حان الوقت للدفع نحو انهيار السلطة الفلسطينية

2017-12-30

بقلم: نداف هعتسني
في أحيان بعيدة يعلق الشعب والقيادة في ساعة مناسبة، تكون فرصة لإعادة تصميم الامور من البداية. فمعظم ايام الامة تمر في مسارات عادية من الصعب الخروج منها، ولكن حين تهتز الامور، فان السماء هي الحدود. ومن يعرف كيف ينتهز الفرصة يمكنه أن ينقذ نفسه من اوضاع الازمة ويغير الواقع من الاساس، أما من يبدي قصر نصر، ضعف قلب، أو ينشغل فقط بقانون التوصيات، سيفوت الفرصة الكبرى. مثل هذه الساعة هي التي نعيش فيها.
أحداث الايام الاخيرة، منذ اعلان الرئيس الأميركي حول القدس، ارتبطت بالتغييرات الاقليمية والعالمية الجارية في السنوات الاخيرة، وكل هذا معا هو زمن الثورات. ولكن من المشكوك فيه أن تكون لدينا قيادة قادرة على التفرغ من المشاكل ومن الجوانب الشخصية لاعادة تصميم عالمنا.
عمليا، نحن نعيش عميقا في حالة تحول كبرى – عالمية وشرق اوسطية. والكرزة التي على القشدة هي السلوك الفلسطيني في اعقاب تصريح دونالد ترامب. وبالاساس الطلاق الذي ألقوه في وجه البيت الابيض، ما ادى منذ الآن الى رد فعل انفعالي غير رسمي من واشنطن، بعث بالفلسطينيين الى المكان الذي يناسبهم.
ولكن التطورات الأخيرة تقوم على أساس إطار من الاحداث الاعمق بكثير: تحطم الشرق الاوسط بفضل الربيع العربي لباراك اوباما ارتبط بخوف معظم الدول السنية من السيطرة والاجرام الايراني، الامر الذي ادى بها الى ارتباط مصالح مع العدو الصهيوني وضعف الالتزام التلقائي تجاه الفلسطينيين. وبالتوازي، تغيير الحكم في واشنطن رفع جماعات تأثير مؤيدة لاسرائيل الى مواقع القوة، ولا سيما شخصيات استثنائية مبنية بطبيعتها على تغيير أنظمة العالم. هذه الميول غيرت قواعد اللعب العالمية، بما في ذلك التعريفات الشوهاء عن الاخيار والاشرار.
كل هذا يعمل الآن لصالحنا، ولا سيما الصداقة الحقيقية التي تكنها لنا القوة العظمى الاقوى التي فجأة باتت تحتقر المفاهيم الدارجة وتستخف بالاعداء الخفيين لنا من غرب اوروبا. اما التحطم الحالي للقوى الطبيعية العميقة الكبرى فتسمح لنا باعادة تصميم وجه السطح السياسي الداخلي والخارجي.
في مواجهة هذه الظروف الدراماتيكية علق الفلسطينيون في أزمة وسوء فهم. فهم يلعبون بالادوات القديمة، يردون مثلما اعتادوا في العالم المناهض لاسرائيل بشكل تلقائي. وكعادتهم يحرضون، يهددون، يشجعون منظومات «الارهاب»، ويحاولون تشكيل تحالفات دولية ضدنا. ولكن في الظروف الحالية هم يخدموننا. فالى أي حد يؤثرون على ترامب؟ من السهل علينا ان نخمن. ولكن حيال السعوديين ودول عربية اخرى لم تعد طريقتهم تؤثر.
في المنشورات الفلسطينية للاسبوعين الاخيرين تظهر خيبة امل شديدة من شكل مواجهة الانظمة العربية لاعلان القدس. من حقيقة أن الجامعة العربية رفضت الاستجابة لطلبهم طرد السفراء الأميركيين، ومن الردود العربية التي تعتبر في رام الله عديمة الاسنان. وان لم يكن هذا بكاف، فان الفلسطينيين يتحدثون عن ضغط من الزعماء العرب على ابو مازن للتعاون مع الأميركيين، وأنهم يشعرون بأنهم ضعفاء ومنعزلون. وبالفعل، في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الاعلام السعودية تظهر واضحة تعابير غير قليلة مناهضة للفلسطينيين. كتلك التي تتهمهم بسبع سنوات من إهدار المال السعودي، في ظل اظهار عدم الامتنان تجاه من دعمهم.

التميمي كمثل
ورغم ذلك، عندنا كل شيء بقي كما كان. على مدى السنين أدخلنا انفسنا بايدينا في الضائقة والموقف الدون. بدأ هذا في الوهن البائس مع خبو انجازات «الايام الستة»، وبلغ ذروة السخافة المتطرفة في «اوسلو» وفك الارتباط. واقامت هذه السياقات داخلنا كيانا معاديا فلسطينيا واحدا، ودولة «ارهاب» فلسطينية ثانية على حدود غزة.
السخافة الكبرى هي انه على رأس حكومة اسرائيل يوجد بعض من المعارضين الكبار لاتفاقات اوسلو وهم بالذات يقدمون لنا الصيغة الهزيلة بايديهم. فالفلسطينيون يخرقون في كل يوم تقريبا كل بند في الاتفاقات التي وقعت عليها «م.ت.ف» مع اسرائيل. يرفضون شرعيتنا، يتآمرون علينا في العالم، ويحرضون على «الارهاب». ولكن حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، نفتالي بينيت، وافيغدور ليبرمان لا تتجرأ على عمل أي شيء ضدهم، ولا سيما لا تغير قواعد اللعب. فرغم العداء والاجرامية من السلطة التي اقيمت وتوجد تحت رحمتنا، نواصل تمويلها والدفاع عن مجرد وجودها. والى جانب ذلك نخترع نظريات كاذبة حول الضرورة والحاجة للبقاء في الوضع الحالي، مثل سجين وقع في عشق السجن والسجناء.
والأخطر من هذا أننا لا نزال لا نفهم مع من نتعامل. مثال متطرف على ذلك يكمن بالذات في القضية الايقونية لعهد التميمي. فالصفعات والاهانات التي وجهت للجنود أحدثت عاصفة عندنا، وعن حق، ولكن من ينبغي أن يتخذ القرارات يتمترس في الانماط القديمة ويفوت النقطة المركزية. فرد جنود الجيش يشجع «الارهاب» ضدنا، بل من شأنه أن يؤدي الى حرب. فالاوامر التي تلقاها الجنود هي ما يميز العصر الذي يوجهنا منذ الثمانينيات، عشية الانتفاضة الاولى. عصر الاحتواء، ضبط النفس، الخوف من قاضي العليا المعادي – وسائل الاعلام والاسرة الدولية.
بالضبط لهذا السبب كان هناك من استبشر خيرا في تقرير لشاب عديم التجربة من «نيويورك تايمز»، امتدح منح الجنود للخد الثاني. من غير المفاجئ أن مثل هذا التقرير نشر في صحيفة كانت هي البوق شبه الرسمي لادارة باراك اوباما. الصحيفة التي بانعدام للاحساس قادت الى مفهوم عبثي إذ وعدت بربيع فأدت بنا الى شتاء من الدم والعذاب.
أما الرضا عن النفس في قيادة الجيش ومعاقل اليسار فينبع ايضا من خوف دفين مجذر من وسائل الاعلام الدولية، ولكن ايضا من سوء فهم بعيد الاثر. فرغم اكثر من مئة سنة من المعرفة للعقلية العربية في البلاد وفي الحارة، فان واضعي الاوامر في الجيش الاسرائيلي لا يفهمون ما الذي يبثه السلوك البائس للجنود. نوصيهم بان يطلعوا على 99 في المئة من التعقيبات، التقارير، قصائد المديح، والبوسترات في الشارع الفلسطيني والعالم العربي وسيعرفون بان الفتاة التي استوعبت نمط «الاحتواء» خاصتنا واستغلته، اصبحت بطلة أعدائنا.
العالم العربي يفسر صورة «ضبط النفس» كدليل على أن الجندي الاسرائيلي ضعيف. يهودي بائس يخاف من القتال، غير قادر على الوقوف أمام اللبؤة الفلسطينية. هكذا ايضا تعليمات الرد وفتح النار تبث ضعفا وتستدعي مزيدا من الهجمات. روح الرد من النبي صالح هي الوصفة لموجات «ارهاب» جديدة، وهي جزء من الصيغة للحرب القادمة. بالضبط مثلما اندلعت الانتفاضة الاولى بسبب الاستسلام الاسرائيلي في صفقة جبريل، عندما حررنا 1.150 «مخرباً»، الى جانب الفشل في عملية ليلة الطوافات. عندنا يرفضون الاستيعاب بان العالم العربي يتغذى على رموز مختلفة تماما عن رموز قيادة الاركان واسرة تحرير «نيويورك تايمز». اذا لم يغير سوء الفهم هذا فسندفع الثمن غاليا.
الساعة المناسبة الحالية توفر لنا فرصة نادرة لهز وتغيير قواعد اللعب. إذ حان الوقت للدفع نحو انهيار السلطة الفلسطينية. فقد نبعت اتفاقات اوسلو من خطأ جسيم ولد وحشا في ساحة بيتنا. وتصفيته يجب أن تكون هدفا أعلى، الى جانب فرض السيادة في المناطق «ج» وبناء زعامة فلسطينية بديلة. في جنوب البلاد ايضا سنضطر الى اصلاح اخطاء اوسلو وفك الارتباط. وهنا ايضا من المحظور علينا أن نستبعد أي خيار بما في ذلك احتلال القطاع وضمه الى مصر. في كل الاحوال، هذا هو الوقت لفتح الافاق، للنهوض من فوق قانون التوصيات والبدء بالتفكير في اعادة تصميم مجالنا.

عن «معاريف»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: