دفاتر الأيام

ارفعوا الوصاية عن جسدي

سما حسن

2018-02-08

نظرت إلى الروزنامة المعلقة على الحائط لكي أتأكد من أننا قد وصلنا للعام الثامن عشر من القرن الحادي والعشرين، حين كانت تجلس أمامي وتشكو لي من زوجها وعقليته المتحجرة، والمصائب التي جرتها هذه العقلية عليها وعلى بناتها، فزوجها على قدر من الثراء ويحتل وظيفة مرموقة، وقد سافر وتنقل في بلاد عديدة ولكنه كان يحمل نفس العقلية ولا تتغير أو تتزحزح أو تتأثر.
اقتربت ابنتها الكبرى من الثلاثين من عمرها ورغم جمالها وشهادتها الجامعية يرفض الأب تزويجها، ويتعلل بعلل واهية في كل مرة يتقدم خاطب فيها للابنة التي تحلم بأن تتزوج وتصبح أماً مثل كل زميلاتها، ولكن السبب الرئيسي والحقيقي لرفض الوالد هو انه يعتقد ان كل من يتقدم لخطبة واحدة من بناته يكون طامعاً فيما يملك الأب من ثروة، ويرى أن هذا الميراث يجب أن يكون له وحده ولأسرته وألا يشاركهم به زوج الابنة" الرجل الغريب".
 أما المصيبة الأقدم، فقد أصر هذا الأب أن تجرى عملية الختان لبناته الخمس في صغرهن، وسافر بهن من غزة إلى مصر ليضمن سرية ما سيقوم به، ولأن  هذه العادة تنتشر في مصر، وقد كادت واحدة من البنات تفقد حياتها جراء هذه العملية، وتحدثت بالكثير من الدموع هذه الأم قليلة الحيلة عن الأيام الصعبة التي عاشتها فيما كانت بناتها الخمس يتألمن من آثار عملية الختان والتي أُجريت لهن في وقت واحد، وعُدن إلى غزة صامتات واجمات.
أما المصيبة الجديدة التي يرتكبها هذا الأب بحق بناته فقد بدأت مع أصغرهن وتبلغ من العمر اربعة عشر عاماً تعاني من آلام في بطنها وفي أسفله بالتحديد، وقد رفض الأب رفضاً قاطعاً ان تذهب الأم بالابنة إلى الطبيب، وبعد معاناة استمرت عدة أشهر حيث لاحظت الأم ان الألم يزداد في أيام محددة من كل شهر ثم ينحسر في باقي الأيام، فقد قررت الأم ان تصحب ابنتها خلسة إلى طبيبة نساء والتي أجرت الفحص الدقيق للبنت لتكتشف أنها تعاني من حالة نادرة تمنع زائر النساء الشهري من زيارة الفتاة، ويستوجب ذلك جراحة صغيرة لكي تزول آلام الفتاة، وتعيش حياة طبيعية مثل كل أنثى، ورغم تفهم الأم لهذه الحالة التي سمعت وقرأت عنها إلا أنها حين اضطرت لمصارحة الأب بالحقيقة، فقد ثار وهاج وانهال ضرباً على الأم واتهمها بأنها تتوهم، وبأن البنت "تتدلع"، وبأن ابنته سليمة ولم يُخلق بعد الانسان الذي يلمس ابنته قبل زوجها، او أن تنكشف عورة ابنته عليه.
قالت لي وهي تبكي ان الحزن والصمت يخيم على البيت الواسع الذي تفوح من جوانبه رائحة الثراء، ولكن رائحة الظلم تفوح أكثر، بناتها يلجأن لغرفهن ولا يجتمعن مع الأب، والأب يفرض سطوته على البيت بمن فيه، ويجتمع مع أبناء عمومته ويتفاخر بثروته المتزايدة وبأن بناته مطيعات، وبأن كل واحدة تساوي الف رجل لانه لم يرزق بذكور، فلا واحدة تخرج عن طوعه، ولا أخرى تفكر بتكسير كلمته النافذة، وهكذا تدور بهن الأيام ويتحركن بآلية بعد ان جفت دموعهن ولم يعد لديهن أي امل في ان تتغير حياتهن، فيما الصغيرة تـتألم وتتوجع ولا يصغي لها الأب، ويكرر عبارته المقيتة بأن دلال البنات يجلب العار، فتسكت الصغيرة وتكتم وجعها تحت غطائها الوثير.
في اليوم العالمي لعدم التسامح إزاء تشويه الاعضاء التناسلية للأنثى، يجب طرح اسئلة كثيرة عن عدم انحسار ظاهرة الختان، وعن اعتبار جزء من جسم الأنثى معيار شرفها ومجلبة لعارها، وعن حرمانها من اختيار شريك حياتها وعن حرمانها من الدفاع عن حقها في العلاج بحجة أن جسدها عورة.
في اليوم العالمي لعدم التسامح نقف أمام أم صامتة وخانعة، وبنت مغلوبة على أمرها وتقاليد بالية، وما أكثر من يستفيدون من كل هذا وهم تجار البشر والمنتفعون من وراء الختان والسحرة والمشعوذون الذين تلجأ لهم الأمهات لتليين عقول الآباء التي أكل الزمان وشرب على ما بها من أفكار.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: