ستيف بانون أكثر تهوراً من ترامب بشأن إسرائيل

2018-01-20

بقلم: دافيد هوروفيتس*

في ما يتعلق بالنقد المدمر الذي قدمه مايكل وولف للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ومجموعته الكئيبة من مخططي البيت الأبيض والساسة المتآمرين المصوّرين في كتاب "نار وغضب"، يبدو لي أن ستيف بانون، مصدر معلومات المؤلف، هو في الواقع الشخصية الشريرة في الجانب الإسرائيلي في الكتاب.

تم تصميم قصة وولف بوضوح لإظهار الرئيس ترامب في أسوأ صورة ممكنة، لكن في الأغلب وبالتأكيد ليس فقط على أساس المواد التي قدمها بانون، فقد قال وولف فعلاً منذ النشر إنه يعتقد أن الكتاب سيخرج ترامب من السياسة. من يعلم؟ قد يحدث ذلك.

لكن بشأن إسرائيل، حسب قصة وولف الساحقة لترامب، يتضح أن الرئيس قاوم تحذيرات رئيس استراتيجيته المخلوع، وحتى الآن تماشى على الخط الذي لقي ترحيبا واسعا من قبل الإسرائيليين على طول الطريق عبر الطيف السياسي، ويعكس الكثير مما وعد به خلال حملته الانتخابية.

بنيامين نتنياهو مذكور ثلاث مرات فقط في كتاب "نار وغضب". رون ديرمر، سفير نتنياهو الموثوق به لدى الولايات المتحدة والمحاور المتكرر مع الإدارة، لم يذكر على الإطلاق. زيارة ترامب لإسرائيل والأراضي الفلسطينية مذكورة في جملة واحدة. ومع ذلك فإن معظم "نار وغضب" يدور حول القضايا الإسرائيلية واليهودية.

لا يظهر ترامب معززا بالمواد ذات الصلة بإسرائيل. لا يوجد دليل على تفكير عميق أو صنع سياسات مستنيرة من جانبه. بل على عكس ذلك تماما. وولف لم يكن مهتما بنشر دليل من هذا النوع حتى لو كان موجودا. لكن بانون يقتبس صياغة أقواله بشكل حر، والفجوة بين ما كان يريد أن يفعله الرئيس وما فعله الرئيس هو أمر من السهل للجميع أن يراه بشكل يضر بمصداقية بانون.

"هل يعرف دونالد؟"
بشكل حاسم، في بداية الكتاب، يقتبس وولف على نطاق واسع عن بانون في محادثة مع "معلمه في وقت ما"، رئيس "فوكس نيوز" السابق، روجر آيلز، في كانون الثاني 2017 – أي قبل ما يزيد قليلا على أسبوعين قبل التنصيب. يكتب وولف أن بانون ينقل لآيلز ما قاله فيما يخص "برنامج" ترامب وما يسميه المؤلف نفسه "أجندة ترامب" حول إسرائيل والفلسطينيين. "في أول يوم، سوف ننقل السفارة الأميركية إلى القدس"، يقول بانون. "نتنياهو موافق تماما. شيلدون – ملياردير الكازينو، اليميني المتطرف المدافع عن إسرائيل ومؤيد ترامب – موافق تماما. نعرف أين نتجه في هذا الشأن".

ايلز غير مقتنع على ما يبدو من أن ترامب قد انضم، لأنه يسأل: "هل يعرف دونالد؟".
وتبين أن شكوكه لها أساس. كما وصفها وولف، فإن برنامج ترامب كان من الواضح أنه قد تم تقديمه بشكل أكثر دقة على أنه برنامج وأجندة بانون: "تقريبا مع غمزة – واستمر، دع الأردن تأخذ الضفة الغربية، دع مصر تأخذ غزة. دعهم يتعاملون معهم. أو اغرق وأنت تحاول. السعوديون على حافة الهاوية، المصريون في الهاوية، كلهم ​​خائفون حتى الموت من بلاد فارس..".

وكتب وولف: "عرض بانون كل هذا مع شيء من الحماسة، رجل يعيد تشكيل العالم".
في الواقع، كما نعرف، لم ينقل ترامب السفارة الأميركية إلى القدس في "أول يوم". بل أخذ وقته، مشيرا إلى المحاورين في غضون أيام من توليه منصبه، مع سذاجة مدهشة حتى لو كانت بصراحة مقبولة، أن القدس في الواقع أكثر تعقيدا مما كان يتصور. قال لشبكة البث المسيحية: "أتعلمون، إنه قرار كبير جدا". "نحن نقوم بدراسات مفصلة جدا في الموضوع، وسوف نخرج قريبا جدا. أكره أن أفعل ذلك لأن هذا ليس أنا عادة: القيام بدراسات. عادة ما أفعله هو ما يعتبر صحيحا. ولكن هذا الشان له جانبان. ليس سهلا".

بعد أشهر من ذلك، لم يتمكن ترامب من اتخاذ قرار، حيث كان متحيّرا بين القيام بما وعد به، وإعطاء اقتراح فريق السلام الذي لم ينته بعد أفضل فرصة للنجاح. "أود أن أعطي هذا الأمر فرصة قبل ان أفكر في نقل السفارة الى القدس"، قال ترامب آخر مرة في تشرين الأول.
فقط بعد عام تقريبا من تولي منصبه اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، في خطاب 6 كانون الأول مبنيّ بعناية وبدون شك فيه أهلع بانون المستقيل. قدم الرئيس هذه الخطوة في خطاب ملحوظ للرعاية والفروق الدقيقة التي ظهرت فيه، مؤكدا أنه لم يحدد معالم السيادة الإسرائيلية على المدينة المقدسة، لم يرسم الحدود، لم يحكم مسبقا على مفاوضات الوضع النهائي، وعلى وجه التحديد لا يؤيد أي تغيير في الوضع الراهن في الأماكن المقدسة.

أما فيما يتعلق بتأكيد رئيس الاستراتيجيين السابق، على أن الضفة الغربية وقطاع غزة سيتم توزيعهما إلى الأردن ومصر، فإن ترامب لم يحاول شيئا من هذا القبيل. بدلا من ذلك، بالنظر إلى اليأس المفترض لبانون واليمين الإسرائيلي، ولا سيما نتنياهو، تواصل بحماس إلى محمود عباس، وهو الشخص الذي لا يتزعزع على الدوام. دعا ترامب عباس الى واشنطن وزاره في بيت لحم، حيث عامل رئيس السلطة الفلسطينية بدرجة من المصداقية والاحترام أفزعت الكثير من الإسرائيليين، وأعطاه الفرصة لبيان أي سلاسة في صنع السلام، لخّص الكاتب.

ولمزيد من رعب أنصار بانون، أدلسون، واليمين الإسرائيلي وآخرين، حث ترامب علنا ​​نتنياهو على "التراجع عن المستوطنات قليلا". ذهب إلى حد أن يشهد لعباس علنا، مع استدعاء نتنياهو ليصغي الى جانبه، في الخطاب الأخير لزيارته الإسرائيلية. بعد دقائق من قيام نتنياهو بعرض الرئيس للجمهور في متحف إسرائيل وتقديم عباس كممول لـ"الإرهاب"، خرج ترامب على نصه المعد للإعلان بعد "عقد لقاء عظيم" مع عباس قبل ساعات قليلة، وأعرب عن اعتقاده بان الفلسطينيين مستعدون للموافقة على اتفاق سلام: "اعرف أنكم سمعتم ذلك من قبل"، قال ترامب. "انا أخبركم. هذا ما افعله. انهم مستعدون للتوصل الى السلام".

فبدلا من التسرع في سلسلة من الأعمال الأحادية الجانب من النوع الذي كان يدعي له بانون، كان ترامب يريد بوضوح أن يرى بنفسه ما إذا كان هناك طريق إلى صفقته النهائية المرغوبة التي يمكن الوصول إليه عبر الطريق الأقصر والأكثر مباشرة من الناحية النظرية: رام الله. كما افترض أنه كان قلقا من تجنّب خلق انطباع لدى السعوديين والمصريين، الذين كان يأمل أن يساعدوه على الضغط على الفلسطينيين للتوصل إلى حل توفيقي، بأنه يعتبر نفسه تجسّدا جديدا لهؤلاء المستعمرين المتخلفين من الماضي، وإعادة رسم خرائط المنطقة بشكل من المحتمل أنه لا يراعي الحقائق على أرض الواقع. بدلا من “إعادة تشكيل العالم”، كما كان يودّ بانون، يبدو أنه يظهر نوعا من الصفة مع وولف، ومعظم مراقبي ترامب المهنيين الآخرين بالتأكيد لن ينسبوها له عمدا: التواضع.

وولف يقدم لنا رئيسا ميؤوسا منه. كما أنه يقدم لنا رئيسا في نهاية المطاف يقرر أنه من الأفضل عدم التمسك بإثباتات بانون الأيديولوجية العالية.

أعلن عباس أن ترامب، بسبب جريمته بشأن القدس، قد أهمل نفسه كوسيط للسلام وأعلن مقاطعة الإدارة الأميركية بأكملها، ورفض استضافة نائب الرئيس وفريق ترامب للسلام بأكمله، وسمح "لأيام الغضب" في الأراضي الواقعة تحت سيطرته، والعودة إلى مفاوضات الوحدة مع "حماس"، التي دعت علنا ​​إلى انتفاضة جديدة عنيفة لتحرير القدس.

واعلن مسؤولو ترامب بشكل متفهّم انهم يعرفون ان تحرك القدس سيثير استجابة مريرة وسيحتاج الى فترة "تهدئة" معينة واكدوا على تصميمهم الثابت على محاولة المساعدة في التوسط في اتفاق سلام يمكن أن يرضي الجانبين.

فقط بعد أن عبث عباس بفرع الزيتون هذا، اعترف ترامب بما اعترف به المراقبون ذوو الخبرة ولخّصوا منذ فترة طويلة أن عباس ليس أنور السادات أو الملك حسين، وأن رئيس حركة فتح لم يكن مستعدا لمواجهة القصة الكاذبة عن عدم شرعية إسرائيل التي زرعها ياسر عرفات بشكل استراتيجي بين الفلسطينيين، وأنه لا يوجد في الواقع أي طريق سريع للتوصل إلى اتفاق.

فقط بعد ذلك قام ترامب بالتعبير عن غضب تجاه عباس عبر "تويتر"، مشيرا إلى أن إسرائيل كانت ستضطر إلى "دفع" تنازلات من تلقاء نفسها مقابل اعتراف ترامب بالقدس، ولكنه يتساءل الآن بمرارة عن سبب إعطاء الولايات المتحدة مبالغ سنوية ضخمة إلى القيادة الفلسطينية التي تعبر عن امتنانها بصفع للولايات المتحدة في وجهها.

لم يسمح باراك أوباما، على مدى فترتين كاملتين في منصبه، لنفسه أبدا بالوصول إلى النتيجة التي لا مفر منها بأن عباس – الذي كان قد أوقف عرض إيهود أولمرت في مناورة السلام في العام 2008 – لم يكن لديه الشجاعة، وربما الميل، لتقديم تنازلات شجاعة من أجل لقضية الكبرى المتمثلة في قيادة شعبه إلى إقامة دولة. أكمل ترامب تلك الرحلة في أقل من عام. ليس بالقول إلى الجحيم منذ البداية، كما كان بانون قد طلب منه، لكن من خلال محاولة لفرض بعض التقدم.

هذا الكاتب لا يحمل شعلة لترامب. لقد كتبت ما يلي في كانون الأول 2016: "مشكلتي مع الرئيس المنتخب ليست مع سياساته. أنا لا أعرف كيف ستكون … مشكلتي أساسية أكثر من ذلك بكثير: إنها مع ترامب الرجل، المتعصب … الرئيس المنتخب ترامب، ترامب الذي رأيناه حتى الآن، ليس نموذجا يحتذى لأطفالنا، على الرغم من أنه محبوب لدى أطفاله. من المؤسف أن نتساءل ما هي نسبة شبابنا الطموحين الذين سينظرون إلى ترامب، حين يرون أنه فاز بالرئاسة، ويعتقدون أنه هو نموذج للنجاح".

من الناحية الجوهرية، في المسائل الشرق أوسطية أيضا، من الواضح أنه من التهور أن تلقي على صهرك الذي لا يتمتع بالخبرة، وليس لديه التجربة، الدور الرئيسي للإشراف على الضغط لعملية السلام العربية - الإسرائيلية شبه المستحيلة. من المؤكد تقريبا أنها هزيمة ذاتية أن يصدر إعلان القدس الخاص بك قبل الأوان إذا كانت خطتك الإسرائيلية – العربية الشاملة للسلام تنص على التعاون مع إسرائيل ومصر والسعودية للتعامل مع إيران ثم الاعتماد على القاهرة والرياض في الضغط على الفلسطينيين من أجل معاهدة سلام. ثم مرة أخرى، بالرغم من كل الاهتمام المضني والمعرفة التفصيلية للرئيس بيل كلينتون، لم يستطع التوصل إلى تنازل من ياسر عرفات، كما لم تستطع العبارات المتعاطفة التي لا نهاية لها من باراك أوباما في إبراز الروح العلمية.

وبالطبع، أورثنا أوباما الاتفاق النووي الإيراني، وهو موضوع لم يكشف عنه بالكاد في "نار وغضب"، وهو مجال آخر تألم بسببه ترامب، العام الماضي، مفترضا أنه فهم أنه "ليس سهلا".

ما ينتظرنا في المستقبل؟
لا يسع المرء إلا أن يأمل، وإن كان يتوقع، أن يتوجه الرئيس في نهاية المطاف نحو الوسيلة الوحيدة الصالحة لإعادة صياغة المنطقة حقا، وفعلا تهميش المذهب الإسلامي المتطرف الذي يستهدفنا جميعا – عبر الطريق الطويل والمضني للتعليم: باستخدام النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها في العالم الحر في حملة استراتيجية متضافرة لهزيمة التطرف الذي نشره الزعماء الروحيون، المسؤولون التربويون، الشخصيات السياسية، والأنظمة بأكملها، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ولسوء الحظ، من المرجح جدا أن يكون لدينا في المستقبل الكثير من سنوات إراقة الدماء والمرارة. في هذه الحالة، أنها رحمة صغيرة أنه لم يعد لدينا، بفضل رئيس الولايات المتحدة، كبير الاستراتيجيين والعضو السابق في مجلس الأمن القومي، بانون.

ترامب لم يصلح سورية. بل أثار معارضة عامة نادرة جدا من نتنياهو بسبب تردده الظاهر في مواجهة الطموحات العسكرية الإيرانية في سورية. هذا عمل محفوف بالمخاطر جدا بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أراهن أنه يقضي الكثير من الوقت غير المبلغ عنه على الهاتف مع الرئيس الأميركي. وبعد أن كشف ألوانه بقوة على سارية ترامب، بما في ذلك حين أخذ على نفسه تحرير ترامب من أي نزعة معاداة للسامية من خلال الإعلان أن "ليس هناك مؤيد أكبر للشعب اليهودي من ترامب" – أين سيكون نتنياهو؟ في الواقع أين ستكون إسرائيل لو كان الرئيس، الذي لا يتكرم للمعارضة العامة، تحول ضده؟

وفي نيسان تجاهل ترامب تحذيرات ستيف بانون، ووافق على إطلاق 59 صاروخا من طراز توماهوك كروز على القاعدة الجوية السورية التي أطلق منها الهجوم بالأسلحة الكيميائية يومين قبل ذلك. شكلت تلك الغارة أول هجوم مباشر من الولايات المتحدة على قوات الأسد في ست سنوات من الحرب الأهلية.

في ذلك الوقت تقريبا يذكرنا وولف بأن هناك رسالة إلكترونية مجهولة تم تعميمها في البيت الأبيض وما بعده تصف ترامب وبيته الأبيض بأنه مختلة وغير ذي كفاءة الى درجة "سيئة لا يمكن تصورها" وأن الرئيس "أحمق وهو محاط بالمهرجين".

بعد قراءة كتاب مايكل وولف، يمكن للمرء أن يستنتج فقط أن بانون نفسه كان واحدا من هؤلاء المهرجين.

في الواقع، فان افتقار بانون للحكم ينعكس في المقام الأول في قراره الانفتاح على نطاق واسع وبمرارة شديدة غلى مؤلف "نار وغضب" – في الكتاب الذي، حتى الآن على الأقل، كان له تأثير بتدمير حياة مصدره.

____________________________

عن "تايمز أوف إسرائيل"
* المحرر المؤسس لـ"تايمز أوف إسرائيل". وكان رئيس هيئة التحرير في "جروزالم بوست" (2004-2011) والـ"جروزالم ريبورت" (1998-2004). 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
الانتفاضة الأولى .. بالألوان...
آراء
رجب أبو سرية
فاصل أخير قبل المنعطف
آراء
مهند عبد الحميد
إلى أي مدرسة دينية تنتمي فلسطين...
آراء
عبير بشير
«الأم» ميركل
نقطة ضوء
حسن خضر
لماذا أكره دونالد ترامب..!!
دفاتر الأيام
زياد خدّاش
أغاني السماء العالقة
اقرأ المزيد ...