القاهرة تبكي "حارس وسط البلد" مكاوي سعيد

2017-12-05

كتبت بديعة زيدان:

"بجعة وسط البلد"، "أسطورة زهرة البستان"، و"الحارس"، وغيرها من الألقاب رافقت الروائي المصري مكاوي سعيد، لكونه كان أيقونة من أيقونات "وسط البلد" في العاصمة المصرية القاهرة، والثاني لكونه كان ضيفاً شبه مقيم في مقهى "زهرة البستان" حيث يتواجد الكثير من المثقفين المصريين يومياً، ويتجمّعون يوم الجمعة، وحيث يتوافد العديد من الكتاب والشعراء والمبدعين العرب .. هذا المكان الذي زرته أكثر من مرة، بات يفقد، حسب الكثيرين، بريقه، ولربما جزءاً من مسوغات زيارته برحيل صاحب "تغريدة البجعة" ونافست على جائزة "البوكر" العربية في العام 2008 بوصولها إلى القائمة القصيرة، و"فئران السفينة"، و"أن تحبك جيهان".

"فيسبوك"
وباتت صفحة مكاوي سعيد تضج بالحياة والصخب، منذ رحيله، فكل تغريدات أصدقائه في مصر والعالم العربي والعالم تصب فيها .. الروائي المصري أشرف عشماوي كتب عن عزاء "ميكي"، كما يلقبه رفاقه، فقال: كل التفاصيل تشبهه كأنك في مكانه المفضل "وسط البلد" ..روحه تهيمن على المكان .. الكل يتلقى العزاء ويواسي غيره.. كلنا أصحاب ألم بصورة أو بأخرى.. تصادفك وجوه محبيه في كل مكان حتى على الطريق المؤدي إلى الجامع، قراء وكتاب وناشرين وصحافيين ومثقفين وشعراء وشخصيات عامة وناس عادية الوجوم على كل الوجوه.. بعض الأبصار متعلقة بباب الصوان ربما في انتظار الغائب الحاضر الذي رحل فجأة ليدخل علينا وهو يرتدي البيريه والكوفية ..يحيي المعزين بإيماءة بسيطة كعادته، ثم يختار ركنا هادئاً ليجلس به يتأمل الوجوه.

"متشكر"
كثيرة هي كلمات الرثاء الممزوجة بذكريات لا تنسى ودموع تبلل السطور التي لم تكتب بحبر قلم، بل بنقرات على "الكيبورد"، فالشاعر والصحافي المصري ياسر الزيات، كتب: متشكر جدا يا "ميكي" على صداقة أكتر من تلاتين سنة حقيقية.. متشكر على أوقات الصمت الكتير "زي شكري على أوقات الكلام والضحك ولعب الطاولة ومناقشة البروفات قبل الطبع".. متشكر على النميمة المضحكة، ومتشكر على الحكمة والمحبة "اللي في العيون"، وعلى المشي في الشوارع، على "الكوارع والكشري وطبق الفول والشاي على مياه بيضا بالنعناع".. متشكر على إنك علمتني "ما أعصرش ليمون على السمك زي ما علمتني حاجات كتير في الحياة".. متشكر على "إنك حبيت ولادي بجد فبقيت صاحبهم مش بس عمهم، متشكر على إنك حبيت اللي باحبهم، وكنت دايما جنبي حتى وأنا بعيد".

وأضاف الزيات بعامية تختلط بالفصيحة أحياناً: "شكرا يا ميكي بجد على صدفة وجودك في الحياة في نفس الوقت اللي أنا اتوجدت فيه.. متشكر على الصداقة الحقيقية اللي كان ليك فضل بنائها ونموها.. متشكر على أسرارنا اللي فضلت أسرار يا ميكي.. متشكر جدا لكن هافضل زعلان منك، تلاتين سنة وأكتر عمرنا ما تخاصمنا ولا زعلنا فيهم يا ميكي، لكن دلوقت زعلت منك قوي.. ما صدقتش إنك رحت، وعارف إنك انت كمان ما كنتش مصدق إنك هتروح دلوقت.. مش عارف هاواجه شوارع وسط البلد ازاي، مش عارف إذا كنت هاقدر أقعد ع القهوة تاني ولا لا.. مريت كالطيف يا صديقي، مريت كالطيف".

فنجان قهوة
واتسعت العبارات التي تعبر عن فاجعة رحيل مكاوي لتربط الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، فالروائي اليمني علي المقري كتب: ينسحب مكاوي سعيد فجأة من حياتنا الضاجة باللاشيء بدون كلمة وداع، تاركا فنجان قهوته في "زهرة البستان"، وفتيات ينتظرن مجيئه ليقرأ قصصهن ووجوههن، تاركا مواعيدنا المؤجلة في مقاهي القاهرة وحزنا سيبقى كلما تذكرنا.

أما الروائي السوري خالد خليفة، فكتب عن سعيد: رحيلك كسر قلبي يا صديقي .. مع السلامة يا أميرنا يا مكاوي سعيد، وداعاً لقلبك الطيب، وقلمك المبدع، لا عزاء لنا ولجميع أحبابك.
بدورها كتبت الشاعرة والمترجمة التونسية لمياء مقيدم حكايتها مع سعيد .. "لم أعرف مكاوي سعيد عن قرب إلا في الثلاث سنوات الأخيرة، لكن لا أظن أنني سأنساه بسهولة، ذلك أن بعض الذين يمرون في حياتنا لا يقاس مرورهم بالزمن وإنما بعمق وأثر ما تركوه لدينا.

وأضافت: في تشرين الثاني ٢٠١٥ نزلت إلى القاهرة لتوقيع ديواني في ظروف شخصية متوترة جدا، وفي ظل أحكام مسبقة وعداء من أشخاص لم أعرفهم ولم يسبق أن حصل بيني وبينهم إلا كل خير، حتى أنني لم أتوقع حضور الكثيرين للتوقيع، لكن مكاوي سعيد كتب يقول لي: "معقولة تيجي مصر وماشوفكش! أنا جاي التوقيع" وجاء فعلا.. يومها كتبت له: "الله يجبر بخاطرك" .. بعدها بيوم أو يومين كنت أسير وحدي على غير هدى في وسط البلد ومررت من أمام زهرة البستان، وأنا أحث الخطى حتى لا تقع عيني على من لم يكن يسرني أو يسره أن نلتقي، فسمعت أحدهم ينادي "ياسر" أكثر من مرة، ورغم جهلي بهذه العادة التي تجعل المصريين ينادون النساء بأسماء أزواجهن إلا أن شيئا داخلي قال لي إن المقصودة بالنداء هي أنا، وعندما التفت وجدت مكاوي يشير لي بيده ويدعوني للجلوس معه.. جلست مترددة، لكنه طلب لي شايا وقال لي ما معناه: "اجلسي واستريحي، ولا تخشي شيئا"، وظل ودودا، قريبا متسامحا إلى أن توفي ..

صورة الميدان
ولم تكن صورة الخلفية في حساب الروائي الراحل مكاوي سعيد عادية، فيظهر فيها كأنه "زعيم وسط البلد"، حيث يجلس على كرسي أرابيسك، وبيده كتاب، وخلفه ميدان طلعت حرب، بتمثال الأخير الشهير، هو الذي اشتهر كـ"حارس" لمنطقة "وسط البلد" وحكاياتها، حارسها المتواضع جداً.

وحول الصورة كتب المنتج الفني عيد صالح: من المفارقات الغريبة أننا أثناء إنتاج الفيلم الوثائقي "مقتنيات وسط البلد" مع الكاتب مكاوي سعيد في العام ٢٠١٢، أصر المخرج أحمد شوقي على تصوير لقطة في ميدان طلعت حرب يجلس فيها الكاتب علي كرسي أرابيسك ضخم ليلاً وخلفه الميدان خاليا ومضاء، لقطة مدتها ثوانٍ قليلة في الفيلم، وتكلفتها كبيرة، كمنتج فني للفيلم كنت معجباً ومقدراً للفكرة، لكن كنت أعرف أن الأمر معقد ومرهق لفريق الإنتاج .. في النهاية فعلناها وصورنا المشهد .. اليوم (أول من أمس) استيقظت على خبر رحيل الكاتب مكاوي سعيد، ويتصدر الخبر صورته مأخوذة من هذا المشهد، لأشعر بالحزن علي رحيله عن عالمنا، وقد تكون المواساة لنا أننا أصبحنا جزءاً من حياته بذلك المشهد، وبذلك الفيلم.

رثاء أخير
وعجّت صفحات الكثير من المبدعين بوداع صديقهم الشهير بابتسامته ودعمه للمواهب الشابة، و"قلبه الكبير"، كان من بينهم الروائي السوداني أمير تاج السر، والروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، والروائي الفلسطيني يحيى يخلف، والكاتب اليمني جمال جبران، وغيرهم.

أما الروائي المصري وحيد الطويلة، وكان من عرّابي "لقاء الجمعة" في "زهرة البستان"، حيث كان مكاوي سعيد ضيفاً دائماً، إلا ما ندر، رثاه كاتباً: في زهرة البستان جاءتني باقة ورد دون اسم لمرسلها.. تفكر لحظتها أن واحدة تحبك وتريد أن تخفي نفسها.. أرسلتها لوجه المحبة.. شغلت نفسى فتشت جعبتي.. لم يكن هناك في قاع القلب أي أثر.. ومضت الأيام.

وأضاف: أتذكر الآن.. لم أنس يوما تلك الطيبة المعجونة بالصبر.. على أيام طويلة نام فيها في الظل ككل المبدعين.. صبر طويلا طويلا حتى واتاه حظه. . لعشر سنوات حين تحط الطائرة ويصبح الهاتف متاحا ومن أول ثانية كنت أطلبه لأرى أين موقعه. . من الطائرة إلى البيت أرمي الحقيبة على الواقف دون أن أحرك أنفاسي في البيت ليستيقظ من سباته. . أطير إلى مكاوي في أية بقعة كان.

وتابع الطويلة: حين كتب تغريدة البجعة كان يستحثني لأكلمه بعد كل فصل أحيانا.. كنت خارج مصر وسعادته البالغة تصلني كأنه في حضني. ليس كاتبا كبيرا فقط.. غاندي المبدع يمشي على قدمين.. يظلل وسط البلد بابتسامه حانية ولسان فكه.. كنت أمازحه في لحظات متنوعة بأنهم يجب أن يضعوا تمثالا له في زهرة البستان.. منه تتفرع الجهات.. كتب بقلب.. كتب وسط البلد بشجاعة.. في عنوان لافت.. مقتنيات وسط البلد.. كنت كبيرا يا مكاوي.. بعدك ستخرج فئران صغيرة لا تليق بالكتابة ولا بالمكان.

وختم "في لحظة عتاب قلت لي: الورد بدون اسم كنت من أرسله خفية ومحبة.. المحبة التي تعشش في القلب رغم كل شيء. تليق بالودعاء والكبار. . الآن.. الآن يا مكاوي.. كل الألم والدموع والصدمة لنا ورائحة الغياب المقيتة ..وكل الورد.. كل الورد لك". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: