تـرامـب يـصـبّ عـلـيـهـا الـوقـود

الحكومة الإسرائيلية تشعل فتيل الحرب الدينية

2017-12-23

بقلم: ران أدليست

يحاول المحللون التهدئة، من خلال الزعم بأن الاحتجاج ضد إعلان ترامب آخذ في  الهدوء. وأن الفلسطينيين لم ينجحوا، وهم البائسون، في أن يخلقوا في الضفة مظاهرات احتجاج جماعية، والتنقيط من غزة يمكن وقفه بهجمات من الجو. عملية الإنكار العادية: نأخذ غفوة قصيرة، نشاهد "نجما يولد" وبعد ذلك تختفي الانتفاضة، ولعله لا يكون فلسطينيون في العالم.
إذاً، اهدؤوا. التنقيط سيستمر. وبالاساس تنقيط الدم الذي لم يتوقف منذ "الايام الستة". "الارهاب" الفلسطيني، الذي وجه منذئذ ضد اقامة الدولة وكرد على النكبة، أصبح بعد الحرب صراعا ضد الاحتلال ومن اجل الاستقلال. يوجد هنا قتلى وجرحى بالجملة، وبين الحين والآخر انفجار جماهيري يسمى انتفاضة تجبي اثمانا بالجملة. وثمة لهذا ملخص يتمثل بالمعارك التي بين الحروب.
إذاً، الآن، ووفقا للترتيب الذي اعتدنا عليه، فاننا في الطريق الى جولة دموية أخرى. غير أن هذه، الآن، ليست القصة العادية التي نرد فيها "بقوة" على "التنقيط" من القطاع. الآن توجد لنا قصة مع الرب، جلت عظمته. والسبب: محرك اشتعال إعلان القدس. شكرا يا دونالد. أخيرا، بفضلك، خرجت حرب دينية تديرها حكومة اليمين الديني القومي من الخزانة المقدسة. بفضلك، يا دونالد، يفهم الجميع بان الدين هو السبب الحقيقي لسياسة الحكومة وللحروب التي تنبع منها. إذ ما هو الصراع على المستوطنات، على القدس، وعلى "المبكى" ان لم يكن فريضة إلهية؟
في هذه الاثناء ليس فقط النزف الدائم من المعارك يقضم الوجود الوطني، بل إن النزف من الفساد يساهم في تدمير النسيج الجماعي. شخصيا، اذا كنت تعيش على مستوى معقول، فانك لا تشعر في الحياة اليومية باضرار الفساد. ومثلما في المعارك بين الحروب، اذا كنت أنت والمقربون منك لا تتضررون بشكل شخصي، فانك لن تشعر بتآكل الفساد الذي يأكل حولك كل قطعة طيبة، ناهيك عن أن الفساد هو مرض معدٍ. ما أن يصحي الغافين دفعة واحدة هو جولة دموية جارفة على نحو خاص، والى هناك تقودنا الحكومة.
من الواضح أنها لا تفعل هذا عن وعي. فالجميع هناك في الحكومة يريدون السلام، والامن، والاعتراف بدولة يهودية، والا يتسلح "حزب الله" بصواريخ بعيدة المدى لاهداف محددة، وان تكون القدس والائتلاف موحدين (الى أبد الآبدين). فساد في القمة؟ لا يوجد كائن كهذا. المحتجون في الشوارع هم بضعة احياء في تل أبيب خرجوا للتسكع. لدينا حرب؟ لدينا الجيش الاقوى (والاكثر اخلاقية) في العالم. غير أن الميدان يتحدث. في غلاف غزة يعودون الى الملاجئ، والضغط على الحكومة لعمل شيء ما يعود الى عهد ما قبل "عمود السحاب" في العام 2012 و"الجرف الصامد" في 2014.
الأحبولة الاعلامية الحكومية هي أننا مرة اخرى "ننجر" بسبب اولئك الانذال الذين يطلقون علينا النار من غزة. اما الحقيقة فهي أن نتنياهو وشركاه أدوا الى التدهور حين ضغطوا على ادارة ترامب لعمل شيء ما في موضوع القدس، مع العلم أن هذا برميل بارود مع مفجر متحفز. وان لم تكن سفارة، فعلى الاقل اعلان متفجر ما. فاستجاب ترامب. نيكي هايلي، سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، أضافت مفجر وقود اضافيا الى الحرب الدينية: "لا يعقل الا يكون المبكى تحت سيادة اسرائيل". مايك بينس، نائب ترامب، كان في طريقه الى "المبكى" لكن زيارته "تأجلت". سيجدون ذريعة ما، ولكن صور المظاهرات - ولا سمح الله القتلى في عيد الميلاد - حرمت بينس الصورة أمام "المبكى"، والتي تقرّ حقنا فيه.
الموضوع مع "المبكى" هو أن الحديث يدور عن موقع عبادة دينية يهودية وموقع سياحة وحجيج. حتى بالنسبة للعلمانيين الفضوليين الذين يأتون ليفحصوا ما هي بالضبط هذه الخدعة التي تدفع المتدينين الى الجنون والعلمانيين الى دس بطاقة في شق في الحائط على طريقة تنجح بالصدفة لأن تثبت بانه يوجد رب. وجعله مسلما به هو جزء من سياسة التدين التي تمر على اسرائيل كشبح فتاك. كان يفترض بنتنياهو أن يفهم بان كل تغيير في الوضع الراهن الديني في القدس هو صب وقود على الشعلة المتلظية على اي حال، ولعود الثقاب الديني امكانية كامنة قد تضيء عدة شعلات. في الشمال "حزب الله"، في القطاع "حماس"، وفي الضفة ايضا يوجد للنبي محمد ما يقوله لمحمد في الشارع. وبالطبع ليبرمان، الذي يساهم عود ثقابه العلماني في اشعال "عرب اسرائيل". وفي هذه المناسبة التي يشم فيها نتنياهو التوتر في الهواء أو ربما هي رائحة مادة التنظيف في سجن "معسياهو"، فانه يطلق على الفور الجني الايراني. في مؤتمر الدبلوماسيين الذي عقدته "الجيروزاليم بوست" هذا الشهر باع تقديرا استخباريا لا يشارك فيه اي جهاز استخبارات في العالم بما في ذلك شعبة الاستخبارات العسكرية "امان": في غضون عقد سيكون في ايران "لا قنبلة واحدة بل ترسانة من مئة قنبلة فأكثر". وفي ختام جولة الصفعات التي تلقاها قبل اسبوع في بروكسل أحصى للمراسلين في طائرته "80 الف مقاتل شيعي يؤدون الى تجدد الحروب الدينية". يمكن أن يكون تشوش وامتشق 80 الفا كرد على اسئلة المحققين عن حساب السيارات خاصته. اما من ارتاح لهذه التقويمات للوضع فهم السعوديون. لديهم مرتزقة. الجيش الاسرائيلي ينضم الى الحرب السنية – الشيعية.

الحاخام شارلوتن
من يرى في الحرب الدينية حربا مشروعة هو "البيت اليهودي". لا شيء يحصل في هذه الدولة يعنيهم باستثناء توسيع المستوطنات في الضفة وتوسيع كتلتهم في الكنيست. النائب موطي يوغاف يقول: "شبابنا يذهب للخدمة في الوحدات القتالية في الجيش الاسرائيلي لأن الخدمة ليست فقط رسالة بل وفريضة". الفساد هو الآخر لا يقلق معتمري الكيبات. لا المحبوكة ولا السوداء. فأنتم لن تروهم في المظاهرات ضد الفساد.
منظمو المظاهرات، في فعل مثير للشفقة بعض الشيء، وسعيا وراء فتات من الشرعية، رفعوا في روتشيلد الحاخام يوفال شارلو. وبشكل عام يعتبر شارلو من المعتدلين بين جماعته، وفي حديث خاص طويل امتد الى الليل، قبل سنين، لم يستبعد انسحاباً، وتذمر من متزمتي "المناطق" الذين يمسون بالقيم التربوية التي يكسبها للتلاميذ في مدرسته في بيتح تكفا. غير أنه في هذه المرة تحدث هناك الحاخام شارلوتن، الذي سار على الخط مع مرسليه الحقيقيين. في خطابه ضد الفساد لم ينسَ التحفظ: المقاتلون ضد الفساد عليهم ان يحذروا من التلاعب – ليس هناك شيء اخطر على الاستقامة من التلاعب واستخدام الكفاح ضد الفساد فقط وليس لأهداف أخرى، وكأن ماذا؟ فساد المليارات للمستوطنين الذين خدعوا مؤسسات الدولة كي يبنوا الفيلل في الضفة لا يعد؟  نعم، ثمة في شارلو رأفة للظالمين: "ما يمكن أن يعرقل الكفاح ضد الفساد هو عدم الرأفة بالناس ذوي المشاكل الأخرى، من عاملي تيفع وسكان جنوب تل أبيب. من يتنكر لمشاكلهم لا يمكنه ان يكافح ضد الفساد". قال ناكر الرأفة الإنسانية لصالح الرأفة اليهودية. بينيت وريغف ما كانا ليصوغا هذا افضل منه. كلاهما يمثلان حكومة فساد تهدد الروح وانفلات عقال امني ديني يهدد الجسد.

عن "معاريف"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: