ارتفاع في إيرادات الخزينة وتراجع ملحوظ في المساعدات الخارجية والعجز 870 مليون دولار

حصاد 2017: مشاريع إستراتيجية رغم استمرار التباطؤ في الاقتصاد الفلسطيني

2017-12-31


بورصة فلسطين في المنطقة الخضراء ونمو ملحوظ في مؤشرات الجهاز المصرفي

رام الله -جعفر صدقة- "وفا": بين بداية العام 2017 وربعه الثالث، هبطت توقعات النمو في الاقتصاد الفلسطيني بنصف نقطة مئوية، وعلى الأرجح فإن البيانات الختامية الفعلية ستظهر اتساعاً أكبر في الفجوة بين التوقعات وما تحقق فعلاً على الأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار الأحداث الأمنية والسياسية في الربع الأخير من العام.
تنبؤات الدوائر الرسمية والمؤسسات الدولية، أجمعت على استمرار التباطؤ في النمو الاقتصادي ليراوح في العام 2017 حول 3% منخفضاً من 3.3% في العام 2016، لكن ما لبث سقف التوقعات أن بدأ بالانخفاض ليصل في نهاية الربع الثالث من العام إلى 2.5%، تحت وقع الأحداث السياسية والأمنية في فلسطين ودول المنطقة، وتبعاً لذلك، ارتفع معدل البطالة من 27.6% في توقعات بداية العام، إلى 29.2 في الربع الثالث.

ثلاثة سيناريوهات للتخطيط
في الحالة الفلسطينية، فإن عمليات التخطيط، والتنبؤ، تتم على أساس ثلاثة سيناريوهات تبعاً للتوقعات بشأن الوضع السياسي والأمني، وهي: سيناريو متفائل يفترض دفعة في العملية تتيح أفقاً لحل الصراع مع إسرائيل، والثاني متشائم ويفترض انحدار الأوضاع نحو المزيد من عدم الاستقرار والفعل وردود الفعل، والسيناريو الثالث بقاء الأوضاع كما هي عليه، وهو سيناريو الأساس والذي تبنى عليه الخطط والتوقعات.
سلطة النقد الفلسطينية، وفي تقاريرها الدورية حول تنبؤات الاقتصاد الكلي، عزت تباطؤ النمو في الاقتصاد الفلسطيني إلى جملة من الأسباب، أبرزها استمرار حالة عدم اليقين والجمود السياسي والانقسام، والقيود والمعيقات الإسرائيلية، وضعف القطاع العام مع عدم مقدرة القطاع الخاص على النهوض، واستمرار الأنشطة الاستيطانية وتقييد نشاط الفلسطينيين في 62% من مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى استمرار حصار قطاع غزة.
استنادا إلى سيناريو الأساس أيضاً، توقعت سلطة النقد والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني استمرار التباطؤ في الاقتصاد الفلسطيني خلال العام 2018، بنسبة نمو بين 2.2% و2.6%، وتراجعاً في نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 0.1% و2%، مع الاحتفاظ بمستوى عال في معدل البطالة بين 28.7% و29.3%.

مشاريع إستراتيجية
محطة لتوليد الطاقة، ومصنع للأسمنت، ونشاط ملحوظ في تطوير مناطق صناعية، أبرز التطورات في الاقتصاد الفلسطيني خلال العام 2017، فإضافة إلى أهميتها الإستراتيجية، فإن تشغيلها يعني خفضاً حاسماً في فاتورة الواردات الفلسطينية، خصوصاً من إسرائيل.
في جنين، شمال الضفة، بدأ مستثمرون بقيادة صندوق الاستثمار، الصندوق السيادي لفلسطين، بإنشاء أول محطة تقليدية لتوليد الكهرباء، بقدرة تصل إلى 450 ميغاواط وباستثمارات تتجاوز 600 مليون دولار، ويتوقع تشغيلها في العام 2019، ويتزامن إنشاؤها مع العديد من مشاريع توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، وهي مشاريع يعول عليها الفلسطينيون في تقليل واردات الطاقة من إسرائيل، والتي تتجاوز فاتورتها السنوية ملياري دولار، وكذلك في خفض كلفة الطاقة والتي تعد أحد أبرز المعيقات أمام القطاعات الإنتاجية.
مشاريع الكهرباء، من الطاقة التقليدية والمتجددة، يعكس توجه الحكومة الفلسطينية لتنويع مصادر الطاقة، بدأ في أيلول من العام الماضي بتوقيع أول اتفاقية مع إسرائيل لتوريد الكهرباء على أسس تجارية، وتضمن الاتفاق خفضاً للكلفة، وشطباً لفوائد تأخير وفروقات أسعار كانت تضيفها الشركة الإسرائيلية الموردة من طرف واحد دون استشارة الجانب الفلسطيني، إضافة إلى جدولة الديون المستحقة على شركات التوزيع، والتي عادة كانت إسرائيل تقتطعها من عائدات الضرائب الفلسطينية خلافاً لبروتوكول باريس الاقتصادي.
جنوباً، تحديداً في مدينة بيت لحم، بدأ صندوق الاستثمار، أيضاً، بشراكة مع مجموعة المناصير الأردنية، إنشاء مصنع للأسمنت، بكلفة تزيد على 300 مليون دولار، ويتوقع أن يغطي إنتاجه كامل احتياجات السوق الفلسطينية من هذه المادة الإستراتيجية في بلد يشهد نهضة عمرانية بعد حرمان لخمسة عقود.
وتبلغ حاجة السوق الفلسطينية من الأسمنت حوالى 3 ملايين طن سنوياً، يستورد 90% منها من إسرائيل، والباقي من مصر والأردن وتركيا واليونان، وتصل فاتورة الواردات الفلسطينية من هذه المادة نحو 300 مليون دولار سنوياً.
العام 2017 أيضاً، شهد انفراجه في تطوير مناطق صناعية بقيت لسنوات مشاريع على الورق، واحدة في شمال الضفة باستثمارات تركية، وأخرى في بيت لحم جنوب الضفة بشراكة فلسطينية فرنسية، وثالثة في الشرق قرب الحدود الأردنية بتمويل ياباني، وتمكنت المناطق الثلاث من استقطاب نحو أربعين مصنعاً حتى الآن، فيما تجري مفاوضات مع مستثمرين خارجيين لإنشاء منطقة صناعية رابعة في الخليل أقصى الجنوب، وهي محافظة تضم نحو 40% من منشآت الصناعة الفلسطينية.

قوانين اقتصادية جديدة
خطوة جديدة خطتها الحكومة الفلسطينية في سعيها لتحسين البيئة الاستثمارية، بإصدارها مجموعة من القوانين الاقتصادية وتعديل أخرى، خلال العام 2017.
ففي وقت مبكر من هذا العام، صدر قانون الضمان الاجتماعي، أتاح لأول مرة إنشاء مؤسسة فلسطينية للضمان الاجتماعي تغطي جميع العاملين خارج الوظيفة العمومية، وعددهم يروح حول مليون عامل وموظف، بما فيهم العمال الفلسطينيون في إسرائيل، ويقترب عددهم من 200 ألف عامل.
ويعوّل الفلسطينيون على دور لمؤسسة الضمان الاجتماعي كركيزة للاستثمار في الاقتصاد المحلي، اعتماداً على الموارد الضخمة المتوقعة من أقساط المشتركين، إضافة إلى الحقوق التقاعدية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل، والتي تراكمت على مدى 5 عقود لتصل حسب تقديرات وزارة العمل الفلسطينية إلى نحو 8 مليارات دولار، وينتظر أن تحولها إسرائيل إلى المؤسسة الفلسطينية للضمان الاجتماعي تنفيذاً لبروتوكول باريس الاقتصادي.
قانون آخر لا يقل أهمية بنظر الفلسطينيين صدر قبل أسابيع، وهو قانون الأموال المنقولة، والذي واجه لسنوات عقبات فنية في إعداد سجل بهذه الأموال، ويتوقع مراقبون أن يحدث نقلة نوعية في تمويلات البنوك للقطاعات الإنتاجية، من حيث الحجم والفئات المستهدفة، اذ يتيح توفير أدوات جديدة لضمان القروض.
رغم مرور 24 عاماً على قيام السلطة الفلسطينية وإصدارها لعشرات القوانين الموحدة، إلا أن منظومة القوانين الاقتصادية ما زالت غير مكتملة، اذ ما زال بعض القوانين السارية في الضفة الغربية، وهي أردنية على الأغلب، مختلفة عنها في قطاع غزة، والتي ما زال يسري فيها قوانين سنت تحت الإدارة المصرية وقبلها الحكمين البريطاني والعثماني، وأبرز هذه القوانين في المجال الاقتصادي قانون الشركات، الذي ما زالت مسودته حبيسة الإدراج منذ نحو 15 عاماً، إضافة إلى ازدواجية إصدار القوانين بين الضفة الغربية وقطاع غزة على مدى عشر سنوات من الانقسام.

أداء المالية العامة
لم يخرج أداء المالية العامة في العام 2017 عن الإطار العام لموازنة 2016، اذ حققت هدفها في زيادة الإيرادات، لكن أحدث بيانات وزارة المالية في نهاية تشرين الأول الماضي أظهرت عجزاً أكبر من المقدر في بداية السنة نتيجة تراجع فاق التوقعات في المساعدات الخارجية.
وبلغ العجز الكلي في الموازنة العامة حتى نهاية تشرين الأول 870 مليون دولار مرتفعاً بنسبة نصف بالمئة، فيما تراجع الدعم الخارجي المباشر للخزينة الفلسطينية بنسبة اقتربت من 35% إلى 367 مليون دولار فقط من 494 مليون دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام 2016.
في جانب الدخل، فقد ارتفع صافي الإيرادات بنسبة تقترب من 2% إلى 2.9 مليار دولار، لارتفاعها من كلا المصدرين الأساسين: المحلية بنسبة 4.3% إلى مليار و44 مليون دولار، وعائدات الضرائب من المقاصة مع إسرائيل بنسبة 1.5% لتتجاوز ملياري دولار، فيما يعزوه اقتصاديون إلى تحسن في الجباية المحلية وتفعيل آليات جديدة للتقاص مع إسرائيل، وليس لتحسن في الاقتصاد الفلسطيني.
في الجانب الآخر، فقد واصلت الحكومة سياسة ترشيد الإنفاق، فارتفعت النفقات العامة بأقل من 2.5%، ونتج ذلك أساساً عن العلاوات الدورية في رواتب الموظفين، والتي تستأثر بنصف الموازنة، رغم التقليصات التي طرأت على فاتورة الرواتب تحت ضغوط المؤسسات الدولية، فيما لم يظهر بعد أثر التقليصات الأخيرة على رواتب موظفي قطاع غزة في بيانات الموازنة.
ومع ارتفاع العجز وتراجع المساعدات الخارجية، سجل الدين العام الفلسطيني ارتفاعاً بنسبة تجاوزت 4 ونصف بالمئة إلى مليارين و525 مليون دولار، ونتج ذلك أساساً عن ارتفاع الدين المحلي بنسبة 9.7% إلى نحو مليار ونصف مليار دولار، رغم تراجع الدين الخارجي بنسبة تجاوزت 2% نتيجة إعفاءات من بعض القروض العربية وتأجيل فوائد قروض مؤسسات دولية.
منذ أسبوعين، بدأت الحكومة مناقشة موازنة العام 2018 بقراءتها الأولى، وتشير تصريحات وزير المالية شكري بشارة، إلى توجه نحو المزيد من شد الحزام، للوفاء بالكلفة المالية للمصالحة، والتي بات أحد أهم شروط نجاحها ضم نحو 40 ألف موظف عينتهم "حماس" في قطاع غزة على مدى السنوات العشر الأخيرة، إلى كادر الوظيفة العمومية، إضافة إلى مواجهة التهديدات الأميركية بوقف مساعداتها للحكومة الفلسطينية، وما قد يتبعها من وقف المساعدات من دول أخرى.

حصاد البورصة
قبل أيام قليلة فقط على نهاية العام 2017، حافظ المؤشر الرئيس في بورصة فلسطين على مكانة في المنطقة الخضراء مسجلاً مكاسب بـ43 نقطة منذ بداية العام، رافقه تحسن أيضاً في مستوى السيولة.
مؤشر القدس، الذي أغلق تداولات، الأربعاء الماضي، مرتفعاً بنسبة 8% عن إغلاقه تداولات العام 2016، إلى جانب المؤشرات الرابحة في ثماني بورصات، من أصل ست عشرة بورصة عربية.
المؤشر الرئيس تلقى دعماً من ارتفاع مؤشرات أربعة قطاعات، تقدمها مؤشر قطاع الصناعة مرتفعاً بنسبة 25%، تلاه مؤشر قطاع الاستثمار مرتفعاً بنسبة 14.5%، ثم مؤشر قطاع البنوك مرتفعاً بنسبة 12%، وأخيراً مؤشر قطاع التأمين مرتفعاً بنسبة 6%، فيما كان مؤشر قطاع الخدمات الخاسر الوحيد منخفضاً بنسبة 2%.
على مستوى القطاعات، فقد سجلت أسهم عدد من الشركات المدرجة ارتفاعات قوية منذ بداية العام، ففي قطاع الصناعة قاد الارتفاع سهم شركة القدس للمستحضرات الطبية مرتفعاً بنسبة 78% منذ بداية العام، كما سجل سهم شركة الزيوت النباتية ارتفاعاً بنسبة تجاوزت 31%، وبيرزيت لصناعة الأدوية بنسبة 12.5%.
في القطاع المصرفي، كان الارتفاع من نصيب معظم البنوك المدرجة في البورصة، تقدمها سهم بنك القدس مرتفعاً بنسبة 73%، تلاه البنك الإسلامي الفلسطيني بنسبة 25%، وبنك الاستثمار الفلسطيني بنسبة 14%، والإسلامي العربي بنسبة 11%، واستقر سهم بنك فلسطين، أكبر البنوك الفلسطينية من حيث القيمة السوقية، فيما كان سهم البنك الوطني الخاسر الوحيد منخفضا بنسبة 7.5%.
الأسهم القيادية في قطاع الاستثمار سجلت مكاسب قوية منذ بداية العام، اذ ارتفع سهم شركة "باديكو القابضة"، أكبر الشركات في هذا القطاع من حيث القيمة السوقية، بنسبة اقتربت من 27%، تلاه سهم شركتها التابعة فلسطين للاستثمار الصناعي بنسبة اقتربت من 23%، وسهم شركة "أيبك" بنسبة 2.6%.
في المقابل، جاء انخفاض مؤشر قطاع الخدمات مدفوعاً بخسائر سهم شركة الاتصالات الفلسطينية، أكبر شركة مدرجة في بورصة فلسطين من حيث القيمة السوقية والأكثر وزناً في مؤشر القدس، الذي سجل تراجعاً بنسبة 7.6% منذ بداية العام، متأثراً باتفاقية تجديد الرخصة مع الحكومة الفلسطينية للسنوات العشرين القادمة، بكلفة اقتربت من 300 مليون دولار، في حين سجل سهم "الوطنية موبايل" المشغل الثاني لخدمات الهاتف الخليوي في فلسطين مكاسب تجاوزت 24%، بدعم من إطلاق خدمات الشركة في قطاع غزة.
وشهدت البورصة هذا العام أيضاً، سلسلة من الصفقات الكبيرة، كان اللاعب الرئيس في معظمها صندوق الاستثمار الفلسطيني، في عملية تخارج واسعة من استثمارات ذات طبيعة مالية بحتة هدفها تحقيق أرباح، لصالح شراء حصص مؤثرة في قطاعات إستراتيجية كقطاع السياحة، وإعادة تموضع لاستثماراته في القطاع المالي.

نمو لافت في أداء القطاع المصرفي
كما بورصة فلسطين، خالف القطاع المصرفي اتجاهات الهبوط في الاقتصاد الفلسطيني، مظهراً نمواً ملحوظاً في جميع مؤشراته خلال العام 2017، دفعته إلى مقدمة القطاعات الأفضل أداء في بورصة فلسطين، بمكاسب ملحوظة لمعظم اسهم البنوك المدرجة.
وينشط 14 بنكاً في الأرض الفلسطينية، منها سبعة بنوك فلسطينية، و6 بنوك أردنية وبنك مصري واحد.
أحدث بيانات سلطة النقد حول الميزانية المجمعة للبنوك، اظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في جميع مؤشرات الجهاز المصرفي، اذ ارتفع إجمالي أصول البنوك الأربعة عشر إلى 15.5 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام 2017، بزيادة 11.5% عن الفترة المقابلة من العام الماضي، نتج ذلك بشكل أساس عن ارتفاع بنفس النسبة في مجموع ودائع العملاء ليقترب في نهاية تشرين الأول من 12 مليار دولار، قابل ذلك نمو ملحوظ في التسهيلات الائتمانية المباشرة بنسبة اقتربت من 20% إلى حوالى 7.8 مليار دولار.
الأداء اللافت لقطاع البنوك، وضعها في مقدمة اهتمامات المستثمرين، وبات هذا القطاع الأكثر استقطاباً للاستثمارات المحلية الخارجية، كما كان محور العديد من صفقات الاندماج والاستحواذ.
العام 2017، شهد واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ هذا القطاع منذ عودة البنوك لمزاولة نشاطها في الأرض الفلسطينية عقب قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994، نفذها بنك فلسطين، باستحواذه على كامل أسهم البنك التجاري الفلسطيني، و52% من أسهم البنك الإسلامي العربي، نتج عنها مجموعة مالية بأصول تقترب من 5 مليارات دولار.
بإتمام الصفقة، باتت "مجموعة بنك فلسطين المالية"، تستأثر بـ31% من إجمالي أصول القطاع المصرفي، و29% من مجموع الودائع، و32% من إجمالي التسهيلات، فيما بلغ صافي أرباحه للأشهر التسعة الأولى من العام 2017 حوالى 38.5 مليون دولار بزيادة 1% عن الفترة المقابلة من العام الماضي.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: