دفاتر الأيام

شادية وعين الشمس وأشياء أُخرى

سما حسن

2017-12-07

إنه الحب والحرص على من نحب والخوف عليهم من كل شيء، قريب أم بعيد، نملكه أو لا نملكه، ولذلك ففي الوقت الذي كان الجميع ينتظر السماء كي تمطر، ويهللون ويكبرون ويستبشرون حين فعلت وهطل الماء من السماء مدراراً، كنت أنا الأم ذات القلب الراجف المترقب في بيتي الصغير أدعو الله أن يتوقف المطر لأن ابني والذي أدعوه صغيري رغم أنه قد جاوز العشرين من عمره، قد خرج من البيت دون معطف، واصبح قلبي يرتجف عليه من أن يتبلل بماء المطر فيصاب بالرشح أو يتعرض لـ «لفحة هواء»، وكان منظره في مخيلتي وهو يرتعد برداً بملابسه المبللة لا يطاق، فبدأت أبكي وابتهل إلى الله أن يوقف خير السماء عن كل البلاد من أجل الصغير.
ولذلك فحين خرجت المطربة التي توفيت قبل أيام قليلة «شادية» لتغني أغنيتها الشهيرة «قولوا لعين الشمس ما تحماشي» فقد خرج وقتها أيضا رجال الدين يطالبون برأسها الجميل، ويتهمونها بالفسق والفجور، فهي تريد أن تغير ناموس الطبيعة الأزلي، وتريد أن تبدل نظام الكون، فالشمس تشرق كل يوم، وتشتد حرارتها مع ساعات النهار حتى الظهر وهو موعد خروج الشباب إلى العمل، وخرج من ينوي السفر أيضاً، وهي تشفق على حبيبها لكي لا يصاب بضربة شمس، أو ينتابه الجفاف بسبب خروجه في ذلك اليوم، وربما تكون قد سمعت نشرة الأخبار الجوية من خلال الراديو العتيق الذي تضعه فوق رف خشبي في مطبخها الصغير، فارتعد قلبها وارتجفت روحها، وربما أيضا قطعت طرف سبابتها الرقيقة بالسكين بدلا من البندورة والخيار.
شادية غنت هذه الاغنية ولم تفكر برأي الدين في كلماتها ولكنني حين كنت مراهقة كنت ارددها باستمرار، ولم يكن في حياتي وقتها حبيب سيخرج إلى عمل في يوم صيفي قائظ، ولا حتى يستعد إلى السفر، ولكني عشت مشاعر الحبيبة التي بلغ بها الحب مبلغه، واصاب الوجد قلبها حتى تمنت على الشمس ألا تشتد حرارتها.
بغض النظر عن الحرب التي شنت على المطربة شادية وقتها بسبب كلمات الأغنية وكانت الحرب موجهة للمطربة الشهيرة وليس للمؤلف الذي وضع كلماتها «مجدي نجيب»، فهي التي كانت في الواجهة والصدارة، وبغض النظر عن هذا كله، فهناك الكثير من الأغاني التي اتُهم أصحابها بالكفر والفجور، ولكننا ما زلنا نحبها ونسمعها ونعمل بما حفظنا وهو أن الأعمال بالنيات، فقد غنى عبد الحليم حافظ ذات يوم فشدا قائلا: قدر أحمق الخطى......سحقت هامتي خطاه، وقد استعاذ وقتها ابي وحوقل وطلب منا في حزم ان ندير مؤشر التلفاز عن هذه الكلمات التي تمس الذات الالهية، وقد فعلنا حتى مر أبي من مكان التلفاز، وعدنا لمتابعة الأغنية من خلال الفيلم الرائع «معبودة الجماهير» وكان وقتها من بطولة الرائعة شادية أيضاً.
شادية هي فنانة شاملة وذات حكمة ورأي وبعد نظر، وقد أتحفتنا بأدوار وأغان خالدة في القلب والوجدان، تحمل ذكرياتنا واستطاعت أن تبقى حبيبة كل جيل رغم أنها رحلت بعد أن تجاوزت الثمانين ونيفا، ولكنها انسحبت من الاضواء في الوقت المناسب، ظلت في خيالنا البنت الحلوة الدلوعة ذات الصوت الشادي الباهي، وبقيت أدوارها الكوميدية الشقية تضحكنا، ودورها الوحيد في مسرحية «ريا وسكينة» يبكينا وهي تقنعنا أنها ضحية مجتمع مكون من فقر وزوجة أب وأب لا حول له ولا قوة،
وسطوة الباشا والبيه، ولذلك ظلت في نظرنا تمثلنا، فهي تمثل شريحة كبيرة من المجتمع ما بين الفتاة العاشقة والزوجة المخدوعة والأم الملتاعة والمضحية، وقد سرحتُ كثيراً وأنا أتخيلها في دور ما وقد بلغت من العمر الثمانين، ولكني لم أجد لها دوراً يناسبها فقد ظلت في نظري الأم التي تقبل أن تقوم بدور الخادمة في فيلم» لا تسألني من أنا؟»،والأم التي تضحي بحبها من أجل ابنتها في فيلم «امرأة في دوامة» والأم التي تقتل وتدخل السجن دفاعاً عن ابنها ومكانته.
شادية حافظت على كل شيء، اسمها وصورتها، ولم تلهث خلف المال ولا الشهرة، ولم تستثمر شهرتها ولا اسمها في أدوار قصيرة كضيفة شرف، فقد بدأت من القمة وظلت في القمة حتى رحلت جسداً، وبقيت روحاً تحلق مع أرواحنا.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: