آراء

دلالات إسقاط الطائرة الروسية في سورية

هاني عوكل

2018-02-09

أربكت حادثة إسقاط الطائرة الروسية من طراز سوخوي 25 كانت تحلق فوق إدلب شمال سورية، القيادة الروسية التي نظرت إلى هذا الفعل على أنه ربما مستوى جديد من نقل المعركة إلى مربع مختلف عن المربع الذي كانت تشهده الساحة السورية منذ بداية الأزمة العام 2011.
الحديث يدور عن صاروخ مضاد للطائرات أطلق من الكتف على الطائرة المذكورة، أدى إلى سقوطها في منطقة خفض التصعيد بمحافظة إدلب، حيث تنتشر فيها قوات تابعة لكل من الجيش السوري الحر وجبهة النصرة التي تقاتل باسمها الجديد «لواء هيئة تحرير الشام».
روسيا التي انتابها قلق شديد من هذا الفعل، وجّهت طياريها للتحليق عالياً أكثر من خمسة كيلومترات، حيث لا يمكن لهذه الأسلحة الحرارية الاستجابة مع التحليق المرتفع، ذلك أن طائرة السوخوي 25 كانت تحلق حين أصيبت على علو منخفض أقل من 5 كيلومترات.
أما عن مبعث القلق الروسي فهو متزامن مع حادثة أخرى سبقت طائرة إدلب، حيث حلق عدد من الطائرات بدون طيار من محافظة إدلب الشهر الفائت، وذهبت باتجاه قاعدة عسكرية روسية في حميميم وأخرى في طرطوس، لكن موسكو أسقطت وفجّرت عدداً منها.
هذه الأسلحة النوعية والمدخلة حديثاً في ميدان النزاع، انطلقت جميعها من محافظة إدلب التي لم تنشر فيها تركيا بعد مواقع للمراقبة، على الرغم من أنها ضمن مناطق خفض التصعيد، إلا أن القوات الحكومية السورية لم تحكم السيطرة عليها بعد.
بعد حادثة الطائرة خرجت جبهة النصرة لتؤكد أنها الفاعل، ثم صدرت تصريحات أخرى من شاشات التلفزيون خلال استضافة شخصيات سياسية قالت إن الجيش الحر هو المسؤول عن إسقاط الطائرة، لكن جرى التكتم على الموضوع رسمياً لتجنب أي عواقب مصدرها روسيا تحديداً.
على أن موسكو تعتقد أن جبهة النصرة هي التي أسقطت الطائرة الروسية، لكنها تبحث في الجهة التي زودت النصرة بهذا السلاح، إذ تحوم الشكوك حول احتمال أن يكون إما صاروخ «ستينغر» أميركي الصنع أو أنه سلاح سوفييتي قديم.
روسيا التي استعادت جثة طيارها، تنتظر بفارغ الصبر حطام الطائرة للتعرف إلى نوع الصاروخ المطلق، ذلك أنه أكثر ما يقلقها هو معرفة نوع السلاح ومصدره، حتى يمكنها حينذاك تقييم المخاطر الأمنية، لكنها أيضاً بدأت تبحث في جواب عن سؤال ماذا لو امتلكت المعارضة السورية أسلحة جد متطورة؟
لا يبتعد موضوع السلاح هذا عن احتمالين، الأول أن بعض فصائل المعارضة حصلت عليه من دول مؤثرة في الساحة السورية، ولا ترغب أن تكون لموسكو الحصة الأكبر في هذا البلد، وأما الاحتمال الآخر فله علاقة بالحصول على هذا النوع من السلاح من مخازن عسكرية تابعة للقوات الحكومية السورية في إدلب.
الروس ينظرون في هذين الاحتمالين، حيث يذهبون في تحليلاتهم إلى احتمال أن تكون المعارضة السورية قد حصلت على متفجرات وأسلحة متطورة من مستودعات عسكرية أوكرانية في منطقة كالينوفكا التي تعرضت إلى حريق كبير في شهر أيلول الماضي.
تفسيرهم أن الحريق وقتها كان مفتعلاً للتغطية على سرقة الأسلحة الأوكرانية وإرسالها لسورية، لكن بصرف النظر عن ما حصل وعلى افتراض أن المعارضة السورية تمتلك قطعاً عسكرية متطورة، إلا أن ذلك ربما لن يؤثر بقوة على الوضع الميداني في سورية.
السبب أولاً أن مثل هذه القطع العسكرية لا تمتلك تأثيراً كبيراً مقابل حجم الأسلحة التي تمتلكها روسيا وحتى القوات الحكومية السورية، ويمكن تجنب تأثيرها إذا جرى التعامل معها بجدية، كأن يقابلها تحصين الدفاعات والاستنفار العسكري والتأهب لشن طلعات جوية على علو مرتفع.
ثانياً: موازين القوة العسكرية هي لصالح روسيا وحلفائها، ومن غير المستبعد أن تضغط القوات الحكومية السورية بدعم من نظيرتها الروسية لجهة السيطرة على مناطق كثيرة من إدلب، وبالتالي إضعاف المعارضة السورية أكثر فأكثر.
المهم في هذا الإطار، أن المسار السياسي ربما لا يزال بعيداً عن ممكنات الحل، ويتضح هذا بالبعدين السياسي والعسكري، إذ إن جميع القنوات التفاوضية لا تزال تراوح عند فكرة الاتفاق على الاختلاف، بينما يتغير المسار العسكري يوماً بعد يوم في ضوء هذه التطورات الأخيرة.
ما هو واضح وضوح الشمس، أن كل الأطراف تتسابق مع الزمن للحصول على دور في سورية، أو لتأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية وخلافه، وهذا يبرز في المواقف الأميركية والروسية والتركية والإيرانية من الملف السوري.
ويبرز أيضاً في الموقف الإسرائيلي حيث أطلقت طائرات حربية إسرائيلية حديثاً صواريخ على موقع عسكري سوري في ريف دمشق، وهذا الفعل له علاقة بموقف تل أبيب الرافض للتمدد الإيراني في سورية، ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نقل تخوفات بلاده من اقتراب إيران إلى الحدود للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما عشرات المرات.
المرحلة التي يشهدها النزاع السوري هي مرحلة ما قبل النهاية، لكن الله أعلم متى تنتهي، إذ إن الحديث عن تنظيف سورية من تنظيم «داعش» الإرهابي، يفتح الباب أمام التركيز على ثلاثة أطراف رئيسة في المشهد السوري: القوات الحكومية السورية والأكراد والمعارضة بمختلف ألوانهم.
ويبدو أن المعركة الرئيسة لحسم النزاع السوري ستكون بين القوات الحكومية السورية والمعارضة المعتدلة ومن ضمنها جبهة النصرة، ولا يبدو في الأفق أن الأخيرة بما فيها الجيش السوري الحر، قادرة على تحقيق توازن في الفعل العسكري الحالي.
وقد لا تكون حادثة الطائرة الروسية هي الأخيرة من نوعها في عمر النزاع السوري، لكن أيضاً من المهم القول إن روسيا تعتبر إسقاط الطائرة تحدياً لقوتها ووجودها في الملعب السوري، وأغلب الظن أنها مستعدة لحرق الأخضر واليابس من أجل التأكيد على مصالحها الحيوية هناك.

Hokal79@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: