آراء

قرار "الليكود" بالضم: فرص السلام تتلاشى

أشرف العجرمي

2018-01-03


قرر حزب "الليكود" الإسرائيلي اليميني الحاكم أن يفتتح عام 2018 بتبني مشروع ضم المستوطنات اليهودية في الضفة والقدس المحتلة، وينص مشروع القرار على أنه "في الذكرى الخمسين لتحرير يهودا والسامرة، بما فيها القدس، عاصمتنا الأبدية، تدعو اللجنة المركزية لليكود قيادات "الليكود" المنتخبة للعمل من أجل السماح بالبناء الحر، وتطبيق قوانين إسرائيل وسيادتها على مجمل المجال الاستيطاني المحرر في يهودا والسامرة". بمعنى الذهاب نحو الضم الكامل لأغلبية مناطق (ج) ومستوطنات القدس خارج القسم الذي تم ضمه إلى إسرائيل في العام 1967 بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على العرب واحتلت فيها الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. وتبنت الكنيست مشروع قرار يقضي بعدم الموافقة على اي تغيير في حدود القدس إلا بموافقة ثلثي أعضاء الكنيست كحد أدنى أي موافقة 80 عضواً على الأقل، وتم شطب التعديل الذي طالب الوزير زئيف إلكين بتضمينه في نص القرار والقاضي بإخراج الأحياء العربية الواقعة خلف الجدار من حدود بلدية القدس.
في الواقع هذا القرار يأتي ترجمة أمينة لما فهمه اليمين الإسرائيلي من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل والبدء بإجراءات نقل السفارة الإسرائيلية إليها. ولعل ما صرح به رئيس الكنيست يولي إدلشتاين الليكودي يعكس ذلك بوضوح حيث قال "لقد حان الوقت لفرض السيادة، والآن كل شيء يعتمد علينا، والخطوة الأولى لإعلان ترامب هي ضم مستوطنة "معاليه أدوميم" إلى القدس". وأضاف "إن إعلان ترامب فتح عهداً جديداً لدولة إسرائيل في القدس والضفة الغربية". وهذا تفسير يترجم على أرض الواقع دون أي رد فعل أميركي. أي أن الرئيس ترامب ليس لديه مشكلة إطلاقاً في اطلاق يد إسرائيل لضم ما تشاء من الضفة بعد حصولها على اعتراف ضمني بضم القدس الشرقية وبعد خروج الولايات المتحدة عن قرارات الأمم المتحدة وقواعد الإجماع الدولي وأسس ومرجعيات العملية السياسية.
الحرب التي تشنها واشنطن وإسرائيل على الأمم المتحدة باعتبار أنها منحازة ضد إسرائيل وتأخذ قرارات أحادية الجانب يراد منها في الحقيقة تدمير المرجعيات الدولية وعدم الاعتماد على قرارات الأمم المتحدة كقاعدة للتسوية السياسية للصراع في هذه المنطقة. وهذا يجعل الحل مرتبطاً فقط بموازين القوى المحلية وما تستطيع إسرائيل فرضه على الأرض بقوة الاحتلال والقوة العسكرية. أي أن التسوية بالمفهوم المتعارف عليه منذ مؤتمر مدريد، والقائمة على قرارات مجلس الأمن الدولي 242 و338 وخارطة الطريق والمبادرة العربية للسلام والقرار الأخير لمجلس الأمن 2334 الذي يفصل إسرائيل عن الأراضي المحتلة منذ حزيران من العام 1967، ولا يقر بأي فعل قامت أو تقوم به إسرائيل في هذه الأراضي ويعتبره غير قانوني، لم تعد قائمة. وبالتالي لم يعد منطقياً الحديث عن مفاوضات أو وساطات على الطريقة القديمة التي لم تنجح في ظروف أفضل بكثير من الحالية في ظل حكومة يمينية إسرائيلية لا تؤمن بمبدأ التسوية القائمة على موافقة الطرفين وعلى المصالح المشتركة، وإدارة أميركية لا تتميز فقط بالجهل والصلف بل وبمواقف متطرفة تتجاوز حتى اليمين الأكثر تشدداً في إسرائيل.
هناك ضرورة قصوى فلسطينية لإعادة ترتيب الأوراق والخيارات الوطنية وربما يكون انعقاد المجلس المركزي فرصة لاتخاذ مواقف وقرارات تتناسب مع حجم التحديات والمخاطر المترتبة على القرار الأميركي والسياسة الإسرائيلية التي خرجت عن نطاق الحفاظ حتى على شعرة معاوية فيما يتعلق بمستقبل التسوية السياسية، وبلغت في مستوى تحديها للمجتمع الدولي إلى المجاهرة في كسر كل القواعد والقوانين والأعراف. وإذا كان الحديث عن بحث آفاق مستقبل القضية فلا معنى لأي موقف أو قرار قبل إنهاء الانقسام. وأي ادعاء بأي توجه وطني لمواجهة الخطر القادم على القضية الوطنية قبل إنهاء الانقسام هو مجرد شعارات فارغة لا تحمل أي مضمون. وبدلاً من الحديث المخجل عن كم صرفت السلطة الوطنية على قطاع غزة وكأن الذي يتحكم بالموازنة ويصرف هو جهة خارجية تقدم مساعدة لدولة أو شعب آخر وتقدم لها معروفاً، فليتم فوراً انهاء الانقسام ورفع الظلم عن غزة التي تتحمل العبء الأكبر في مواجهة الاحتلال وطالما كانت كذلك في كل مراحل الكفاح.
لن ننجح في إظهار أية جدية فلسطينية لإسرائيل وللعالم الخارجي بما في ذلك أصدقاؤنا في رسم سياسة جديدة قادرة على مواجهة التحديات الجسيمة القائمة والمستقبلية إذا لم نقم فوراً بتوحيد صفوفنا وحشد كل طاقات الشعب الفلسطيني في هذه المواجهة التي تتطلب اعتماد استراتيجية موحدة وخطط كفاحية منسقة وتحظى بإجماع وطني، لا أن نتصرف كالعادة وكل طرف يغني على ليلاه. فنحن نقف على مفترق طرق خطير ولأول مرة منذ الانتفاضة الأولى هناك توافق فلسطيني- فلسطيني على الخطوط العامة للتسوية السياسية والجميع بات يقبل بمبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ونحن بحاجة للوحدة الكاملة في التكتيك والإستراتيجية في السلام والكفاح ولم يعد هناك وقت لإضاعته ولا للتفكير بأجندات شخصية ومصالح فردية أوفئوية على حساب المصلحة الوطنية. ولم يعد هناك مجال لترك هذه الأجندات تخرب مسيرة الوحدة. ومن المفيد التفكير بخطط عمل خارج إطار الصندوق وما هو تقليدي. ولعل فكرة التراجع الكامل عن مبدأ تبادل الأراضي في أية تسوية قد تكون رداً مناسباً على سياسة "الليكود" والحكومة الإسرائيلية وحتى على قرار ترامب المشؤوم.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: