«سرّ» اختفاء السنوار ورجالاته بعد اعتراف ترامب

هل تذهب «حماس» إلى مواجهة عسكرية جدية مع إسرائيل للخروج من «ورطتها»؟

2017-12-16

بقلم: اليكس فيشمان
خلال استعدادات «حماس» لاحتفالات الذكرى الثلاثين لانطلاقتها اختفى زعيم المنظمة في القطاع، يحيى السنوار، وكأن الأرض بلعته. كنا نتوقّع أن يظهر على الملأ، ليحمس الناس، ويعرض الانجازات، ويثير الشارع على خلفية خطاب ترامب، ولكن الرجل والمجموعة المسيطرة حوله كانوا في مكان آخر، حتى ظهر أول من أمس، حين وقف على المنصة في المهرجان الجماهيري في غزة، امام نحو مئة الف من مؤيدي «حماس».
انتبهوا في اسرائيل للغياب المؤقت للسنوار ورجاله. وليس لأحد تفسير لماذا اختفوا، وهذا مقلق جداً. فمثل هذا السلوك، الشاذ عن المعتاد بشّر في الماضي بانعطافة في الصراع، وبمواجهة قريبة.
السنوار ليس زعيما عسكريا فقط. فهو الزعيم المنتخب لـ»حماس» في قطاع غزة، وعمليا في الضفة أيضا. وغيابه عن الساحة العامة – بالذات حين تقع في يده فرصة لاشعال الضفة وجمع القوة - ليس طبيعيا. فجمهوره في غزة وفي الضفة يحرضهم نيابة عنه الاشخاص الذين انتصر عليهم في الانتخابات. فقد ترك المنصة لرجال المعارضة، خالد مشعل، ومقربيه. وحتى اسماعيل هنية، الذي حل محل مشعل في رئاسة المكتب السياسي، والذي تكاد قوته السياسية تكون صفراً سيطر على المايكروفونات.
ان غياب السنوار ورجاله عن الرادار الاعلامي بدأ في موعد قريب من خطاب ترامب في 6 تشرين الأول. هذا سلوك مميز لقيادة تستعد لنشاط هجومي من الجيش الاسرائيلي: ينزلون تحت الارض. ويبدو أنهم يأخذون هناك بالحسبان أنه إذا قتل مواطنون اسرائيليون نتيجة لنار الصواريخ فان اسرائيل ستستخدم سلاح الرد الاقوى لديها: الاحباط المركز لقيادة «حماس» في القطاع.
في هذه اللحظة لا يوجد أي تغيير جوهري في الخطوات العسكرية التي تتخذها «حماس». فقد أخلت المنظمة رجالها من الاستحكامات المتقدمة خشية النار المباشرة من الدبابات الاسرائيلية. منذ خطاب ترامب وحتى يوم الاربعاء ليلا أُطلق 16 صاروخاً نحو اسرائيل، معظمها اطلقته منظمات سلفية استخدمت صواريخ قصيرة المدى من انتاج محلي.
ليس واضحا بعد من أطلق الصاروخ الذي سقط في سديروت، وهناك اشتباه بان تكون «حماس» مشاركة في إطلاقه، ولكن يبدو ان «حماس» لا تتحمس لموجة اطلاق النار هذه.  فمن جهة تشجع «حماس» المظاهرات على جدار القطاع، وتتشدد اقل في تقييد النار. ومن جهة اخرى لا تزال تنفذ اعتقالات في أوساط المنظمات السلفية. مهما يكن من أمر، ثمة رائحة بارود احتراق في الهواء. حدث ناري واحد يخرج عن السيطرة، سواء أكان هذا صاروخاً يسقط فيتسبب بخسائر أو قصفاً لسلاح جو يخرج عن أهدافه – فانه يقوي قوى «حماس» التي تدفع نحو استخدام الانفاق طالما كانت ناجعة.
هناك تفسير محتمل آخر لهذا «الغياب» لقيادة «حماس». فمنذ بداية السنة يتردد قادة المنظمة في المسألة الاستراتيجية المركزية: ما العمل في اللحظة التي تجد فيها اسرائيل جوابا ناجعا على سلاح الانفاق؟ هذا الاسبوع، بعد أن كشفت اسرائيل وعطلت نفق «حماس» قرب كيبوتس نيريم، أصبح القرار حرجاً: هل نضاعف وتيرة الحفريات ونحاول التسلل الى اسرائيل قبل أن يستكمل العائق أم نتخلى عن الانفاق الهجومية ونصرف الاستثمارات نحو قدرات اخرى تتجاوز العائق البري وتشكل تهديدا ردعيا جديدا تجاه اسرائيل. من المعقول الافتراض بان مسؤولي «حماس» يحطمون الآن الرأس في مسألة الحل الاسرائيلي للانفاق، ويجرون مداولات ميراثونية، ولهذا فقد «اختفوا» عن الميدان. فالحديث يدور عن عائق مع جساسات، وفي «حماس» يحاولون دراسته ويجمعون عنه المعلومات الدقيقة.
 
«حماس» استمعت إلى آيزنكوت
في تموز – آب بدأ بناء العائق في ست نقاط بالتوازي على طول الجدار. وفي «حماس» فهموا في حينه بان العائق يبنى بوتيرة من شأنها ان تتركهم دون أنفاق تسلل مع نهاية 2018. وقد بدأت تُعد خطط، في «الجهاد الاسلامي» أيضا، بهدف التخريب على الاشغال. وما أحبط محاولات التخريب كانت الاعمال الهجومية والدفاعية التي نفذها الجيش الاسرائيلي. فقد حذر قادة جهاز الامن سرا وعلنا أيضا «حماس» من مغبة محاولة تشويش الاشغال التي تنفذ في الاراضي الاسرائيلية. وبالتوازي، رأى الطرف الآخر قوات الجيش تستعد امام جدار القطاع وسمع اصوات الطائرات غير المأهولة وغير المأهولة التي تحوم فوق رؤوسهم في قسم كبير من ساعات اليوم. في 30 تشرين الثاني، مع انه كانت محاولة فاشلة من «الجهاد الاسلامي» للمس بالاشغال بذريعة الثأر لـ 12 من رجاله الذين قتلوا في النفق الذي فجره الجيش الاسرائيلي قبل شهر من ذلك. ولكن بشكل مبدئي، استوعبت الرسائل.
ان الاعتراف بانهم يفقدون قريبا سلاحهم الاستراتيجي المركزي أصاب منظمات «الارهاب» في القطاع حين انكشف ودمر النفقان، أحدهما لـ»الجهاد» والآخر لـ»حماس». وما نشر عن الامر الذي أصدره رئيس الاركان للجيش لتدمير كل الانفاق المتسللة حتى نهاية 2018 فهمت في الطرف الآخر ببساطتها. من ناحيته، يحتفظ آيزنكوت في يده بحل يسمح له باصدار مثل هذا الامر. واذا لم يسارعوا ويقوموا بعمل ما، ففي كل بضعة أسابيع سينهار نفق آخر.
لفهم حجم الضربة التي تلقتها «حماس» ينبغي أن نعرف بان مشروع الانفاق الهجومية امتص أساس ميزانية الذراع العسكرية. فحفر نفق هجومي بطول 2 – 3 كيلومتر يستمر بين سنتين وخمس سنوات، والامر يتعلق بنوع التربة وبالمقدرات. وتتراوح كلفة بناء النفق بين 10 و15 مليون شيكل، حسب طوله. وبمقاييس غزية فان هذا هو مال كثير جدا. في حملة «الجرف الصامد» انكشف اكثر من 30 نفق تسلل في مراحل بناء مختلفة. وكان المعنى هو أن كل ميزانية المساعدات الامنية السنوية من الايرانيين لـ»حماس» في غزة - 60 مليون دولار – شطبت.
من اجل بناء نفق هجومي هناك حاجة لإقامة مصنع اسمنت، شراء الاسمنت بكميات هائلة، نقل المواد، واخلاء الرمال بعربات تتحرك على سكة، استئجار مبان يخرج منها النفق وشراء أجهزة تكييف كبيرة وشبكات كهرباء. في بعض من الانفاق توجد مصاعد تنزل القوة عشرات الامتار الى عمق الارض. بعضها يسمح بالدخول بدراجات بحيث يجب أن تكون واسعة. ويعمل حفار الانفاق بثلاث ورديات، ورواتبهم عالية بالنسبة للقطاع، لأن هذا عمل خطير جدا. فاذا كان موظف في القطاع يكسب نحو 1.800 شيكل في الشهر، فان بوسع حفار النفق ان يكسب مبلغا مضاعفا. وقد قتل العشرات واصيب المئات حتى الآن اثناء الحفريات، وتدفع منظمات «الارهاب» مالا طائلا لتعويض عائلاتهم.
يهتم مواطنو إسرائيل بطبيعة الاحوال بالانفاق الهجومية، ولكن «حماس» لا تقل قلقا بل ربما أكثر على مستقبل الانفاق الداخلية. ويدور الحديث عن تلك العشرات من الكيلومترات من تحت القطاع والتي تشكل لباب الخطة الدفاعية للذراع العسكرية في مواجهة امكانية ان تحتل اسرائيل غزة. وهذه هي الانفاق التي تربط بين الجبهات، حيث توجد القيادات، والى هناك تنزل القوة العسكرية كي تحتمي من الغارات الجوية، ومن هناك يطلق قسم من الصواريخ، ومنها ينطلق المقاتلون لمهاجمة القوات الاسرائيلية واختطاف الجنود اثناء حملة برية (هكذا اختطف جثمان الملازم هدار غولدن في «الجرف الصامد»). واذا كان يوجد لدى اسرائيل اليوم قدرة لتشخيص النفق، ورسم خريطة له وتدميره، فانه في سيناريو حملة برية تكون هذه الانفاق أيضا مهددة.
ومع ذلك، في اسرائيل لا يزالون يمتنعون عن الفرح في ضوء الانجازات التكنولوجية والقدرات التي تم تطويرها ضد الانفاق. ربما خوفا من الحسد وربما لعدم وجود يقين حول الارانب التي يخفيها العدو في قبعته. والاهم: لا يريدون تشجيعه على اتخاذ قرارات تحطم الاواني. فالمنظومات لا تزال في عملية النشوء والارتقاء، كما يقولون هنا بحذر، ولكن الاتجاه واحد.
 
سايبر غزة
مفهوم عسكري كامل تحطم و»حماس» تقف على مفترق طرق: ماذا بعد؟ لقد كانت هذه هي السنة الاسوأ في تاريخها. فهي لا تبدأ فقط بفقدان سلاح الانفاق، بل إن المخابرات الاسرائيلية في الضفة قطعت يديها، ولم تسمح لها باي عملية ذات مغزى، رغم التحريض والاموال التي تتدفق الى هناك من تركيا ومن امارات الخليج. ومنذ بداية السنة وحتى تشرين الثاني احبطت المخابرات الاسرائيلية 130 خلية لـ»حماس» في الضفة. وهذا الاسبوع فقط نشر عن احباط خلية خططت لاختطاف جندي اثناء «الحانوكا». كما أن التحريض على عمليات الافراد، الذي يخرج من غزة، توقف أمام قدرات الجيش والمخابرات. في كل اسبوع يتم احباط 25 – 30 عملية افراد. وفي الايام الخمسة التي تلت خطاب ترامب، دفعت كمية العمليات الى اكثر من 90 حدثا من كل الانواع: زجاجات حارقة، احراقات، اطلاق نار، طعن، نار صاروخية، وعبوات ناسفة. ورغم ذلك واصل المجتمع الاسرائيلي حياته العادية. من ناحية «حماس» هذا فشل. من المعقول الافتراض بانه في الايام القريبة القادمة، بمناسبة احتفالات الثلاثين لانطلاقتها ستحاول «حماس» تنفيذ عمليات استعراضية. ولكن عمليا، فان محاولات «حماس» بناء شبكات ذات مغزى في الضفة فشلت.
ان سباق التسلح الاسرائيلي في مواجهة الانفاق يوشك على الانتهاء. من خلف الزاوية ينتظر التهديد التالي من القطاع. والامكانيات التي تقف امامها «حماس» لتجاوز العائق الاسرائيلي بعد عصر الانفاق ليست كثيرة. اذا كانت غزة هي المقدمة لما يفعله «حزب الله»، فينبغي فحص ما فعله «حزب الله» في اثناء القتال في سورية. وأحد الحلول لتجاوز العائق هو الطائرة بدون طيار، او البديل التكنولوجي الذي تبنته كل جيوش العالم: الحوامة. وبالفعل، استخدم «حزب الله» في الحرب في سورية حوامات مسلحة. ويدور الحديث عن حوامة تحمل مادة متفجرة وتحررها من فوق هدف معين أو تتحطم عليه، بينما تبث كاميرا الى الوراء وتسمح لمشغلها ان يختار الهدف ويوجهها حيثما يشاء. واستخدام الحوامة ممكن من قبل كل طفل، والتطويرات التي تسمح بتحميل الوسائل القتالية على الحوامة تتطور فقط.
وليس «حزب الله» فقط. فـ»داعش» مثلا استخدم في الموصل الحوامات المسلحة في مواجهة الجيش العراقي. فقد كانوا يحررون في كل بضع دقائق 3 – 4 حوامات تتفجر في نقاط معينة. اذا ما نقلت هذه التقنية الى القطاع، وفي كل بضع دقائق ستسقط حوامات متفجرة على البلدات أو على محاور السير، فان الامر سيزرع الفزع في اوساط المواطنين. وبالفعل، منذ اليوم تبذل «حماس» جهدا كبيرا لتهريب الحوامات الى القطاع. والادوات الطائرة غير المأهولة التي دمرت في «الجرف الصامد» هي أكثر تعقيدا بكثير وصعبة على التهريب.
يصعب تشخيص الحوامة واعتراضها لأنها تشبه في تركيبتها الرادارية الطائرة المتملصة. ولكن في العالم توجد حلول منذ الآن. واذا ما وعندما سيتعين على الجيش الاسرائيلي أن يتصدى للحوامات، فمن المعقول جدا الافتراض بان الصناعات الامنية في اسرائيل ستنتظرها مع حلول معقولة. وبالمناسبة، في العالم يطورون حوامات اكبر يمكنها أن تحمل الانسان. وتأتي هذه التطويرات أولا وقبل كل شيء لتقديم جواب على المشاكل المواصلاتية. ولكن خيار استخدامها لاهداف عسكرية، ونقل رجل مسلح من مكان الى مكان ليتجاوز العوائق يوجد على الابواب.
امكانية اخرى يمكن ان تركز «حماس» عليها هي ما يسمى «النفق البحري»: اجتياز الوسيط البحري بشكل سري. في كانون الاول 2016 صفي في تونس المهندس محمد الزواري. وقد عرض الرجل كأب لبرنامج الطائرات غير المأهولة لـ»حماس» ولكن في التأبينات التي نشرت في الصحافة العربية بعد موته ذكرت بالذات تطويراته التي عنيت في المجال التحت بحري، مثل غواصات الجيب المأهولة وغير المأهولة. فالقوة البحرية لـ»حماس» آخذة في التطور. واحد الاهداف المركزية التي قصفها سلاح الجو في الايام الاخيرة في غزة كان مخزن عتاد للقوة البحرية. وبالتوازي تبذل «حماس» جهدا لتهريب عتاد بحري حربي الى القطاع. والجواب الاسرائيلي على هذا الخيار يوجد سواء في القدرات الهجومية لسلاح البحرية أم في المجالات الدفاعية مثل نشر جساسات على طول الشواطئ وفي البحر في محاولة للعثور على أدوات الابحار، السباحين، والغواصين ممن سيحاولون الوصول الى شواطئ اسرائيل لتنفيذ عمليات قتل جماعي.
امكانية اخرى هي محاولة الاقتحام بالقوة للعائق الذي يبنيه الجيش الاسرائيلي. حتى لو لم تكن اخطارات على ذلك، فان الجيش ملزم للاستعداد لمثل هذا الوضع. فقد سبق أن رأينا في الماضي هجمات لـ»حماس» في جنوب القطاع وهجمات «داعش» من سيناء استهدفت اقتحام خط الحدود والتسلل بقوة الى داخل الاراضي الاسرائيلية. شاحنة أو مركبة مفخخة واحدة تتفجر على العائق، قوة ما توسع الثغرة وقوة اخرى تتسلل الى الاراضي الاسرائيلية. لا شك أن قوات «النخبة» الخاصة لـ»حماس» تتدرب على مثل هذه الاقتحامات مع مركبات مختلفة، بما في ذلك دراجات نارية. ومثل هذا الاقتحام، الذي يتم  على نحو مفاجئ، يمكن أن يكون ناجعا. يقال لنا إن الجيش الاسرائيلي يعرف كيف يعطي الجواب على مثل هذه الامكانية بالمراقبة وبالنار.
ويوجد مجال قتال السايبر الذي يتطور في القطاع. ويمكن لنا أن نفترض بان «حماس» تعد عدة مفاجآت اخرى، ناهيك عن الوسائل التي توجد لديها منذ الان، مثل الصواريخ المضادة للدبابات، الصواريخ مع رؤوس متفجرة ثقيلة على نحو خاص يمكن أن تخترق المباني المحصنة في غلاف غزة، وصواريخ بعيدة المدى تهدد مركز البلاد.
في اسرائيل يحاولون تخفيض مستوى اللهيب. في زيارة وزير الدفاع ليبرمان الى سديروت، أول من امس، خلق الانطباع بانه معني برد «مقنون» على نار «حماس»، رد لا يؤدي الى التدهور. ولكن الضائقة السياسية – الاقتصادية التي ستعلق فيها «حماس» إذا ما فشلت مسيرة المصالحة، وفقدان ذخائرها الأمنية، من شأنها أن تدفع السنوار ورجاله نحو الزاوية؛ المخرج الوحيد منها هو جولة عسكرية اخرى مع اسرائيل. هكذا بحيث يمكن للصواريخ التي تنقط هذه الايام باتجاه غلاف غزة أن يكون معنى، اكثر بكثير من مجرد تنفيس من منظمات سلفية.

عن «يديعوت»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: