إسرائيل غير مستعدّة لخطة ترامب

2017-12-30

بقلم: شاؤول اريئيلي   
الانشغال والنقاش حول مبادرة ترامب دفعت الى الهامش في ظل الغيوم التي تلقيها الاحتجاجات الاجتماعية ضد الفساد. المراهنات والاستعدادات وبالونات الاعلام والمناورات على الرأي العام كثيرة ومتنوعة. ولكن هذه بالتحديد تشهد على عدم الثقة بشأن اطلاق المبادرة، وبشأن الخطة المهمة جدا – هل سيتم قبولها ونجاحها في الوقت الذي فشلت فيه غيرها؟ تاريخ المفاوضات بين اسرائيل و"م.ت.ف" بتدخل الولايات المتحدة في العقود الثلاثة الاخيرة تجعل هذه الاسئلة غير ذات صلة.
تصريح ترامب حول القدس لم يساعد كثيرا في رفع مكانة أو موقف اسرائيل، لكن يوجد فيه ما يكفي للاشارة الى الفلسطينيين بأن الرئيس الأميركي يسعى الى اخراج قرارات المجتمع الدولي خارج اطار المفاوضات، وأن يقيمه على ميزان القوى بينهم وبين اسرائيل القوية التي تحظى بدعمه. وهذه مقاربة ترجح كفة المفاوضات ضد الفلسطينيين.
يظهر تاريخ النزاع، ويجدر بترامب ومبعوثيه ايضا أن يشاهدوا ذلك، أن الفلسطينيين بقيادة "م.ت.ف" تبنوا انعطافة دراماتيكية واحدة فقط في سياستهم في مئة سنة من النزاع، حدثت في 1988. منذ تصريح بلفور في 1917 فان الفلسطينيين أجروا جدلا حقوقيا يقوم على تفسيرهم وموقفهم فقط، فقد رفضوا شرعية المجتمع الدولي لإعطاء "ارض اسرائيل" مبدأ الاستقلال الذاتي لصالح اقامة دولة يهودية على جزء منها، لأنه بالنسبة لموقفهم فان حق تقرير المصير يعود فقط لهم، استنادا الى كونهم الاغلبية الحاسمة في سكان البلاد واصحاب الاغلبية الحاسمة على اراضيها. للدفاع عن هذه الحقوق فقد شنوا الحرب بعد قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947، كما اعترف وشرح جمال الحسيني، ابن شقيق المفتي، في مجلس الامن في نيسان 1948: "ممثل الوكالة اليهودية قال لنا أمس إنهم ليسوا هم الجهة المعتدية. لأن العرب هم الذين بدؤوا الحرب... عمليا، نحن لا ننفي هذه الحقيقة... قلنا للعالم... إننا لا نوافق على تقسيم فلسطين الصغيرة".
بعد اربعين سنة على ذلك، وبعد حوار اجرته "م.ت.ف" مع وزارة الخارجية الأميركية في ادارة ريغان، وعلى خلفية التغيرات الجيواستراتيجية العالمية والاقليمية (بداية انهيار الاتحاد السوفييتي، الانتفاضة الأولى وغيرها) غيرت "م.ت.ف" سياستها الاساسية. أسست خطاب الحقوق للفلسطينيين على قرارات المجتمع الدولي، ووافقت على قرارات الامم المتحدة 181 و242 و338. ومثلما قال محمود عباس لاحقا في نيسان 2008: "لقد فوتنا فرصة التقسيم في 1947، وقبل ذلك فرصة تقسيم لجنة بيل، لكننا لا نريد تفويت فرص اخرى. لذلك وافقنا على تقسيم 1948 و1967، التي لا تضم اكثر من 22 في المئة من ارض فلسطين التاريخية". أي أن تغيير السياسات عبر عن التنازل المهم، لكن الوحيد ايضا، الذي يمكن للفلسطينيين أن يكونوا مستعدين له: تنازل عن 100 في المئة من الوطن فلسطين مقابل دولة فلسطينية على 22 في المئة منه.
في الوقت الذي تم فيه اجراء المفاوضات بين اسرائيل و"م.ت.ف" في هذا الاطار، اساسا في عملية اوسلو، لم ينجح الطرفان في جسر الفجوات بصورة جذرية بينهما. لقد تمسك الفلسطينيون بكل قوتهم بخطاب الحقوق على اساس القرارات الدولية، كما شرحت حنان عشراوي، لأن القرارات الدولية تمهد ميدان المفاوضات الذي يميل بصورة طبيعية لصالح اسرائيل القوية والتي تسيطر على الارض.
كانت الاختراقة في عملية "انابوليس"، التي قادها ايهود اولمرت ومحمود عباس في 2007 – 2008. ولم ينجحا في ايصال المفاوضات الى اتفاق دائم، لكن وضعت للمرة الاولى المعايير لقضايا بصورة تتفق مع القرارات الدولية، والاهم من ذلك، تستجيب ايضا لمصالح الطرفين الجوهرية. اضافة الى ذلك، تمت اعادة توضيح الاعتماد الموجود بين الزوجين اللذين يشكلان القضايا الاربع الاساسية: الحدود، الامن، القدس، اللاجئين. من اجل أن تكون فلسطين كما تطلب اسرائيل، دولة منزوعة السلاح الثقيل والجيش الى جانب ترتيبات أمنية اخرى، يجب على اسرائيل قبول المعيار الخاص بالحدود – حدود 1967، كأساس، وتبادل مناطق بنسبة 1: 1 وايضا تنازل الفلسطينيين عن تطبيق "حق العودة" كما طلبت اسرائيل، مشروط باقامة عاصمة فلسطينية في شرقي القدس. ليس سرا أن نتنياهو وحكومته انسحبوا منذ فترة من هذه المعايير بشأن الحدود والقدس، بل زادوا طلبات اسرائيل في موضوع الامن وموضوع اللاجئين.
في الوقت الذي يبلور فيه كوشنير وغرينبلات اقتراحهما للرئيس ترامب، يجب عليهما الاعتراف بأن عباس اذا وافق على الأميركيين وسيطا، يستطيع أن يقبل اقتراحا لا ينحرف عن الاطار الذي تمت الموافقة عليه في انابوليس. الرئيس المصري السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان لا يمكنهما جعل الفلسطينيين يوافقون على اقتراح لا يتوافق مع تفسيرات مبادرة الجامعة العربية. كل محاولة للهرب من هناك "ستواجه بمقاومة قوة الجاذبية للمصلحة الفلسطينية والرأي العام العربي".
محمود عباس يبذل قصارى جهده لضمان وقوف الرباعية العربية الى جانبه. لقد حصل في الشهر الماضي على وعد من ملك السعودية بأن يكون الموقف العربي يرتكز الى مبادرة الجامعة العربية التي تتضمن الموضوعين الفلسطينيين المطلوبين وهما خطوط 1967 والعاصمة في شرقي القدس. وزير الخارجية السعودي، الذي طلب منه التعقيب على ما نشر حول أن الدول العربية مستعدة لتليين الشروط المطروحة في مبادرة السلام، عاد وأوضح ذلك: "الشروط العربية واضحة – دولتان، احداهما دولة فلسطينية عاصمتها شرقي القدس. وفيما يتعلق بالامور الاخرى يمكن التوصل الى تفاهم حولها بين اسرائيل والفلسطينيين. موقف الدول العربية دائما هو دعم الاخوة الفلسطينيين".
كوشنير وغرينبلات يجب عليهما التوضيح لترامب بأنه لا توجد "صفقة نهائية" لا تقوم على القرارات الدولية، هي اطار التعامل الوحيد الممكن بالنسبة للطرفين، حيث يجب عدم التحدث عن اجراء المفاوضات حسب ميزان القوى بينهما، والاخطر من ذلك، حسب الروايات القومية المتناقضة للطرفين. اضافة الى ذلك، وجود التزام واضح لاتفاق دائم تحت هذه المعايير، حيث ان ضغط السعودية ومصر على عباس سيوجه لاظهار استعداده للمرحلة الانتقالية التي حتى الآن رفض قبولها. هذه تتضمن عددا كبيرا من الخطوات التي ستتم بموازاة وبصورة متساوقة من قبل الرباعية العربية، اسرائيل والفلسطينيين. وسيكون بالامكان اجراء المفاوضات على الزوجين المذكورين بصورة تدريجية، لكن لن يكون بالامكان تغيير علاقات خذ واعط الاساسية هذه بالنسبة للاتفاق الدائم.
إن الانسحاب من هذه التفاهمات بسبب ضغط اسرائيل أو الضغط الأميركي الداخلي، سيلقي باقتراح الأميركيين في سلة قمامة التاريخ، ومطالبة عباس من قبل "حماس" وكثيرين في "فتح" بالاعلان عن موت الخيار السياسي الذي اختارته "م.ت.ف" قبل حوالي ثلاثين سنة، وأن يخلي مكانه. وهي خطوة من شأنها أن تعيد النزاع الى ما قبل 1988، الغاء الاعتراف باسرائيل والعودة الى الكفاح المسلح. "فتح" الى جانب تنظيمات المعارضة الفلسطينية الاخرى ومنها "حماس" و"الجهاد الاسلامي" تعتبر اعتراف أميركا بالقدس عاصمة لاسرائيل، وايضا الاتفاق الاقليمي الأميركي الذي مبادئه لا تتضمن الحد الادنى المطلوب، كمواضيع مصيرية وخطوط حمراء، وتغيير قواعد اللعب بصورة تقتضي الخروج الى الشارع للاحتجاج من قبل الفلسطينيين واعطاء الدعم للقيادة بهذا الموقف، وإن لم يكن هناك دعوة مباشرة لاحتجاج كهذا.
نتنياهو بين التحقيق معه وسفرياته، لا يهتم بوقف الشياطين قبل فوات الأوان. فقد اكتفى في ايلول بابلاغ اعضاء "الكابنت" بأن ترامب يعد خطة سلام، وأنه مصمم على تنفيذها. "هذا الاستعداد بعيد عن أن يكون كافيا لكل سيناريو يمكن أن يتطور، باستثناء تأجيل اطلاق الخطة لموعد غير معروف واستمرار الوضع الراهن. خطة معقولة للطرفين تجبر نتنياهو واسرائيل على الاستعداد لها بخطة وطنية، سواء أكانوا سيوافقون عليها أم يرفضونها. "خطة مؤيدة لاسرائيل"، حتى هذه تحتاج من اسرائيل الاستعداد للرد الفلسطيني ورد العالم العربي. من المحتمل أنه في ذلك الوقت، اذا استطاع ذلك، سيفضل نتنياهو اختيار الانسحاب من العملية السياسية الى الانتخابات. هناك هو أو وريثه سيلوحون بعلم حامي أمن اسرائيل.

عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: