ليبرمان وسياسة «الرد المنضبط»!

2017-12-23

بقلم: عاموس هرئيل

في الجانب السوري من الحدود، في الجزء الشمالي الغربي من هضبة الجولان، عاد الجيش السوري، مؤخراً، إلى التكتيك المتبع لديه. حاصرت وحدات من الجيش قرى سنية صغيرة وقدّمت لها انذارا نهائيا: الاستسلام وإعلان الولاء للنظام أو حرب ابادة. خطوة بعد اخرى يعود الرئيس بشار الاسد الى السيطرة على مناطق اخرى تم اخذها منه خلال سنوات الحرب الاهلية. الجيش السوري والمليشيات التي تعمل بالتنسيق معه يسيطرون الآن على 70 في المئة من مساحة الدولة ومعظم سكانها يقعون الآن تحت سيطرتهم. في صيف 2015 قبل تدخل روسيا العسكري سيطر الاسد على حوالي ربع مساحة سورية.
إطلاق سربين من الطائرات الحربية الروسية في خريف العام 2015 حرك عددا من العمليات التي انتهت بما يبدو اليوم كانتصار للنظام. في البداية في كانون الاول 2016 استسلم المتمردون في حلب، تحت الضغط الكبير للقصف الروسي من الجو. وفي هذه السنة في تشرين الثاني انهارت خلافة «داعش» في شرق سورية، بعد هجوم عنيف للتحالف برئاسة الولايات المتحدة. استسلام «داعش» تم استغلاله من النظام وايران والمليشيات الشيعية للسيطرة على مناطق واسعة اخلاها التنظيم المتطرف في الوقت الذي يطردون فيه تنظيمات للمتمردين من مناطق اخرى.
المرحلة القادمة، كما كتبت «هآرتس»، يمكن أن تحدث في جنوب الدولة قرب الحدود مع اسرائيل. النظام يريد السيطرة مجددا على منطقة الحدود مع لبنان في المداخل الشمالية في جبل الشيخ، وبعد ذلك، حسب التقديرات، تنوي وحدات الجيش السوري بدعم من «حزب الله» والمليشيات، طرد المتمردين السنة من وسط وجنوب الهضبة أيضا، والمناطق التي سيطروا عليها قبل نحو خمس سنوات. المواجهة يمكن أن تكون اكثر صعوبة؛ لأن نجاح النظام في مناطق اخرى جعل مئات المتمردين يهربون الى الجولان. فقط في فرع «داعش»، الذي يسيطر على جيب في جنوب الهضبة قرب مثلث الحدود مع اسرائيل والاردن، هناك حوالي ألف مقاتل.
هذه التغيرات تضع اسرائيل أمام معضلة جديدة، لها ايضا جانب أخلاقي. في السنتين الاخيرتين وبوساطة خطة «جيرة طيبة»، التي توفر علاجا وادوية وغذاء وملابس لسكان القرى القريبة من الحدود، تمكنت اسرائيل من تحسين علاقتها مع هذه القرى (وسائل الاعلام الغربية تتحدث عن أن المساعدة الانسانية تشمل ايضا ارساليات ذخيرة، ان لم يكن سلاح). ان التخوف من الشيطان الصهيوني الفظيع الذي أغرق جهاز التعليم السوري أدمغة مواطنيه بالتحريض ضده على مدى عشرات السنين، استبدل باحترام الجهود الاسرائيلية. ولكن ماذا ستفعل اسرائيل الآن اذا كان النظام يركز جهوده في اساليبه المعروفة لاعادة السيطرة على هذه القرى؟.
على المستوى السياسي وجهاز الامن هناك من ينظرون الى التطورات الجديدة نظرة تحليلية بارزة: عودة نظام الاسد قريبا من الحدود من شأنها أن تضمن فيها استقرارا اكبر وتوقف سيل الجهاديين السنة الذي يتدفق الى المنطقة. وتسمع تقديرات بأن التقاء مصالح الاسد وحلفائه الايرانيين سيتضرر كلما تعزز النظام، والرئيس السوري لن يمكنهم من الاقتراب من الحدود في أعقاب جيشه.
في المقابل، في الجيش الاسرائيلي هناك قلق من أن اسرائيل تنظر وهي مكتوفة الايدي الى مجرم الحرب، الذي يجني ثمار انتصاره. كل اطراف الحرب في سورية ارتكبت جرائم حرب فظيعة، لكن جرائم معسكر الاسد كانت هي الاصعب والاكثر منهجية منها جميعا. وقد اشار ضابط كبير قبل بضع سنوات الى أنه في اختبار التاريخ ستجد اسرائيل صعوبة في تبرير حقيقة أنها ردت بتسليم مطلق ولم تحرك ساكنا من اجل وقف ذبح الشعب الذي يجري على بعد بضعة كيلومترات، وهو قابل للايقاف.
هناك نوع من السخرية من حقيقة أن ليبرمان يضطر الآن الى تفسير سياسة الرد المنضبطة لاسرائيل على التحديات من قطاع غزة. الـ 30 صاروخا التي تم اطلاقها من قطاع غزة، التي اطلقتها التنظيمات السلفية منذ تصريح ترامب حول الاعتراف بالقدس، يبدو أن هذا التوجه كبح في الايام الاخيرة على خلفية خطوات ضبط متشددة اتخذها حكم «حماس» – هذا الاطلاق وضع حكومة نتنياهو أمام معضلة جديدة. إن معاقبة «حماس»، كما دعا الى ذلك آفي غباي ويئير لبيد، من شأنها توريط اسرائيل في حرب لا فائدة لها. في المقابل، ضبط النفس النسبي ازاء سقوط الصواريخ المستمر على مستوطنات غلاف غزة سيكون له ثمن سياسي داخلي، ويمكن أن يقنع «حماس» التي لديها مدى واسع للمناورة للسماح باطلاق آخر.
وزير الدفاع ليبرمان، المؤشر اليميني في «الكابنت» وبصفته وزير خارجية في زمن «الجرف الصامد»، والرجل الذي هاجم الحكومة بسبب ضعفها وعجزها حتى عودته المفاجئة اليها في ايار الماضي، ومن هدد اسماعيل هنية بالموت خلال ربع ساعة – يرى الآن الصورة بشكل مختلف قليلا. الامور التي يرونها من هناك لا يرونها من هنا. في الوقت الذي يطالب فيه اليسار والوسط بقيادة عملية، فان ليبرمان يفسر بهدوء لماذا الآن يكفي ما يقوم به الجيش الاسرائيلي. حسب تحليله الذي يعتمد على تقديرات الاستخبارات العسكرية، قال إنه يحتاج بضعة ايام الى حين تهدئة النفوس في القطاع. «حماس» تسعى الى حرف المواجهة مع اسرائيل الى قنوات مريحة لها، «ارهاب» في الضفة الغربية ومظاهرات قرب الجدار في القطاع، لكنها تخشى من استمرار اطلاق الصواريخ الذي لا تكون لها سيطرة عليه.
يوم الثلاثاء الماضي، زار ليبرمان مستوطنات غلاف غزة، وتم اجراء نقاش هادئ مع رؤساء المجالس في المنطقة، الذين لم يطلبوا من الجيش الاسرائيلي القيام بعملية فورية لاخضاع «حماس». جزء كبير من اللقاء خصص للاحتياجات العملية للمستوطنات: الاستمرار في البناء الذي حظي بالزخم على خلفية الهدوء الذي اعقب «الجرف الصامد»، نصيب للمزارعين، واجراءات التعويض عن ضريبة الاملاك. في الكنيست في القدس، على بعد عشرين دقيقة طيران بالمروحية ووجه وزير الدفاع بجو مختلف تماما، على شفا الذعر الامني.
لحسن الحظ، منذئذ وحتى كتابة هذه السطور، بدأ تساقط الصواريخ، والجهاز السياسي عاد للانشغال في تداعيات التحقيقات مع رئيس الحكومة. ولكن أقوال زعيم «حماس»، يحيى السنوار، عن خطر انهيار المصالحة الفلسطينية يمكن أن تثير اخطارا اخرى: تجدد الازمة الداخلية يمكنه التأثير على اسرائيل.
ازمة ترامب ايضا لم تنته بعد. السلطة الفلسطينية ما زالت تحاول بعث الحياة في المظاهرات في القدس والضفة، رغم تأجيل زيارة نائب الرئيس الامريكي مايك بينس الى المنطقة. في وسائل الاعلام الفلسطينية هناك جهود لتصنيف الاحتجاج كانتفاضة العاصمة.
قيادة السلطة يئست تماما من المسيرة السياسية، ولا تعلق آمالاً على مبادرة السلام العتيدة لترامب. النضال من ناحيتها انتقل الى الساحة الدولية. بجهود الانضمام الى منظمات جديدة وتمرير قرارات إدانة لاسرائيل. الرئيس محمود عباس لا يريد أن يذكر في التاريخ الفلسطيني كمن خضع لاسرائيل في المسألة الاكثر أهمية في المسائل الاساسية، القدس ومستقبل الاماكن المقدسة.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: