آراء

تجربة القيادة الوطنية الموحدة: شهادة محمد اللبدي

مهند عبد الحميد

2018-01-02

مضى ثلاثون عاما على الانتفاضة الوطنية الكبرى، وعلى الإعلان عن «القيادة الوطنية الموحدة» التي نقلت الانتفاضة من حالتها العفوية إلى فعل شعبي منظم. الانتفاضة حدث تاريخي هز دولة الاحتلال وأهال التراب على مقولتها الاستعمارية الزاعمة بأن الشعب الفلسطيني يتعايش مع احتلالها المستنير.
ومنذ اندلاعها تفاعل هذا الحدث التاريخي مع شعوب ودول عربية وعالمية، فقد حاك العديد من الحركات الاجتماعية والشبابية تجربة الفعل الريادي للمنتفضين، واستلهمت شعوب عربية التجربة في انتفاضاتها السلمية الديمقراطية، لكنها أجهضت لأسباب عديدة.
فلسطينياً، تُستحضر الانتفاضة ويُستقوى بها في محاولة للخروج من المأزق، ويتم أيضا استثمارها فرديا وفئويا، الأمر الذي يجوز معه القول، ثمة خلل منهجي في رؤية التجربة عنوانه الانتقائية والنظرة أحادية الجانب. تجربة الانتفاضة تستحق التعمق في قراءتها ونقدها واستخلاص دروسها. في هذا السياق، استوقفتني شهادة الصديق محمد اللبدي الموضوعية والمسؤولة حول تشكيل القيادة الوطنية الموحدة، ونظرا لأهميتها رأيت من المناسب استضافتها في الحيز المخصص لمقالي.
شهادة محمد اللبدي
كيف تأسست القيادة الوطنية الموحدة؟
قبل اندلاع الانتفاضة لم يتوفر إطار تنسيقي مركزي موحد بين الفصائل الفلسطينية داخل الوطن. ولم يغير من هذا الواقع وجود تنسيق ثنائي وأحيانا أكثر وعند الضرورة. كان التنسيق غير منتظم ويعتمد على مبادرة وينحصر في بعض الأماكن كمدينة القدس مثلا. وقد شهد العام 1986-1987 حالة متسارعة ومتزايدة من الانقسامات النقابية في الحركة العمالية، حيث تكرس وجود ثلاثة اتحادات عمالية تابعة لكل من حركة فتح والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، وبدورها باشرت الجبهة الشعبية بإنشاء نقابات عمالية خاصة. العمل غير الموحد انسحب على المنظمات النسوية والشباب وطغى العمل الجماهيري الفئوي على العمل الوطني والجماهيري الموحد.
جاء حادث الدهس الإسرائيلي الذي أدى إلى استشهاد العمال (الستة) في مخيم جباليا ليكون الشرارة التي أشعلت حريقا عم الوطن وكان على شكل انتفاضة عفوية شاملة، أحدثت أكبر زلزال ضد الاحتلال، وأحدثت أكبر تحد للتنظيمات وقياداتها. وأدى انخراط قواعد التنظيمات في الانتفاضة وكأنها جزء من الحركة العفوية، ليزيد في حرج التنظيمات التي حاولت منفردة التقاط زمام المبادرة لتنظيم وقيادة الانتفاضة. 
وبصفتي أمين سر المكتب التنظيمي العمالي للجبهة الديمقراطية في الوطن، دعوت إلى اجتماع يوم 7/1/ 88 حضره أعضاء المكتب العمالي ومن أبرزهم عدنان النتشة والشهيد أحمد الكيلاني ومحمود زيادة، اقتصر على بند واحد هو دورنا في الانتفاضة، كان اجتماعاً عاصفاً شدد على ضرورة التحرك بخطوات عملية عاجلة لترشيد الانتفاضة وطالب بإنزال نداءات موحدة باسم الحركة الوطنية. وقرر الاجتماع العمل بأقصى واسرع جهد لتوحيد الجهود عبر الاتفاق مع الشركاء في الحركة الوطنية. انتهى الاجتماع ليلا وعدت إلى منزلي في مدينة البيرة بصحبة جمال زقوت عضو المكتب العمالي عن قطاع غزة وزوجته نائلة لتعذر سفرهم إلى غزة. كنا أربعة في تلك الليلة: جمال ونائلة وأمل وأنا. وفي حوالي الساعة الثامنة من مساء تلك الليلة الماطرة حضرت الرفيقة آمنة الريماوي (عضو المكتب التنظيمي العمالي) على عجل، ورمت في وجهي ورقة وقالت غاضبة، «القوى الأخرى بتشتغل وأنتوا بطقوا حنك»! وخرجت مسرعة. كانت الورقة نداءً مروساً باسم الحركة الوطنية الفلسطينية يدعو الجماهير للنزول إلى الشارع أيام 8 و9 و10. كانت لغة البيان فوقية وفيه تهديد للمحلات التجارية التي لا تغلق أبوابها، البيان لا يتناسب مع المزاج الثوري العام. إثر ذلك، وتحت ضغط اجتماع المكتب التنظيمي العمالي، وردة فعل الرفيقة آمنة، ولهجة التهديد المضمنة في البيان، ارتأينا بأن النداء سيكون له تأثير سلبي، وأن الاندفاعة الثورية للجماهير تقتضي التعامل بأسلوب جديد وبروح الوحدة الوطنية. ولما كان من المتعذر انتظار اجتماع الهيئات، اقترحت إنزال نداء وطني عام قبل الصباح ووافقني الثلاثة الجالسون.
استعنت بالرفيق نادر الجعبة - رجل المهمات الصعبة - لتقصي مصدر النداء الموزع، ولتأمين مطبعة. عاد نادر سريعا وقال إن اثنين مقربين من حركة فتح هما اللذان أحضرا النداء وطبعا منه خمسة آلاف نسخة.
بعد التداول اتفقنا على اسم القيادة الوطنية الموحدة لتصعيد الانتفاضة وعلى شعار (لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة)، ومن أجل إتمام العملية بسرعة طلبت من جمال زقوت كتابة المقدمة التعبوية للبيان وشرعت بكتابة البرنامج السياسي والنضالي والمهمات. وفي أقل من 15 دقيقة أنهينا كتابة النص. واتفقنا على وضع رقم 2 وليس 1 على البيان منعاً لأي حساسيات أو التباس في الشارع. وكان علينا أن نؤمن صف النداء على الآلة الطابعة، فطلبت من نادر الجعبة إحضار الرفيقة فايزة يوسف سكرتيرة لجان العمل النسوي من قرية الجانية لطباعة البيان. أنجزنا المهمة وذهب نادر بالنداء رقم 2 إلى العيسوية وطبع 45 ألف نسخة منه، وعاد حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل ومعه حمولة البيانات التي أرسلت إلى بيت ربحي العاروري والهام زقوت ليتم توزيعها إلى المناطق. شارك في تلك الليلة العشرات من الرفاق والرفيقات ومن الأصدقاء وعملوا جميعا كفريق واحد بتفان وإخلاص وحماسة لتأمين التبكيت والسيارات ومرافقين من العائلات لتوزيع البيان في كافة المناطق ليلا. وبدأ التوزيع بإيقاع سريع مستهدفا نشطاء ومراكز وقوى من جنين شمالاً إلى الخليل جنوباً، وأرسلت كمية قطاع غزة مع سائق عمومي صديق. انتهى التوزيع قبل بزوغ الفجر ولم نكن نتوقع النتائج.
في التاسعة صباحاً من يوم 9 كانون ثاني، تحدثت الإذاعة الإسرائيلية عن إضراب تجاري عام يسود المناطق المحتلة وعن إغلاق طرق وشوارع وبدء مناوشات في العديد من الأماكن، ولاحظنا الالتزام الدقيق بالنداء رقم 2. حينها شعرنا بأن مبادرتنا نجحت وان لا أحد يستطيع إعادة العجلة للوراء.
 بعد ذلك عُقِد اجتماع للقيادة المركزية للجبهة التي تبنت النداء 2، واتخذ قرارين: الأول الاتصال المركزي الفوري مع الشركاء لبحث تشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، وكلف الرفيق عدنان النتشة وعمر عساف بالمهمة. القرار الثاني: تحويل هيكلية التنظيم من قطاعي إلى مناطقي لتلبية مهمات الانتفاضة وتجاوز الصعوبات.
جرى الاتصال بحركة فتح عبر د. سمير شحادة الذي رحب وأيد تشكيل قيادة وطنية موحدة، بعد اتصاله بالقائد خليل الوزير «أبو جهاد» الذي يسجل له هذا الموقف التاريخي وهو الأكثر استجابة للمنتفضين. اعتبر أبو جهاد خطوة القيادة الوطنية الموحدة التي حظيت بالتفاف جماهيري واسع موقفا صائبا وضروريا لتصعيد وتطوير الانتفاضة. ووافقت الجبهة الشعبية فورا على المشاركة. أما الحزب الشيوعي فقد رفض المشاركة اعتقادا منه بأنها تشكيل بيروقراطي أُسقط من فوق.
وتشكلت أول هيئة لـ(ق.و.م) بمشاركة مندوب عن كل من «فتح» و»الشعبية» و»الديمقراطية» وصدر عنها النداء الثالث. وانضم الحزب الشيوعي في النداء الرابع بعد أن تبين له أن الهيئة الجديدة ليست تشكيلاً بيروقراطياً. ومنذ ذلك الوقت جرى إعداد مسودات النداءات المتتالية كعمل مشترك. واستمرت طباعة النداءات في مطبعة العيسوية من خلال نادر الجعبة إلى أن دوهمت المطبعة في النداء السابع...... يتبع

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: