الاحتجاجات الكبيرة في ايران: الخلفية والسيناريوهات

2018-01-01

بقلم: تسفي برئيل
   توجد للمظاهرات ديناميكية معدية، هذه العدوى جربتها الانظمة في مصر وتونس واليمن وسورية على جلودها، بالضبط كما تعلم النظام في ايران منذ اجيال الخوف منها.
 المشكلة مع المظاهرات هي أن بدايتها لا يمكنها أن تظهر كيفية تطورها.
هل المظاهرات التي جرت في مدينة مشهد يوم الاربعاء الماضي، تسببت بالعدوى لمدينة كرمن شاه التي تعرضت لهزة ارضية شديدة في هذه السنة، وانتقلت الى العاصمة طهران ومدن اخرى، سيتم وقفها بسلسلة اعتقالات واستخدام وسائل تفريق المظاهرات العادية مثل الغاز المسيل للدموع والاعتقال والعقاب الشديد أم أنها ستستجمع القوة وتطرح مرة اخرى المشهد المزعزع للعام 2009، الذي لم تهدأ منه ايران حتى الآن؟.
 المظاهرات المحلية ليست امرا جديدا في ايران، قبل الاتفاق النووي وبعده ايضا.
المعلمون وموظفو البلديات وموظفو الشركات الحكومية خرجوا في السنوات الاخيرة في مظاهرات وقاموا بالاضرابات، على خلفية الضائقة الاقتصادية، وعدم دفع الرواتب في الوقت المحدد وظروف عمل صعبة.
ايضا الشعارات ضد الرئيس حسن روحاني، الرئيس الذي لم يف بوعوده حتى الآن، لم تكن نادرة. اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل أخرجت آلاف الايرانيين الى الشوارع، مثلما تظاهر الاكراد والعرب في ايران من اجل المطالبة بالحقوق.
في كل مرة نجح النظام في ثني المتظاهرين عن موقفهم – بالاساس بواسطة ضخ الزيادات في الاجور، واجراء المفاوضات التي أدت الى الاستجابة لمعظم طلبات المتظاهرين، أو بواسطة استخدام القبضة الحديدية ضد المتظاهرين القوميين.
 في هذه المرة يبدو أن الاسباب أكثر شمولية وتتعلق بامراض مزمنة وأصيلة مثل البطالة التي لا تقل عن 12 في المئة وارتفاع الاسعار وتقليص الدعم ورفع الضرائب والفساد الكبير وتدخل ايران في سورية واليمن، وبالاساس غياب أفق اقتصادي رغم رفع العقوبات عن الدولة كجزء من الاتفاق النووي.
  المظاهرات لا تنسب الى حركة أو تيار سياسي معين، على الاقل ليس في الوقت الحالي.
وهي موجهة في الحقيقة ضد روحاني، لكن سمعت ايضا شعارات مثل «الموت للديكتاتور» الموجهة ضد الزعيم الاعلى علي خامنئي.
هكذا فهي ليست فقط تعبير احتجاجي مقطوع عن السياق السياسي.
 الاصلاحيون الذين لم يقوموا بدعم الاحتجاجات حتى الآن، يمكنهم أن يعرضوا بواسطتها قوتهم الجماهيرية ضد سلوك النظام الذي كبح التقدم وحقوق الانسان، في حين أن المحافظين يمكنهم التدليل بواسطتها على عدم حيلة روحاني، خصمهم.
من شأن هذه المظاهرات أن تثير قسمي النظام، روحاني يمكنه أن يعلي بواسطتها الحاجة لتحسين مكانة حقوق الانسان واجراء اصلاحات في الثقافة، من اجل «الحفاظ على استقرار النظام»، وبنفس الذريعة يمكن للقيادة المحافظة أن تتمسك بتقييد صلاحيات روحاني.
ولكن رغم صراع لي الايدي الذي يجري بين قسمي النظام، وبصورة متناقضة، تحث الاحتجاجات الايرانية النخبة الحاكمة في الطرفين لبذل الجهود من اجل التوصل الى تفاهمات لتهدئة الغضب.
ولكن اذا كانت خطوات ثورية مثل خفض الضرائب وزيادة مخصصات المساعدة لقليلي الدخل، توجد في أيدي النظام، فان تغيير هيكلية السوق وانشاء مصانع كبيرة تستوعب ملايين العاطلين أو تقليص التدخل الايراني في الدول الاجنبية، هي خطوات بعيدة المدى وجزء منها لا يتعلق بالنظام.
مثلا، رفض الرئيس ترامب للمصادقة على التزام ايران بالاتفاق النووي، والمحادثات حول فرض عقوبات امريكية اخرى، جمدت حماسة المستثمرين والدول للتوقيع على اتفاقات جديدة أو تنفيذ اتفاقات تفاهم وقعت مع ايران في السنتين الاخيرتين.
روحاني نجح وبحق في تقليص التضخم من 35 في المئة في 2013 الى 9 في المئة هذه السنة، وزيادة التصدير جلبت لايران فائضا يصل الى 30 مليار دولار، واتفاقات كبيرة جدا مع روسيا والصين وباكستان يتوقع أن تدخل للدولة عشرات مليارات الدولارات والتجارة مع الاتحاد الاوروبي تضاعفت الى اكثر من 10 مليارات دولار، ولكن هذه الاتفاقات ما زالت لم تترجم الى اماكن عمل واجور.
النجاح العسكري والسياسي لايران ايضا، ولا سيما في الشرق الاوسط، الذي يمنح ايران مكانة الدولة العظمى الاقليمية، يعزز في الحقيقة مكانة ايران الدولية، ولكنها تعتبر وكأنها جاءت على حساب رفاه ومستوى معيشة المواطن الايراني الذي يدفع من امواله ثمن الحرب في اليمن وسورية.
يمكن الافتراض أن السياسة الخارجية ايضا عندما تكون ناجحة وتزيد الفخر القومي، لا تستطيع  التعويض عن فشل السياسة الداخلية، لا سيما عندما يتعلق الامر بالاقتصاد.
ولكن ليس من نافلة القول أن ايران نفسها طرحت مثالا حول كيف أن السياسة الخارجية للشاه ساهمت بشكل كبير في تحقيق الثورة الاسلامية في 1979.
 في الوقت نفسه، وخلافا للحرب الايرانية العراقية التي كلفت نحو مليون قتيل على مدى عشر سنوات، فان الحرب في سورية واليمن لم تتحول الى مقابر للجنود الايرانيين، والاحتجاج ضدها الآن هو في الاساس اقتصادي وليس وطني.
 بناء على ذلك لا يجب أن نسارع الى حبس الانفاس تمهيدا لسقوط النظام بسبب تدخله في الحروب الاقليمية.
النظام الايراني يمتنع في الوقت الحالي عن اغراق شوارع المدن بمتطوعي «الباسيج» المسلحين، أو الارتفاع درجة وادخال حرس الثورة للعمل.
 إن الانتشار الجغرافي للمظاهرات في المدن المختلفة في الدولة يمكنه خلق الانطباع بأن الدولة تشتعل، لكن عدد المتظاهرين في كل مدينة قليل نسبيا ويمكن استيعابه.
الاستمرار مرتبط الآن بالطريقة التي يحسب فيها النظام خطواته، سواء في النضال السياسي بين النخب الحاكمة أو أمام الجمهور.

 عن «هآرتس» 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: