الفلسطينيون عالقون في طريق مسدود: الفرصة الممكنة

2018-02-08

بقلم: كوبي ميخائيل

في 14 كانون الثاني اجتمع المجلس المركزي لـ م.ت.ف في رام الله، وكانت ذروته خطاب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس.
وفي الغداة اتخذ المجلس عدة قرارات، يمكن ترجمتها كتوصيات للجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، وكان معظم قرارات المجلس بروح توصيات عباس لأعضاء المجلس في خطابه، وتشبه القرارات التي سبق أن اتخذت في الماضي.
"حماس" لم تستبشر بتغيير حقيقي في سياسة عباس، الذي يرفض استخدام "الإرهاب" كاستراتيجية عمل (لضررها بالمصالح الفلسطينية) ويتبنى الكفاح الشعبي ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل.
ورغم اللغة الحادة التي اتخذها، إعلانه بشأن "موت" مسيرة أوسلو، والادعاء بأن السلطة الفلسطينية دفعت إلى وضع ليس لها فيه صلاحيات سلطوية عملية (حتى وإن لم يستخدم تعبير "تحت الاحتلال")، ترك عباس فتحة للمفاوضات، وامتنع عن تبني اقتراحات أعضاء بارزين في المجلس دعوا إلى الإقلاع عن فكرة الدولتين لصالح دولة واحدة مع مساواة كاملة في الحقوق لكل مواطنيها.
ومع ذلك، شدد عباس على تفضيله الواضح لرعاية الأسرة الدولية، في صيغة مجموعة الدول التي قادت المفاوضات إلى الاتفاق النووي مع إيران وتصدرها المسيرة السياسية، كبديل عن الولايات المتحدة، التي كفت في نظره عن أن تكون وسيطا نزيها.
وتحدث عباس بحدة ضد الإدارة الأميركية في ظل توجيه الإهانات ضد السفير ديفيد فريدمان والسفيرة نيكي هيلي، وغيرهما، كما أعلن أن في نيته أن يواصل مساعي السلطة للانضمام إلى مجموعة من المنظمات الدولية والعمل على الاعتراف بدولة فلسطينية في مجلس الأمن.
برزت في خطاب عباس الرواية الفلسطينية التي تصف المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل بمشروع استعماري، وأن ثمة مؤامرة من القوى العظمى الغربية، وأن المشروع الصهيوني غير شرعي وليس فيه ما يؤكد الادعاء بشأن العلاقة القومية – التاريخية للشعب اليهودي بـ "بلاد إسرائيل".
أما نية الإدارة الأميركية إطلاق مبادرة لاستئناف المسيرة السياسية والتسوية، التي بفهم الفلسطينيين تدحر إلى هوامش البحث موضوع القدس ومسألة اللاجئين، فقد وصفها باستمرار للمؤامرة ذاتها، ولهذا فقد رفضها رفضاً قاطعاً.
على خلفية خيبة أمل عباس من الإدارة الأميركية، ومن الدعم الهزيل للقضية الفلسطينية من جانب الرباعية العربية السنية – البراغماتية، وكذا عقب الشكوك بشأن فرص نجاح مسيرة المصالحة بين "فتح" و"حماس"، ركز خطابه على استعراض تاريخي انتقائي على نحو ظاهر وعرض تراث إنجازاته كرئيس للسلطة الفلسطينية ورئيس لـ م.ت.ف.
تعبر قرارات المجلس المركزي في أعقاب خطاب عباس عن نهج بارز، استياء، وغضب. ولكن من المشكوك فيه أن تتبنى اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف القرارات وتطبقها نصاً وروحاً مثلما حصل في الماضي. لعباس، كرئيس للجنة التنفيذية، الصلاحيات في العمل على تطبيق القرارات وفقاً للظروف، ومن المعقول أنه هذه المرة أيضا لن يسارع إلى تطبيقها بسبب الخطر الكامن في تطبيقها على مستقبل وبقاء السلطة الفلسطينية، التي يعد استمرار وجودها مصلحة واضحة لعباس وكبار مسؤولي م.ت.ف المؤيدين له.
إن الإحباط والغضب تجاه الإدارة الأميركية واعتبارها متحيزة بل معادية يتعاظمان في ضوء إمكانية أن يقر الكونغرس قانوناً لتقليص ميزانية المساعدات للسلطة الفلسطينية بسبب الدفعات للسجناء الأمنيين وأبناء عائلاتهم.
في هذا الوقت، وليأس القيادة الفلسطينية من الولايات المتحدة ومن الدول العربية المهمة، فان أملها الوحيد هو تجنيد الأسرة الدولية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، بهدف تقليص الأضرار المالية ولتحقيق الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 وعاصمتها شرق القدس.
أما التغيير في الموقف الأميركي بالنسبة للمساعدات المالية فقد وجد تعبيره في قرار الإدارة الأميركية تقليص نحو 65 مليون دولار من المبلغ الذي كان يفترض أن يحول إلى وكالة الغوث في الربع القريب القادم.
ومن المعقول أن يؤثر التقليص، في المرحلة الأولى، على نشاط الوكالة خارج مناطق السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها، ولكن من شأنه لاحقا أن يمس بنشاط المنظمة في مناطق السلطة أيضا، إلا إذا سد الاتحاد الأوروبي وغيره الفجوة الناشئة.
ظل ثقيل على أجواء الاجتماع ألقاه غياب مندوبي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، الذين دعوا إليه ولكنهم اختاروا ألا يأتوا وهاجموا عباس وقيادة السلطة بحدة على إبقائهم العلاقات مع إسرائيل، مع التشديد على التنسيق الأمني.
والإحساس المتبلور هو الطريق المسدود في العلاقات بين "فتح" والسلطة الفلسطينية وبين منظمات المعارضة الفلسطينية، إلى جانب تدهور متواصل لواقع الحياة الصعب في قطاع غزة وتثبت الانقسام بين القطاع والضفة الغربية.
إن هذه الظروف الفلسطينية الداخلية، إلى جانب اختيار القيادة الفلسطينية الانقطاع عن الإدارة الأميركية وتعظيم النهج الكدي، تستدعي من إسرائيل تمييزا استراتيجيا واضحا بين قطاع غزة، حيث يتثبت ويعمل كيان شبه دولة معاد، وبين الضفة الغربية.
هذا الكيان شبه الدولة الحمساوي في غزة يمكنه أن يكون معاديا وفاعلا، مردوعا من استخدام قوته العسكرية ضد اسرائيل، ولكنه معاد، فاشل، وعنيف تجاه اسرائيل. اما المصلحة الاسرائيلية فهي ضمان الامكانية الاولى وذلك لأن المواجهة العنيفة من شأنها أن تجر إسرائيل إلى إعادة احتلال القطاع لغرض إسقاط حكم "حماس"، دون بديل معقول في الأفق المنظور باستثناء الحكم العسكري الإسرائيلي بكل معانيه وكلفته المرافقة.
أما إمكانية المساعدة على عودة السلطة الفلسطينية للسيطرة الكاملة في قطاع غزة وتحقيق اعمار القطاع من خلال السلطة وليس من خلال "حماس"، فلم تكن واقعية حتى في افضل أيام مسيرة المصالحة، بل هي اقل واقعية بعد انعقاد المجلس المركزي في منتصف كانون الثاني 2018.
لضمان الامكانية المفضلة بالنسبة لإسرائيل في قطاع غزة، يجب الاعتراف بحقيقة وجود القطاع ككيان شبه دولة وبـ "حماس" كصاحبة السيادة، يمكن حيالها التعامل في إطار تفاهم وتعاون – ليس باتفاقات موقعة أو تسوية دائمة (غير قابلة للتحقق)، إلى جانب إبقاء الردع العسكري.
أما غاية التعاون، الذي يفترض أن يجد تعبيره ضمن أمور أخرى في بناء بنية تحتية وإصدار تصاريح عمل في اسرائيل بشكل منضبط، فستكون تحسين الواقع الانساني في المنطقة واعمارها لغرض تثبيت الردع العسكري وتقليص خطر اشتعال العنف.
في هذا الاطار ينبغي العمل ايضا على تغيير تفويض وكالة الغوث وحصره في المساعدات الانسانية الضرورية في مشاريع محددة ومراقبة، حتى بثمن مساعدة مالية أكبر، ونقل باقي الصلاحيات الى حكومة "حماس" في قطاع غزة دون دعم مالي.
أما في الضفة الغربية فسيتعين على إسرائيل أن تضع استراتيجية تقوم على أساس التفاهم بين إسرائيل والإدارة الأميركية والمعسكر العربي السني البراغماتي ولا سيما مصر، الأردن، والسعودية.
لقد سنحت لاسرائيل فرصة استراتيجية تاريخية من المشكوك أن تتكرر: ادارة أميركية متعاطفة، مستعدة لأن تغير قواعد اللعب وتحرر نفسها من المسلمات التي انسجمت مع مطالب القيادة الفلسطينية والتي طرحت كشرط لاستئناف المسيرة السياسية.
وإلى جانبها يقف المعسكر السني البراغماتي، المستعد لأن يؤيد المبادرة الأميركية، ولا يرى في المسألة الفلسطينية مسألة أساسية ومفضلة مثلما في الماضي، ويفهم الأهمية الكامنة في تعزيز معسكر إقليمي في مواجهة سعي إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي وتهديدات الإرهاب الجهادي السلفي.
مع ذلك، فان الطريق المسدود الذي علقت فيه الساحة الفلسطينية لا يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية على مدى الزمن. يمكن لاسرائيل أن تستنفد الضعف الفلسطيني في المدى الزمني القصير، ان تواصل وتقرر حقائق على الارض، وتستمتع باحساس الانجاز أو التفوق، ولكن في نظرة إلى المدى المتوسط والبعيد من شأن اسرائيل أن تجد نفسها خاسرة بسبب العبء الذي سيلقى عليها في قطاع غزة والحاجة الى اعادة تنظيم آليات السيطرة في الضفة الغربية في حالة انهيار السلطة الفلسطينية أو اخفاقات عميقة في أدائها.
إضافة إلى ذلك من شأن إسرائيل أن تعمق الفجوة بينها وبين الدول الاوروبية، وتعلق في مواجهات زائدة مع الادارة الأميركية التي ستسعى الى لجمها حتى وان كان بشكل مؤدب ورفاقي اكثر مقارنة بادارة اوباما.
ان القيادة الاسرائيلية مطالبة بالتالي بترجمة الاستعداد المعلن للتقدم في حل الدولتين القوميتين في صيغة محدودة اكثر، تحفظ مصالحها الحيوية الى جانب حفظ امكانية تنفيذ هذه الفكرة حينما تسمح الظروف بذلك. وعلى الخطوة أن تستند الى تفاهمات مع الادارة الأميركية والى توسع قاعدة الدعم لزعماء المعسكر السني البراغماتي. كل هذا بهدف وضع الفلسطينيين أمام خيار قبول تسوية انتقالية بعيدة المدى ومحدودة، في صيغة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة بغياب كل امكانية للتسوية الدائمة في الظروف السياسية القائمة، أو رفضها – مع كل ما يعنيه ذلك، بما فيه الاعتراف الدولي بالرفض الفلسطيني.

عن "مباط" عال"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: