مدينة "حصن كيفا" العائدة لعشرة آلاف سنة.. أيامها معدودة

2017-10-24


حصن كيفا - تركيا - أ ف ب: يتعرج نهر دجلة بهدوء بين الآثار القديمة والمآذن في مدينة حصن كيفا التي توالى على حكمها الرومان والبيزنطيون وقبائل تركية، إلا أن النهر سيفيض قريباً ويغمر تدريجياً هذه القلعة التي يربو تاريخها على عشرة آلاف سنة.
السبب في ذلك سد توليد الكهرباء الضخم في إليسو الذي يقام في سافلة النهر، ومع الانتهاء من تشييد السد ستغمر المياه حصن كيفا بمناظرها الخلابة وجسورها الحجرية ومعالمها الأخرى.
وتشدد الحكومة على أن المشروع سيوفر الطاقة ومياه الري الضروريتين لتنمية جنوب شرقي تركيا الذي تسكنه غالبية كردية وهي منطقة أهملتها الحكومة المركزية في أنقرة لفترة طويلة.
أما الآثار التاريخية فهي ستنقل إلى منطقة آمنة في اطار عملية ضخمة تذكر بتلك التي حصلت في ستينيات القرن الماضي في صعيد مصر عندما بنى عبد الناصر سد أسوان على نهر النيل.
الا ان الكثير من ابناء حصن كيفا ينظرون إلى غمر المياه للمدينة التي تضم ستة الاف نسمة، على انه كارثة.
ويقول محمد امين ايدين وهو تاجر محلي: "سنكافح أطول فترة ممكنة لمنع القضاء على جمال هذه المدينة وتاريخها".
ويؤكد عارف ايهان من جمعية التجارة والسياحة في حصن كيفا بأسى "لا رجوع إلى الوراء" خصوصا وان اعمال بناء السد شارفت على نهايتها. ويضيف: "كان ينبغي عليهم الاصغاء إلى السكان بدلا من تجاهلهم. يشعر سكان المنطقة بأن الدولة تستبعدهم بينما نحن الضحية".
واكتملت تقريبا أعمال بناء السد ويفترض أن تبدأ عملية احتجاز المياه التي ستفضي إلى قيام بحيرة اصطناعية ستغمر على مر الاشهر حصن كيفا، في 31 كانون الاول.
وقد بدأ من الآن نقل النصب والآثار.
فخلال عملية لافتة في ايار، نقلت السلطات ضريح زينل بك الذي شيد في القرن الخامس عشر تكريما لاحد وجهاء قبيلة اك كويونلو التي كانت تسيطر على شرق الاناضول.
واحتاج الموكب إلى خمس ساعات لقطع مسافة كيلومترين يفصلان حصن كيفا عن الموقع الجديد حيث وضع الضريح العائد للقرون الوسطى والدائري الشكل الذي تعلوه قبة.
وسينضم إليه حوالى عشرة آثار بحلول نهاية السنة، وتأمل السلطات ان يتحول هذا "المتنزه الاثري" الواقع بجوار البحيرة الاصطناعية المقبلة، نقطة جذب سياحي رئيسة.
الا ان نقل ضريح زينل بك عزز مخاوف الذين يأخذون على السلطات التركية انها ماضية بمشروعها من دون الاهتمام بالارث التاريخي للمنطقة.
ويعتبر الاتحاد الاوروبي للارث الثقافي "اوروبا نوسترا" ان هذه العملية تتم "من دون استشارة كافية للسكان المحليين والخبراء" وفي ظل هذه الظروف تواجه النصب الاخرى "خطرا كبيرا".
وقام جدل حاد في آب مع نشر اشرطة فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يؤكد فيها سكان وناشطون معارضون لبناء السد أن المشاهد تظهر مهندسين يفجرون جرفا صخريا في حصن كيفا.
واحتجاجا على ذلك اوثق النائب في حزب الشعوب الديموقراطي المعارض، محمد علي اصلان نفسه إلى صخرة على الجرف.
ورغم اشرطة الفيديو هذه، نفى محافظ بطمان التي تضم حصن كيفا ان تكون السلطات استخدمت متفجرات مؤكدا أن حجارة الجرف الصخري سحبت بسبب خطر وقوع انهيار.
ووضع الحجر الاساس لسد إليسو في محافظة ماردين المجاورة في العام 2006. واكد الرئيس الحالي رجب طيب اردوغان الذي كان يومها رئيسا للوزراء ان هذا المشروع "يثبت أن جنوب شرقي البلاد ليس مهملا" واعدا ان يوفر هذا السد الضخم "إفادة كبيرة" جداً للسكان.
وسد إليسو يندرج ضمن مشروع جنوب شرقي الاناضول للتطوير الهادف إلى تحفيز اقتصاد هذه المنطقة من خلال الطاقة والري بوساطة حوالى عشرين سداً لترويض مياه دجلة والفرات.
الا ان بناء هذا السد تخللته حوادث كادت تفشل انجازه.
ففي العام 2009 انسحب مستثمرون سويسريون ونمسويون والمان منه، معتبرين ان انقرة لم توفر ضمانات كافية على صعيد حماية البيئة والتراث.
ورأت انقرة في ذلك "قرارا سياسيا" مؤكدة أن المشروع الذي قدرت كلفته بـ 1,2 مليار يورو سينجز بمساعدة المصارف التركية.
واستحال بناء السد موضوعا حساسا في تركيا.
فقد أوقف المصور الفرنسي ماتياس دوباردون في ايار الماضي عندما كان ينجز تحقيقا حول حصن كيفا.
وقد طردته السلطات بعد سجنه لمدة شهر متهمة اياه بالترويج لـ "دعاية ارهابية" مؤيدة للانفصاليين الاكراد. الا ان اسباب توقيفه الرئيسة التي تبقى غامضة، قد تكون مرتبطة باهتمامه بحصن كيفا.
وتعهدت الحكومة بتأمين مساكن جديدة لسكان حصن كيفا وقد بنيت اكثر من 700 وحدة سكنية في مرتفعات البلدة. إلا ان الامر لا يرضي السكان.
ويقول ايواس تونش الحزين لمغادرة المدينة: "لا أريد شيئا من الدولة أريدها فقط ألا تمس بحصن كيفا".
ويتابع قائلا: "جل ما أطلبه هو أن تبقى حصن كيفا على حالها بكل روعتها. أريد ان اعيش هنا. لا اريد ان تختفي المدينة تحت المياه".

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: