آراء

صفقة القرن، حقيقة أم وهم؟

عبد الغني سلامة

2018-01-02

في دراسة منشورة على "أوراق فلسطينية"، العدد الأخير، وكنت قد أعددتها قبل نحو ستة أشهر من قرار "ترامب" الأخير بشأن القدس، بعد استعراض محددات السياسة الأمريكية لإدارة "ترامب" تجاه الشرق الأوسط، خلصتُ إلى القول بأنه لا وجود لما يسمى "صفقة القرن"، وكل الحديث بشأنها إما تكهنات، أو تسريبات صحافية لأغراض سياسية، غالبا ما تقع في إطار الحرب النفسية..
وطالما أن الصفقة المزعومة مقترنة بشخض الرئيس "ترامب" من المفيد إلقاء نظرة سريعة على شخصيته، وإذا استعرضنا تعهداته قبل وأثناء حملته الانتخابية، سنجد أنها تغيّرت أكثر من مرة، وباتجاهات متعددة، مثلا في البداية تحدث عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وأن على إسرائيل دفع ثمن ما تحصل عليه من دعم أميركي، ثم انقلب بشكل شامل إلى أن وصل إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مع تعهد بنقل السفارة إلى القدس.
هذه المواقف والتصريحات المتعارضة تصعّب من عملية التكهن بتوجهاته، خاصة وأنه لم يعتمد في نجاحه على دعم اللوبي الصهيوني (رغم تقربه منه)، ولم تتكون شخصيته السياسية داخل أيٍ من الحزبين الكبيرين.. وهو متحرر إلى حد ما من تأثيرات وضغوطات اللوبيات الاقتصادية الأميركية (رغم أن السياسة الأميركية عموما تعمل على خدمتها بالأساس).. وقبل ذلك، فهو لا يملك رصيدًا سياسيًّا، وليست لديه خبرة كافية على صعيد السياسات الدولية، وتتسم تصريحاته بالفوضى وعدم الانسجام.
وقد أجمع 25 طبيبا وعالم نفس أميركيا على أن "ترامب" لا يتمتع بالأهلية، وأنه صاحب شخصية مضطربة متقلبة ونرجسية.
ومع وجود مؤسسات دستورية تحد من صلاحيات الرئيس، إلا أن الفريق الذي يختاره الرئيس يلعب دورا هاما في رسم سياسات الولايات المتحدة، وتحديد أولوياتها.. ومع ذلك، يظل الموقف الأميركي ثابتا تجاه إسرائيل، فمنذ قيامها تبنتها أميركا بشكل كامل، وشكلت لها الحاضنة السياسية والاقتصادية الأهم والأقوى، ودعمتها في مجلس الأمن ضد كل محاولات إدانتها، وقدمت لها المساعدات الاقتصادية والعسكرية.
وطوال العقود الماضية، اتسمت السياسة الأميركية بالاستقرار النسبي تجاه التفاعل مع الأطروحات المختلفة للقضية الفلسطينية، وظلت تحكمها محددات عامة، تنطلق من ثلاثة محاور أساسية، وهي: الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل وضمان تفوقها، واعتبار إسرائيل التجسيد الوحيد للديمقراطية في الشرق الأوسط، وتأثيرات اللوبي اليهودي في أميركا والمسيحيين الصهيونيين.
الانقلاب الأخطر في السياسة الأميركية الجديدة، عدم اعتبار المستوطنات الإسرائيلية عائقًا أمام السلام، والتوقف عن إدانة بنائها، وعلى ضوء ذلك، رجح محللون بأن إدارة "ترامب" ستتساهل إزاء الإستيطان، الأمر الذي سيقوي توجهات اليمين الإسرائيلي، وسيعزز محاولاته لضمِّ أجزاء من الضفة الغربية، دون خوف من أية معارضة حقيقية من الإدارة الأميركية الجديدة، وأن اليمين الإسرائيلي سيكون طليق اليدين إلى حد كبير في تنفيذ سياساته، وأكثر جرأة في مواصلة اعتداءاته تجاه الفلسطينيين.
وبصورة عامة، لن يحظى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بأولوية على جدول أعمال الإدارة الأميركية الجديدة، نظرا لانشغالها (ومعها بقية العالم) بقضايا باتت تعتبرها أكثر سخونة وأهمية، وعلى رأسها الإرهاب. ومع ذلك، سوف توليها بعض الاهتمام، ولكن لصالح إسرائيل.
ولا يعتبر "ترامب" حل الدولتين شرطا لتحقيق السلام، وقد صرح بأنه سيدعم أي حل يتفق عليه الطرفان، وهذه أكبر خدعة إعلامية، لأنها تعني عدم الضغط على إسرائيل بأي حال، بل تركها حرة في تثبيت الحل الذي تريده بخطوات متسارعة وثابتة كأمر واقع.. وفي المقابل ستعارض أمريكا أية خطوات فلسطينية يمكن أن تكون من منظورها، خطوات أحادية الجانب، مثل التوجه للمحاكم الدولية، أو للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطينية. وستعرقل مثل هذه التحركات، وستستخدم "الفيتو" ضد أي حلٍّ يتبناه مجلس الأمن الدولي.
وفيما يتعلق بصفقة القرن، يمكن القول أن الإدارة الأميركية الجديدة ليس لديها خطة واضحة، بل تصورات عامة، ترمي إلى تحقيق حل شامل ومتعدد الأطراف للصراع العربي الإسرائيلي، بدلاً من حل ثنائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أي أن أطروحات التسوية الإقليمية ستقوم على تحويل التسوية مع الفلسطينيين إلى التسوية مع بعض الدول العربية، وتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل، ومن ثم حل المسألة الفلسطينية في الإطار العربي، أي ربط غزة مع مصر، وما تبقى من الضفة مع الأردن، في إطار كونفدرالي مثلاً، أو بإقامة دولة في غزة مع ضم مساحة من سيناء، وترك الضفة مع الأردن و/أو إسرائيل في إطار كونفدرالي.
أو تقوية وضع السلطة الفلسطينية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمناطق الفلسطينية، لكن دون دولة مستقلة.. مع استمرار سياسات الضم والتوسع والاستيطان، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتغييب حق العودة.. باختصار، ما هو مطروح تسوية إقليمية ذات بعد اقتصادي وسياسي وأمني، هدفها تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، هذا يضع الفلسطينيين بين خيارين، إما القبول بما هو مطروح، أو بقاء الحال على ما هو عليه؛ وفي الحالتين فإن إسرائيل هي الرابحة، إلى حين تحسن موازين القوى نسبيا، بتغيير المعادلات دولياً وإقليمياً وعربياً.
تلك الخطوط العامة لما يسمى صفقة القرن، والتي كانت ستمر، بتهديد أميركي، وضغط عربي، وتواطؤ دولي، وكانت ستضع القيادة الفلسطينية في موقف بالغ الصعوية؛ فهي لن تستطيع الموافقة، وستكون تكلفة الرفض باهظة جدا.. بيد أن تسرع "ترامب" بقراره الأرعن، أدى إلى إفشال المخطط من حيث لا يدري ولا يريد..
فرغم خطورة قرار "ترامب"، إلا أنه من ناحية ثانية وفر فرصة ذهبية للفلسطينيين، فقد عارضت القيادة الفلسطينية وبشدة قرار ترامب، بل وصلت حدة موقفها المطالبة بإخراج أميركا من التسوية، ورفض التعامل معها كراع للسلام.. وهذا يعني عمليا الانسحاب من التسوية السياسية، التي ستتوقف تلقائيا، فلا يمكن لأميركا وإسرائيل القبول بعملية سياسية تجري دونها، برعاية صينية أو أوروبية.. وأيضا، ولأن السياسة لا تقبل الفراغ، ستمر فترة غير قصيرة، قبل أن تتبلور صورة واضحة لشكل ومرجعيات العملية السلمية.. وربما هذا يمكّن الفلسطينيين من التنصل من تبعات "صفقة القرن"، ومن فرض شروط، أهمها تراجع ترامب عن قراره، وتحسين شروط التسوية، خاصة وأن الموقف الفلسطيني أوقف (مؤقتا) مسار التطبيع العربي، وأجبر الزعامات العربية على تبني موقف معارض لقرار ترامب (ولو ظاهريا)، وخلق موقفا دوليا غير مسبوق بعزل أميركا.
الأهم من هذا، أن قرار الليكود بضم الضفة الغربية، يعني تأزيم الموقف، وبالتالي إيقاف التسوية فعليا لأمد مفتوح، وفي هذه الفترة على الفلسطينيين تصعيد المقاومة الشعبية، وإشعال الأرض المحتلة، ومواصلة الهجوم السياسي والدبلوماسي والقانوني في الساحة الدولية.
ستظل الفترة القادمة غامضة ومبهمة، وما ستتمخض عنه الأحداث، يتوقف على الفعل الفلسطيني أولا، وعلى ردود الفعل العربية الرسمية والجماهيرية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: