عهد التميمي أفقدت إسرائيل صوابها!

2017-12-22

بقلم: جدعون ليفي

أطلق جنود الجيش الإسرائيلي النار، الثلاثاء الماضي، على رأس حامد المصري، فتًى عمره 15 سنة من سلفيت، لم يكن مسلّحا، وأصابوه بجروح خطيرة. أطلق جنود الجيش الإسرائيلي النار، يوم الجمعة، على رأس محمد التميمي من النبي صالح، ولم يكن مسلحا أيضا، وأصابوه بجراح خطيرة.
وفي اليوم ذاته أطلق الجنود النار على رأس إبراهيم أبو ثريا، مبتور الرجلين، فقتلوه. وفي اليوم ذاته وقفت عهد التميمي في ساحة بيتها مع صديقتها، وصفعت ضابطا في الجيش الإسرائيلي بعد أن اقتحم بيتها.
استيقظت إسرائيل من شدّة الصفعة: كيف تجرأت؟ ضحايا البربرية الثلاثة لم يثيروا اهتمام إسرائيل، ووسائل الإعلام لم تكلّف نفسها بالإعلان عنهم. لكن صفعة (وركلة) التميمي أثارتا غضبا، كيف تجرأت على صفع جندي في الجيش الإسرائيلي. الجندي الذي يصفع رفاقه فلسطينيين يوميا تقريبا، يضربون، يخطفون، وأيضا يطلقون النار عليهم.
حقّا هي وقحة، التميمي. لقد تجاوزت حدودها. فقط الجنود يُسْمَح لهم أن يصفعوا. هي المستفزة الكبيرة وليس الجندي الذي اقتحم بيتها. هي، ثلاثة من أبناء عائلتها القريبين قُتِلوا برصاص الاحتلال، واعتُقِل والداها عددا من المرات لا يُحْصى وأُدين والدها بالحبس أربعة أشهر لاشتراكه في مظاهرة على أبواب مجمّع تجاري للأدوات المنزليّة، تجرّأت هى على مقاومة جندي. وقاحة فلسطينيّة. كان أحرى بها أن تقع في غرام الجندي الذي اقتحم بيتها، وأن تنثر عليه الأرز، لكنها، ناكرة للجميل، كافأته بصفعة. كل ذلك بسبب التحريض. لولا التحريض لما كانت ستكره الاحتلال.
لكن للشهوة المنفلتة للانتقام من التميمي (نفتالي بينيت: «لتمضِ حياتها في السجن») ثمة مصادر أخرى. هذه الفتاة من النبي صالح حطّمت كثيرا من الرموز لدى الإسرائيليين. وأخطر من ذلك، استطاعت أن تمسّ أسطورة الرجولة الإسرائيلية، واتضح فجأة، أن الجندي البطل، وهو الذي يحرسنا ليلا ونهارا ببسالة وشجاعة، يقف أمام فتاة بأيدٍ عارية، ماذا عن الرجولة، وقد حطمتها التميمي بسهولة؟ ماذا عن هرمون الرجولة. فجأة رأى الأسرائيليون مَنْ هو العدو الشرس والخطير الذي يواجههم: فتاة عمرها 16 سنة. ذات ضفائر. كلّ الحملات الشيطانيّة واللاإنسانية لدى الإعلام المجنّد تحطّمت مرة واحدة أمام فتاة مع الكَنْزَة الكُحْلِيّة.
إسرائيل فقدت صوابها. ليس هذا ما لقّنوها إيّاه. لقد تعوّدت أن تسمع عن إرهابيين وعن إرهاب وعن قتل، ولا يمكن اتهام التميمي بكل ذلك. حتى مِقصّ لم يكن بيدها، أين الشراسة الفلسطينية؟ أين الخطر؟ أين الشرّ؟ يمكن أن نُجنّ.
فجأة احترقت الأوراق: للحظة نادرة وقصيرة جدا بدا العدو إنسانيا جدّا. من البديهي أنه يمكن الاعتماد على شبكات الدعايات ومسح الأدمغة المفيدة في إسرائيل، كي تقوّض صورة التميمي بسرعة. هي أيضا ستُعرّف كـ «مخربة» شرسة وُلِدَتْ لتقتل؛ ليس هناك أيّ دوافع عادلة تتعلق بما تقوم به.
التميمي بطلة، بطلة فلسطينيّة. استطاعت أن تُفْقِد الإسرائيليين صوابهم. ماذا سيقول المراسلون العسكريون ومحرضو اليمين وخبراء الأمن؟ لماذا عندنا وحدة 8200، دوفدوفان، وكفير، وفي نهاية اليوم يقف جيش الدفاع الإسرائيلي في مواجهة مواطنين مدنيين عُزل ملّوا من الاحتلال، على صورة فتاة مع كوفية على كتفيها.
ليته يكون كثيرون مثلها. رُبّما فتيات مثلها يتمكنّ من إيقاظ الإسرائيليين. ربما بانتفاضة صفعات تنتصر حيث فشلت طرق المقاومة الأخرى، بعنف أو بدون عنف.
حتى الآن كان ردّ إسرائيل بالطريقة الوحيدة التي تعرفها: خطفٌ ليلي واعتقالها مع أمِّها. لكن كلّ إسرائيلي يعترف في أعماقه ليس فقط بمَن هو صاحب الحق ومَنْ لا حقّ له، إنما يعترف بأعماقه أيضا بمَنْ هو القويّ ومن هو الضعيف، الجندي المُدجج بالسلاح من أخمص قدميه وحتى رأسه، المٌقتحم لبيت ليس له، أم الفتاة غير المسلحة، وهي تدافع بأيديها عن بيتها وعن كرامتها بصفعة.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


آراء
عبد الناصر النجار
التهويد الصامت للأغوار الشمالية
آراء
د.علي الجرباوي
صرخة تحتاج إلى صدى
مقالات
تحسين يقين
هل هو كذلك عالَم ورق!
مقالات
حمادة فراعنة
مخاطر السياسة الأميركية على...
خرم إبرة
رامي مهداوي
كما تفكرون تكونون!
اقرأ المزيد ...