ضمن سلسلة محاضرات د. يوسف صايغ السنوية

محاضرة في "ماس" تناقش السياسة الاقتصادية في عصر جديد من الليبرالية

2017-12-01


رام الله - "الأيام": نظم معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، مؤخراً، المحاضرة السنوية التاسعة ضمن سلسلة محاضرات الدكتور يوسف صايغ التنموية.
وحضر اللقاء حشد واسع من الجهات الرسمية وغير الرسمية ومن ذوي الاختصاص والمهتمين والطلبة.
وافتتح المحاضرة د. نبيل قسيس مدير عام "ماس" بكلمة ترحيبية تطرق فيها إلى خلفية عقد سلسلة محاضرات باسم الاقتصادي الفلسطيني المرموق يوسف عبد الله صايغ، كتقليد متبع في المعهد للعام التاسع على التوالي تخليداً لذكرى الاقتصادي البارز والإسهامات التي قدمها في مجال الفكر والممارسة الاقتصادية.
كما عبر قسيس عن تقديره العميق لرجل الأعمال عبد المحسن القطان على دعمه محاضرة هذا العام.
وقدم المحاضرة لهذا العام البروفسور هاينر فلاسبيك، جامعة هامبورغ، والمدير السابق لقسم العولمة واستراتيجيات التنمية في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
وتناول فلاسبيك في محاضرته بعنوان: "السياسة الاقتصادية في عصر جديد من الليبرالية -إعادة التفكير جذرياً أمر لا مفر منه"، إشكالية النظرية الاقتصادية السائدة في الدول الصناعية وتداعيات ذلك على السياسات الاقتصادية والتنموية في مختلف البلدان.
كما تناول فلاسبيك نواقص بعض النظريات الاقتصادية والتحديات التي تواجه العالم حالياً.
كما وضح فيها بأن هناك تشابهاً كبيراً في المشكلات الاقتصادية بين الدول النامية والمتقدمة. فالعديد من الظواهر الاقتصادية التي حدثت لم يكن من الممكن التوقع بها حسب علم الاقتصاد.
وعرض فلاسبيك بعض الأمثلة من الدول المتقدمة، والتي بيّن فيها العديد من المشاكل الاقتصادية في بداية السبعينات، والتي ظهرت بارتفاعات مطردة في معدلات البطالة بالتزامن مع الزيادة في الأجور. ولكن بعد السبعينات، تراجعت حصة الرواتب من الدخل القومي بشكل كبير ولكن لم يترافق هذا التراجع مع انخفاض في نسب البطالة في هذه الدول، وهو ما يتعارض مع الفكر الاقتصادي الليبرالي.
ودعا المحاضر إلى وجوب التخلي عن أفكار الاقتصاد النيوكلاسيكي والتي تزعم بأن الرواتب والأجور تتحدد بتضخم الأسعار.
وأوضح بأن الأجور تتحدد بناء على ظروف سوق العمل؛ فإذا كان هناك هدف اقتصادي للتحكم في قيمة التضخم، فيجب أن تكون هناك سياسات وأدوات اقتصادية مترافقة مع هذا الهدف للتأثير على الأجور وخاصة الحقيقية منها.
كما أشار إلى ضرورة تحديد العلاقة بين قيمة الرواتب الحقيقية ومستوى الإنتاجية. فالعديد من دول آسيا وخاصة الصين واليابان، قد رفعت الرواتب الحقيقية بشكل متواز مع الزيادة في الإنتاجية في هذه الدول، وذلك لحث سكانها على شراء المنتجات المصنعة محلياً. وكذلك فعلت المانيا، وهي الدولة الوحيدة في أوروبا التي نجحت في جعل الرواتب الحقيقية أقل من مستوى الإنتاجية.
وانتقل فلاسبيك للحديث عن معدلات الادخار، وأسعار الفائدة، وعلاقتهما بالاستثمار. فبحسب النظرية النيوكلاسيكية، هناك دائما حاجة للادخار من أجل الاستثمار، وبالتالي يتم تحقيق هدف التنمية وزيادة الدخل. فالادخارات من قبل بعض الأطراف (أفراد، وحكومات، ودول) يقابلها دين من قبل اطراف أخرى، بشكل يؤدي إلى صفر فائض في كل العالم. ولكن، بحسب نظرية شومبيتر في التنمية الاقتصادية، فلا يوجد حاجة للادخار، فرأس المال اللازم لتحقيق عملية التنمية هو المال الذي تنتجه البنوك المركزية.
وذكر بعض الدروس من المانيا وكيف انها الدولة الوحيدة في أوروبا التي لا يوجد فيها عجز، بل بالعكس فقد حولت نسبة كبيرة من الدول المجاورة إلى دول مدينة لها، وذلك من خلال تحقيق فائض في حسابها الجاري، إضافة إلى تحقيق زيادة حقيقية في الأجور، وجعل أسعار منتجاتها أقل من الأسعار في الدول المجاورة، ما شجع الشركات على زيادة استثماراتها.
واختتم المحاضر محاضرته بالإشارة إلى أن هناك ثلاثة أسعار مهمة في الاقتصاد الكلي. الأول وهو سعر الفائدة، حيث أن البنوك المركزية يجب أن تتحكم بأسعار الفائدة بشكل كلي، وأن تجعل قيمتها قريبة من الصفر (أو صفر) في حالة عدم وجود استثمارات، من أجل تشجيع الاستثمار. أما السعر الثاني فهو الرواتب والأجور، فقوى السوق لا تؤثر على قيمة الأجور، وانما يجب ان يكون هناك تدخل مباشر من الحكومة لتحديد قيمتها. وطرح الصين كمثال على نجاح سياستها في التحكم في الأجور من خلال الحزب الشيوعي. أما السعر الثالث، فهو سعر صرف العملات، وهو أمر لا يجب ترك التحكم به لقوى السوق.
ودلل على وجهة نظره من خلال المقارنة بين بعض دول أميركا اللاتينية مع دول شرق آسيا، فالأولى قد واجهت مشاكل ضخمة في قيمة عملاتها عند ترك أمر التحكم بها لقوى السوق، بعكس الأخيرة التي حددت سقوفا لأسعار عملاتها.
ودعا فلاسبيك إلى ضرورة وضع نظام نقدي من قبل الدول النامية التي لا يمكنها التحكم بسعر الصرف مثل الدول الكبرى، أسوة ببعض الأنظمة التي وضعتها العديد من الدول بعد الحرب العالمية الثانية. وذلك لتجنب النتائج المدمرة التي عانت منها الدول النامية نتيجة لحرية التجارة وتدفق الأموال اليها دون قيود.
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور يوسف صايغ (2004-1916) هو أكاديمي فلسطيني تولى العديد من المناصب المرموقة، وكان واحداً من أبرز اقتصاديي العالم العربي في القرن العشرين. وتقديراً لمساهماته في التعريف بالاقتصاد الفلسطيني وتشخيص تشوهاته ومقومات نهوضه، وقاد الفريق الوطني الذي قام بإعداد البرنامج العام لإنماء الاقتصاد الفلسطيني 1994-2000 بتكليف من منظمة التحرير الفلسطينية، الذي تم نشره في 1993، فضلاً عن دراساته المعمقة عن التكامل الاقتصادي العربي، يقوم المعهد بتنظيم محاضرة سنوية باسمه. تتناول المحاضرة في كل عام قضية أساسية من قضايا التنمية والتطوير الاقتصادي، وتقدم من شخصية أكاديمية أو مهنية بارزة
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: