سر الشفاء من الفرح لعبد الرحيم الشيخ: تراجيديا الحضور، رومانسية الزوال

2017-12-05

وليد الشرفا

"الكيفية الأولى التي تظهر بها الروح حضورها في الذات الإنسانية هي الكيفية التي يكرر بها الإنسان على ذاته قصة درب الآلام، هذه الواقعة الأساسية في تاريخ الله الأزلي. وهذا معناه زوال التصالح الإيجابي المباشر، إذ يتوجب على الإنسان في هذه الحال أن يصل إلى هذا التصالح عن طريق الانتصار على تناهيه ..... وهذا الجانب السلبي من الألم، يغدو في الشهادة غاية في ذاتها، وتقاس درجة التغير بدرجة ما تحمله الإنسان من فظائع وما قاساه من آلام". هكذا حاول هيغل تكثيف العلاقة بين الإنسان والخلاص في التجربة الرومانسية للفن، وهي رؤية تقلب المعادلة بين الذاتي والكلي حد التناوب، يكون الألم ربما، جوازها لعبور الخلاص الروحي الكلي، الرومانسي.
"لهذا صار الشعر أكثر مشابهة للفلسفة من الكلام الآخر، لأنه اشد تناولاً للموجود واحكم بالحكم الكلي" هكذا علق ابن سينا عن علاقة الشعر بالفلسفة، وكتب ديكارت مبكراً "إننا قد نستغرب ان تكون الأفكار العميقة موجودة في كتابات الشعراء أكثر مما في كتابات الفلاسفة، توجد فينا بذور الحقيقة كما توجد في حجر الصوان، ويستخلصها الفلاسفة بالعقل وينتزعها الشعراء بالخيال وتلمع عندئذ اكثر" بتصرف عن الطاهر وعزيز.
من العقل والشعر إلى "عقل" الشعر.
يلخص هذا المدخل المنحنى النقدي الذي ستتراوح عليه هذه القراءة لديوان الشاعر عبد الرحيم الشيخ، هذا المنحنى الذي يبزغ فيه المعنى من لحظة الوهم الشعري، بالمعنى الفلسفي، في مقابل الحقيقة العقلية، وبالتالي لحظة التعبير وصولا إلى الحالة المنطقية، وما بينهما من تناقض في تعريف اللغة ووظائفها بين الشعري والفلسفي؛ انه بالتالي الشد والجذب بين المعايير الجمالية في مقابل الأحكام العقلية، التي تغتال الحواس في وسط طريقها لتبليغ الذروة الدرامية الذاتية التي تعيد الكلي في أزلية الانفعال، وبالتالي فرض الاستقالة على العقل من إمكانية القبض على وعي مرض الحواس، أمام نرجسية العقل وربوبيته في مواجهة نكوص الحواس عن مجاراة المتعالي، إذ لا سبيل للالتقاء بين ماهية الوهم وجوهر الحقيقة.
تضيق الحلقة أكثر في التعارض بين هاتين الثنائيتين، الوهم – الحقيقة، لتنتج ثنائية معاصرة، ربما، هي الانفعالي في مواجهة التأويلي؛ اي الانتقال من انفعالية الحواس وبالتالي تشنج النفس في أتون الأهواء والصدمات وبالتالي التعبير المريض لغويا كحالة رمزية عن الجسد المريض، وبالتالي تكون مراتب اللغة مرتبطة بمراتب المرض، وصولا الى الجنون، أي كسر السائد العام، وإنتاج السائد الخاص الواهم؛ في تأكيد لتوزيع العلامات السيميائي في تجاوز للتجاوز وتقعيد للمرض جمالياً في مواجهة الفتور السليم للعقل السليم. من التراجيديا الى الكوميديا ! فاللغة تمرض بمستوى الالتواء الذي يصيب لسان صاحبها وتتوهج بمقدار المرض الذي تخفيه أو تحاول البوح به. فاذا كان العقل معياراً للحقيقة التجريدية، فان التأويل تعبير عقلاني عن عقلانية مضادة حقلها المرض والانفعال وأدواتها الاستعارة والمجاز والانزياح وغيرها من أعراض المرض اللغوي، فالسليم يقرأ العام والوهم يكتب الخاص، وما الوهم سوى سخرية من فشل العقل، وبالتالي فناء العام وبروده؛ وباستعارة من نيتشه: إن الفهم يقتل العمل، والعمل يعتمد على حجاب من الوهم، هذا ما نتعلمه من هاملت.
سيميائية العنوان: كسر العلاقات، الكهف يلد النور.
العنوان اعتذار عن الإطالة ومحاولة لجعل عتبة البيت فسحة الوثير، واستجابة لا واعية لقسرية التلخيص والترتيب، والسرد إجباري، فلا تتوازى المعاني إلا عند قتلها، تماماً فالخطان المتوازيان لا يلتقيان باستعارة من الرياضيات؛ فالعنوان يقول. لكنه ليس كل المعنى وان كان عينه.
"سر الشفاء من الفرح"، عتبة النص نحو الارتفاع، فلا امتداد أفقياً للتوقع، فالعنوان يكسر العلاقات الدلالية ويعيد إنتاجها بمعنى مضاعف يصل حد السخرية من الدلالة إلى تهويمها، فالسر هو البوح والبوح هو الصراخ الأخرس المكتوم بتضاعيف العبارة المكتظة بالمعنى المتزاحم على باب الخروج، المعنى هنا سر جديد ينتشر عبر النص، لكنه ينحسر عند الوعظ والوصف إلى إنتاج معنى مفارق، فالسر ليس البوح بالتأكيد كما انه ليس الاعتراف أيضا، بل يتراوح بين السر واللا سر.
تنتج الإضافة هنا تعمقاً ينتج دلالة أكثر تعقيداً تتراوح بين الاقتضاء والتضاد، فالسر مرتبط بالشفاء، والشفاء حلم مرغوب ووهمي أحيانا، والشفاء يقتضي المرض ويتناقض معه، لكن الانكسار في مربع الدلالة السيميائية لا يكون بتضاد او اقتضاء وإنما تحويل العائق إلى دافع، فالسر للشفاء، يتجدد بأزلية اللاشفاء دون الاعتراف بالمرض او نفيه.
يتعمق المعنى السيميائي أكثر، عندما يتعلق سر الشفاء "من الفرح" وهنا علاقة التناقض تصل ذروتها في انتاج " هلوسي " لمعنى الشفاء، لتصبح العلاقة كالتالي: بوح اللا شفاء من اللا مرض، وكذلك اللا شفاء معادل للا مرض، وبالتالي الفرح مرض واللا مرض لا شفاء ! والسر افتضاح دون بوح، وبوح يتوغل في الأسرار. انه الكهف الذي يلد النور ويبزغ به ومنه الوحي.
من رومانسية العقل الى واقعية الانفعال !
بالإشارة إلى المداخلة الأولية للنص، لا يبتعد الديوان بقصائده عن هذا النسق في إنتاج المعنى ضمن مربع التضاد وكسر الاقتضاء المشار إليه مسبقا، فبعد العنوان تكون قصيدة رباعية هي الحركة الأولى من تناوب المعنى بين العقلي والانفعالي، أو بين المعرفي والحدسي، ربما. يقول:
حين ارجع
للقصيدة، بعد حين،
لا أرى غير الغياب، ولا /
يبرر عودتي إلا اشتياقي للحبيبة !

ان الرجوع هنا الى جسد الاستعارة لا يعطي الحضور والوصول إلى هدف تقضيه عملية الرجوع، فالرجوع العقلي، يتم بوسيط استعاري – القصيدة – والرجوع بصفته غاية ينتهي إلا نقيضه، فلا حاضر إلا الغياب، ولا دافع إلا الشوق إلى الحبيبة، وربما كان المعنى المفارق هنا في إشارة التعجب.
بعد هذه الرومانسية المغرقة في ذاتيتها وفي عالمها الخاص، يعود الانفعال في لعبة الحضور والغياب والعمى والبصيرة في اعادة ملحمة المعنى الواقعي، وكان السر يصبح لا سر هنا وتتبرأ الذات من الاشتياق للحبيبة الى كشف المرض وسر الحزن، يقول في قصيدة عبور:
الجنود يحرسون البلاد، بلادنا،
من عبور الحنين وأمي التي في سني صباها،
نحو قريتنا في الظهيرة.
ثم:
أبطالنا لا ينامون في المساء، ولا يصحون في الصباح
إذ تراب البلاد وسادتهم في الرحيل الأخير !
لا تتغير انساق انتاج المعنى هنا بين الذاتي الرومانسي، والذاتي الجمعي الواقعي، ولا تتغير العلاقات، لكن الأم، هنا، تبقى الحاضر في غيابه والغائب في حضوره، هي مولد السحر والمعنى وهي مرجع الدوال جمعاء وهي الأزمنة والأمكنة والواقع والاستعارة، إنها تكسر العلاقات وتنتجها دون رقيب، هي اله ارضي وبشر سماوي، وهي، ربما، كانت الشعري البريء في مواجهة المعرفي الآثم. وهي سر المرض بالحزن والشفاء من السلامة بعدها.
إنها الحكاية الكبرى التي ستظل تعود بحالات ومجازات أخرى، القرية والجنود والأم والحنين، يجتمعون للإلغاء ويحضرون للإلغاء، حضور الجنود حراسة للحنين ومنع للشوق، والأم مرسل دائم لها والبلاد – قريتنا – فضاء الحاضرين الممنوعين من الحنين نحو صبا الأم، النحن وأنا.
تبلغ ذروة الطهارة الرومانسية هنا بعد الأم بالأبطال، الذين يصرون على تبليغ الحنين ويعيدون سيرة عنترة الشهيد، ولا تبتعد صورهم في تجلي الحضور وعلاقة التضاد هنا، فهم معجزة البقاء في الفناء وهم حضور الفداء لتصلب الحنين، فهم لا ينامون في المساء وإنما يستشهدون ولا يصحون في الصباح وإنما يصعدون، وحلمهم الأثيري ترابي لخلق معادلة الرضى مع الموت باستعارة " وسادتهم تراب البلاد "في الحضور الأخير! الأولي دائما.
مرة أخرى تعود استراتيجية الإفشاء وكسر العلاقات دون تلميح، وهو نسق يعود كل مرة في التراوح المشار إليه في تأرجح المعنى بين الإيهام والتصريح وبين الإفشاء والكتمان وبين الرومانسي والواقعي وبين الجمعي والذاتي.
يقول:
في بلادنا
لا يحجب العاشقون أسرارهم،

ما يغرقون في "نوم طويل" لم يأنسوا نارا بوادي العشق.

من تاريخ الحياة الى تاريخ الموت !

اذا التناوب في كسر العلاقات حاضر في توصيف علاقة الذات بالعام، وعلاقة الرومانسي بالواقعي، فان التاريخ المرتبط بالفداء، الشهداء، كأم بديل يعطى التعويض بأزلية الولادة من خلال الفناء، فان التاريخ يتناوب معكوسا، ويصبح تاريخ الموت تاريخا للحياة، وتاريخ الحياة هو واقعية الموت، وما يكشف عنه من تفجر وجداني يعيد إنتاج الوعي في اللاوعي وتقمص الشكل الأكثر براءة للموت بفقدان الحياة، وفقدان الوقت والتفاصيل، فموت الأم هو الطفل، وموت الشهداء وطن يتيم ورجال رضع، إن هذا الشكل الجمعي الأكثر تعبيراً عن إعادة إنتاج الفداء الرومانسي المشار إليه في بداية القراءة يحضر بشكل دوري على طول الديوان، وهو إنتاج وجداني معمق لتاريخ التغييب الفلسطيني، وتاريخ الفداء كذلك وهي سردية تتفوق على حكاية السرد، برمزية الفقدان وفجيعة الخسران، يقول في قصيدة 15 في واحد، وهي مرثاة لشهداء القبر الجماعي في مدينة رام الله:
لكنه الوطن السعيد بأهله السعداء /
ان دماءهم لما تزل حمراء حين تسيل لن تفتر حرارتها،/
ولم تبطل شرارتها، ولم تتخل عنها الأرض .. إن سالت أغاثتها الدروب الراحلة.
نذروا كنايتهم لتكوين الحكاية، واستعاضوا عن مساحتهم من الفردوس بالدنيا الصغيرة،
ثم
يا أيها الشهداء،
طال الانتظار ولم نعد من غينا، وحماقة النسيان أنستنا الحماقة فاكتشفنا لا بد نحيا في الهباء،
وانتم الأرض السماء، وانتم صفة البلاد الزائلة. ما لها هذي الدواليب الخفية في يدي الله لا تعفو ولا تغفو على نهر الحياة ولا تفوت لحظة في غرفنا من عمقه والسطح ،...
لا يثني الشاعر عبد الرحيم الشيخ عن كتابة رحلة الضياع الفلسطينية التي يعرفها باقتدار تاريخياً وجغرافياً وفلسفياً، لكنه هنا يتخلص من حمل هذه المعرفة لصالح براءة الأم وقدسيتها، تماماً كما الشهداء الذين يتناوبون بشكل واع، ربما، في تلبس الأم كموتيف لا يفارق نسيج النص وإيقاعه، فهم الحاضرون والوارثون وهم الأرض والسماء وهم صفة البلاد الزائلة، غير المنتهية، وغير المنتهين، وهم عتب الله الخفي لعدم إيقاف اغترافنا من السطح إلى العمق، وهكذا هي حماقة النسيان تنسي الحمق.

أنا الزوال الحاضر في الحداد !
بين لهو الأرباب وموت الأبطال في التراجيديا، يتحرك عبد الرحيم الشيخ لينتج تراجيديا خاصة مشفوعة بتكسير العلاقات ومن ثم إعادة التحامها أو تركيبها، وصولا إلى جعل الأنا مكونا عاليا للجمعي، وكان الفردي هنا حالة جديدة تجمع بيت التراجيديا والرومانسية، لكنها بالتأكيد لا تعول كثيرا على الآلهة، وتحاول خلق عالمها من مجد عطاء الغائبين والعاشقين واليتامى، لذلك، باستعارة من نيتشه مرة أُخرى: لا محيد عن اللجوء إلى التخييلات المتوحشة بصورة أبدية من اجل أن تستعيد معاناتنا التي لا بد أن يكون وجودها حتمياً ومستعصياً على الشفاء.
لقد كانت المجموعة الشعرية هذه تراجيديا الجسد المعلق والروح المجسدة في حمل ارث توحش العالم، وعطاء الفلسطيني الذي يعلم التراجيديا والرومانسية والواقعية والرمزية منذ الأزل إلى الأبد. يقول في قصيدة أعراس:
في موسم الأعراس
ارفع خوذتي للحزن، طوعاً، اذ يباغتني، وأصمت
لا أُبادر بالسلام، ولا أباشر الكلام، وأنحني للخلف، منتبهاً
الى جرحي القديم ... أُحيل حربي نحو اولها انتظاراً للمجاهيل الكثيرة، ان توضح، في معادلة الفرح. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: