إلياس نصر الله في "شهادات على القرن الفلسطيني الأول" .. يكتب نفسه ولنفسه وعنها حكايته الجمعية!

2017-11-28

كتبت بديعة زيدان:

"اقتصر قرار العودة إلى فلسطين على عائلتي الصغيرة، من دون جدتي روزا وخالي فيليب اللذين قررا البقاء في لبنان، ريثما تتضح الأمور. لكن بسبب غياب جدتي وابنيها وابنتيها سنين طويلة عن تبنين مسقط رأسهم، تحول منزلهم في تبنين، الذي كان ملكاً مشتركاً لعائلة جدي يوسف حداد وأخوته، إلى مسكن لأبناء أخوة جدي، أي أبناء عم والدتي. وكانوا قد فتحوا بيتهم لنا حين وصلنا في تموز (يوليو) عام 1948، واستقبلونا على الرحب والسعة. لكن بسبب الازدحام في البيت انتقلنا إلى المنزل في كفرشيما. كان جدي لوالدتي يوسف حداد توفي في شبابه بسبب مرض لم يمهله طويلاً، بعد أن لدغته حشرة استوائية، وذلك أثناء وجوده في غرب أفريقيا، التي كان كثير من اللبنانيين أيام الاحتلال الفرنسي للبنان يذهبون إليها للعمل والتجارة، لأنها واقعة هي الأخرى تحت الاحتلال الفرنسي. بعد هذه المصيبة اضطرت عائلة أمي، في عام 1925 إلى الانتقال والعيش في فلسطين، فاستأجروا شقة في الطابق الثاني فوق بيت حسين عبد الرازق (أبو فريد)، الواقع قبالة المدرسة الكاثوليكية، التي باشر خالي فيليب العمل فيها، وأقاموا في شفا عمرو حوالي 23 عاماً إلى أن وقعت النكبة عام 1948".


كانت هذه الحكاية واحدة من الحكايات المتعددة التي اشتمل عليها كتاب "شهادات على القرن الفلسطيني الأول" للكاتب الفلسطيني إلياس نصر الله، وفاز مناصفة بجائزة إحسان عباس للثقافة والإبداع، وهو الصادر عن دار الفارابي، صيف العام 2016.
 

"في عام 1956 وقع سليم في قبضة الشرطة فحكم عليه بالسجن، وبعد خروجه من السجن في عام 1959 عاد لممارسة حياته العائلية بهدوء، وواصل عمله خبيراً في التوصيلات والتمديدات الكهربائية. انقطعت أخبار سليم عني، تماما مثلما انقطعت عني أخبار غيره ممن عرفتهم في شفا عمرو بسبب غيابي المتواصل عن البلدة في تلك الفترة، وتنقلي بين الناصرة وحيفا والقدس ولاحقاً بريطانيا. فعندما عكفت على تأليف هذا الكتاب في عام 2011، تذكرت سليم. وتمنيت لو أتيحت لي فرصة التحدث إليه، والاستفسار منه عن الرسائل التي كان يحملها من والدي، ولمن كان يسلمها في لبنان".
وأشار البروفيسور قيس فرو، الرئيس السابق لقسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا، في تقديمه للكتاب إلى أن إلياس نصر الله قدم في كتابه هذا "عرضاً يمتزج فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، مكوناً زمناً فلسطينياً واحداً، فبالتذكر المتيقظ صوّر إلياس جوانب من ماضي فلسطينيي الداخل والشتات، وبالانتباه ألقى الضوء على مأساتهم المستمرة، وبالتوقع استشفّ مستقبلاً فلسطينياً محفوفاً بالمخاطر"، لافتاً إلى أن "وسّع المفهوم البسيط للتاريخ، حيث لم يكتف باستحضار ذاكرته الشخصية، وإنما زودها بمصادر متعددة ساعدته على إنتاج تاريخ حافل بالأحداث، جعلت منه مؤرخاً بنفسه ولنفسه ولغيره".
وحول الكتاب، قال نصر الله، في كلمته بحفل تسلم جائزة إحسان عباس للثقافة والإبداع: لا يحتوي الكتاب على شهادات لي وحولي فقط، إنما هي شهادات لأقارب وأصدقاء، ولأشخاص سمعتها مباشرة منهم، ودونتها بنفسي، فهي بذلك مادة أولى لم تكن منشورة من قبل، وتمتد ما بين عام 1916 وحتى عام 2014 ... كنت أضطر في بعض الأحيان إلى كتابة قصة ذات علاقة بي، ومن ثم ابحث عن أشخاص لهم علاقة بالقصة التي كتبت أو أود كتابتها".
 

واستذكر نصر الله حكاية سليم شحادة من شفا عمرو، التي أشرت إليها سلفاً في التقرير، وهو الذي تطوع عام 1948، لنقل رسائل من الداخل المحتل إلى أقاربهم اللاجئين في لبنان، ويسلمهم إياها باليد .. "أجريت معاه حواراً قبل أن يتوفى، وكانت ذاكرته جيدة ومتقدة، وسألته عن الرسائل التي كان يحملها إلى والدي، كما سألته عما دفعه للقيام بذلك، فتبين في البداية أن النخوة كانت دافعه الأساس، لكن مع الوقت تحولت عملية نقل الرسائل إلى عمل تجاري يحقق أرباحاً من ورائه، بل إنه أخبرني بمساهمته في إعادة لاجئين في لبنان إلى فلسطين، وهذا تفصيل مهم بالنسبة لي".
وأضاف: في البداية رفض التصريح لي بأسمائهم، ولكن أخبرني عنهم في وقت لاحق، فتأكدت من صحة ما رواه لي، ووجدت أن وراء كل عائد منهم حكايته، وبالتالي امتد الكتاب في ملاحقة لهذه الشهادات إلى سبعمائة صفحة، وهو أمر ليس بالهيّن لا على القارئ ولا الناشر، لكني كنت مضطراً لنقل الشهادات بدقة وتفصيل وبالأسماء، فكل اسم ذكر في الكتاب تحققت من صحته، ومن صحة روايته، أو صحة ما روي عنه".
قدم نصر الله قصصاً متعددة حول ما حدث لأبناء عائلته وبلدته قسم منها في القترة العثمانية، والقسم الأكبر في فترة الاحتلال البريطاني ونكبة فلسطين، حيث بنى من قصصه حول تهجير سكان حيفا، ومعركة هوشه والكساير، وسقوط شفا عمرو، ولجوء عائلته إلى لبنان، سردية صغرى لنكبة فلسطين، كما سرد قصصاً

عن طفولته وشبابه، ولاحقاً نكسة 1967 التي تزامنت مع بداية دراسته الجامعية وانتقاله للإقامة في القدس، وعمله في صحف "الاتحاد"، و"الشعب"، و"الفجر"، ويؤسس بعدها صحيفة "الطليعة"، قبل أن يفتح دار صلاح الدين للعلاقات العامة، وتحولت فيما بعد لدار نشر، أشار نصر الله إلى أن أول ما نشرته كان مجموعة شعرية لأسعد الأسعد.
 

وأشار البروفيسور قيس فرو، إلى أن وعي نصر الله التاريخي "استفاق" بعد اتهام نتنياهو للحاج أمين الحسيني بأنه صاحب فكرة الهولوكوست، حيث ختم كتابه بفصل حول هذا الموضوع "يصلح أن يكون مقالة تاريخية فيها كل عناصر التاريخ الحرفي".


وأكملت الصور المرفقة في الكتاب شهادات نصر الله، فكان من بينها صورة لـ"بطرس والد إلياس إلى جانب سيارته في لقطة من ثلاثينيات القرن الماضي"، وأخرى لـ"روزا حداد جدة إلياس نصر الله وابنتها وردة وابنها حنا عام 1940"، وثالثة لـ"بطرس ووردة والدي إلياس يوم زفافهما عام 1943" .. ومن بين الصور واحدة له "على أنقاض منزل سليم الخوري في قرية إقرث عام 1966"، وواحدة يتوسط فيها صاحب الكتاب كل من "خليل السواحري ويوسف البرقوني" بلباس السباحة "على شاطئ غزة عام 1968"، وأخرى برفقة "فليتسيا لانغر عام 1999" .. ومن الصور اللافتة واحدة لـ"توفيق زياد يحمل فارس نجل إلياس عام 1987"، وأخرى تجمعه مع "إيميل حبيبي وناجي العلي" في العام نفسه، وهذا ما ينطبق على الوثائق المصورة داخله، ومن بينها "رسالة الجيش الإسرائيلي لدير راهبات الناصرة في شفا عمرو، يقر بمصادرة باصات محطة الكرمل عام 1948".

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: