زواج المتعة للطاهر بنجلون .. المغرب بالأبيض والأسود !

2017-12-19

كتبت بديعة زيدان:

لم تغب داكار عن الفسيفساء المكانية التي ضمت مدناً مغربية على رأسها فاس وطنجة الى رحلة تمتد لعقود طويلة في أفريقيا، وما بين مغرب قديم وحديث، عن رواية الطاهر بنجلون "زواج المتعة"، الصادرة حديثاً عن المركز الثقافي العربي في طبعتها العربية، هي الصادرة بالفرنسية أصلاً عن دار "جاليمار" الباريسية العام الماضي.
وتعود الرواية الى الوراء، حيث بدايات القرن الماضي، لتمتد احداثها حتى أيامنا هذه، أو قبلها بقليل فشخصياتها تتوزع ما بين عدة أجيال، منها: أمير التاجر الفاسي كثير الاسفار الى السنغال لجلب ما يحتاجه من بضائع حيت كانت السنغال وجهة أغلب تجار المغرب، وكانت تمتد اسفارهم لعدة أشهر، يتجهون خلالها إلى ما يعرف باسم "زواج المتعة".
تزوج أمير من السنغالية "نابو" ذات البشرة السوداء، هو الذي ما لبث أن وقع في عشقها فقرر اصطحابها معه الى بلاده حيث زوجته "اللا فاطمة" واولاده الأربعة من ذوي البشرة البيضاء.
ومن هنا تنطلق حكاية على لسان حكواتي لا يشبه أحداً اسمه جحا، هو الذي قال للحاضرين "هذا المساء سأقص عليكم حكاية حب، حب جارف ومستحيل عاشته شخصياته حتى آخر رمق. لكن كما سترون، خلف حكاية الحب الأعجوبة تلك، يوجد الكثير من الكراهية والاحتقار، الكثير من الشر والقسوة".
أحد أولاده وهو أكثرهم قرباً لقلب والده وقلوب الجميع، "كريم" المصاب بمرض متلازمة داون (المنغولية) ومن خلال هذه الشخصية، رغب الكاتب في تسليط الضوء على هذه الفئة من البشر، وكم هي فئة جميلة الروح .. فئة استثنائية طيبة القلب محبوبة من الجميع.
والزواج بحد ذاته ليس هو المحور الرئيسي، وانما انطلق منه الكاتب ليناقش قضية التمييز العنصري في تلك الفترة بين البيض والسود، والذي كان منتشراً بقوة في ذلك الزمان والمكان، حيث ازدهار تجارة العبيد بأسواقها الخاصة في مدينة فاس.
اصطحب أمير زوجته نابو الى مدينته فاس والى زوجته الاولى اللا فاطمة لتبدأ حرب الزوجات، أو حرب البيضاء والسوداء، ولكن ما تلبث نابو ان تلد توأمين، لكن الغريب هنا ان التوأمين واحد منهما ابيض وهو الحسين والثاني اسود وهو الحسن الذي سيعاني لاحقاً من التمييز والنبذ والاستهزاء الذي يصل إلى حد الشتيمة والضرب احياناً بسبب لون بشرته، فبالنسبة للبيض كل أسود عبد.
أما الحسين ذو البشرة البيضاء فيندمج في المجتمع المغربي، ويتعلم ويعمل ويتزوج، ولا يعاني من منغصات في الوقت الذي يعاني فيه توأمه الحسن، ويفشل ويتعرض للعنصرية كما عانت أمه نابو.
ومن علاقة عابرة يصبح لدى الحسن طفل يطلق عليه اسم سليم، وهو أسود البشرة كما والده، لنصل من خلال حكاية سليم الى جيل ثالث من المعاناة مع ذلك الفتى الثوري، والذي يصطحبه قدره كصحافي الى "حي صدام" حيث كان يقطن الأفارقة وغالباً المتسللون منهم، ليعتقل معهم بسبب ما يجمعه وإياهم، أي لون بشرته، وبالتالي يتم ترحيله الى بلد جدته "نابو"، الى السنغال.
وفي تفاصيل كثيرة وأسلوب سرد شيق بلغة أنيقة سلسة تشد القارئ حتى آخر صفحة، نتابع تفاصيل ما يتعرض له سليم في رحلة الاقامة في السنغال والعودة الى اهله في طنجة ثم الهرب ومحاولة العودة مرة أخرى الى السنغال، الا ان نهايته تعكس واقعية نهايات الكثير من ذوي البشرة السوداء الباحثين عن دنيا افضل.
أما نهاية الحسن وباقي أفراد فعائلته تظهر جلية في الصفحات الاخيرة من الرواية، والتي تقع في "237" صفحة.
والرواية تأتي في وقت باتت تطفو فيه على السطح، وفي الرواية العربية، تلك التي تعالج قضايا العبودية، فعلاوة على زواج المتعة الصادرة بالفرنسية أساساً، ثمة "فستق عبيد" للأردنية سميحة خريس، و"شوق الدرويش" للسوداني حمّور زيادة، وغيرها، في رواية أخذت شكل الحكايات التي تخرج من ألسنة الحكواتية، ففيها سرد يمزج الإنساني بالفلسفي بالديني في سفر تاريخي عبر مغرب تغير في أشياء كثيرة، ولم يتغير في مواقف الأجيال المتتالية تجاه ذوي البشرة السوداء منهم، أو من جيرانهم الأفارقة، عبر حكاية حب بين أمير ونابو، ففي وقت تتجه التفاصيل فيه لتثبيت أن الأبيض والأسود لا يلتقيان، إلا أن الحب، قادر على كسر هذه النمطية، ولو لبعض الوقت، وهنا اللعبة السردية الجميلة التي تقمص فيها بنجلون دور "الحكواتي"، ليقدم "زواج المتعة" واحدة من أبرز روايات العبودية العربية. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: