأيام التي تمر بها، ولي وقفات كثيرة حول أسباب ما وصل إليه الوضع العام في غزة، خصوصاً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وأهم ما يلفت نظري هو ما تتحدث عنه الإحصائيات من أن حوالى 800 ألف مواطن من غزة أصبحوا بلا دخل لعدم صرف رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، ويعني هذا العدد أن حوالى نصف السكان هم من الموظفين، كما أن هناك عدة آلاف تم تعيينهم في السنوات العشر الأخيرة، والنتيجة أن أكثر من ثلثي السكان في غزة يعتمدون على الرواتب الشهرية المتعددة المصادر، إذا أضفنا لها موظفي "الأونروا" والمؤسسات الدولية والخاصة.
قديماً قال جدي: إن الوظيفة إن لم تغن صاحبها فهي تستره، ولكن الحقيقة أن الوظيفة كانت بالنسبة لسكان غزة بمثابة الفخ الذي وقعوا فيه، ولم يشعروا بفداحة ما وقعوا فيه إلا بعد فوات الأوان، فبنظرة عامة على أهل القطاع نجد أن هناك نسبة كبيرة كانت تعمل في القطاع الزراعي، وهم سكان غزة الأصليون غالباً، خاصة في مناطق شمال غزة القريبة من الحدود، وفي الجنوب أيضاً حيث تتمركز الأراضي الزراعية التي تمتلكها عائلات معينة، ولم تكن تفرط بشبر منها تحت أي سبب، وكانت الأرض بمثابة العرض بالنسبة لأصحابها.
ولكن التفريط لم يكن بالبيع وإنما بالإهمال، والاتجاه إلى الوظائف بغرض الراحة والكسب السريع، حتى لو كان أقل مما سوف تنتجه الأرض لو أحسنوا استغلالها، وبنظرة أخرى على أوضاع بعض الأسر التي اشتهرت بامتلاك الدونمات الواسعة من الأراضي الزراعية، نجد الكثير منها قد أقدمت على تحويل مساحات من تلك الأراضي لمشاريع سياحية استثمارية، ولكنها لم تأت بالمردود الاقتصادي المتوقع بفعل الحصار، وكذلك لأن المزارع الذي كان يملك قطعة من الأرض لا يستطيع أن يدير مشروعاً سياحياً، ومن يسمح للآخرين بإدارة أمواله فهو كمن تعهد لزوجة الأب بتربية ابنه.
تأرجح ملاك الأراضي للأسف ما بين سوء الوضع الاقتصادي والرغبة في مواكبة مجريات العصر، وأصبح التباهي ليس بامتلاك الأرض، واتجه الكثير منهم للقروض من البنوك من أجل استثمار مساحات الأراضي في بناء الأبراج السكنية، وهكذا صغرت مساحة الأراضي الزراعية في غزة.
أصبحت غزة تستورد الكثير من الخضار التي كانت تشتهر بها، وأصبحت تعاني من كثافة سكانية عالية وبطالة عالية أيضاً؛ لأن الأبناء كبروا وتكبروا على مهنة الآباء والأجداد وهي فلاحة وزراعة الأرض، حتى جاءت الضربة القاضية التي أيقظتهم من سباتهم، والتي يجب أن يستيقظوا بسبب قوتها، على الحقيقة المريرة، وهي أن من يتخلى عن كاره لا يجني سوى الخسارة، فمع توقف الرواتب الشهرية أو تذبذبها تحول أرباب الأسر لمعوزين، وأصبح التفكير في بيع الأرض - إن وجدت - وارداً ومطروحاً، أما الملاحقات القانونية فحدث ولا حرج، فالبلاغات عن قضايا الشيكات والقروض التي لم يتم تسديدها تعد بالآلاف، ولست هنا بحاجة لذكر ورصد الأرقام المخيفة، ولكن النتيجة هي أننا لحقنا بمركب الوظيفة "الميري" وتمرغنا في ترابها حتى لم نعد نعرف هويتنا الأصلية.
الهوية الأصلية لسكان غزة هي أن أغلبيتهم من المزارعين والحرفيين، ولو أنهم استمروا على ما تربوا عليه وورثوه من الآباء والأجداد لحققت غزة جزءاً كبيراً من الاكتفاء الذاتي، ولما عانى أولاد الجيل الجديد من هذه البطالة المخيفة التي تسحب معها الآثار الاجتماعية على كل بيت في غزة.
قد يكون هذا الحديث متأخراً، وموجعاً، ولكن ما نراه على أرض الواقع اليوم من نسبة البطالة وتفشي الجوع بحيث تجد البيوت الواسعة والمؤثثة على أحدث طراز، ولكن أصحابها لا يملكون قوت يومهم، بل ولا تجد شيكلاً واحداً في جيب ولي الأمر صاحب البيت، وذلك لأن السنوات العشر الأخيرة لم يكن أمام الموظف سوى الدخول في متاهة بناء البيت وتأثيثه، وتزويج الأبناء، ولم يكن هناك أي استثمار للمستقبل.
لم نحسن استغلال السنوات العشر الأخيرة، وبدأنا نجني نتائج الخطأ الذي له ألف سبب، مِثل أننا اعتمدنا اعتماداً كلياً على الراتب الشهري، ولم نعمل على استثمار ما في غزة من خيرات.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: